fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - هآرتس

ترجمة - هآرتس

مقالات الكاتب

دفن “النكبة”: كيف أخفَت إسرائيل أدلّة طرد العرب عام 1948؟

منذ أربع سنوات مضت، صُعِقت المؤرّخة الإسرائيليّة تامار نوفيك إثر مطالعتها وثيقة وجدتها في ملف جوزيف واشيتز، من القسم العربيّ في حزب مبام اليساريّ، في أرشيف “ياد يعاري” في “جفعات حبيبا”. بدأت الوثيقة – التي بدا أنّها تصف أحداثاً وقعت في حرب 1948، بالقول:

“في قرية صفصاف (قرية فلسطينيّة بائدة قرب مدينة صفد)، ألقي القبض على 52 رجلاً وقيّدوا معاً، ثم حُفِرَت حفرة وأطلقت عليهم النيران. ظلّ عشرة منهم يرتعشون، فجاءت النساء يستعطفن من أجل الرحمة. عُثِر على جثث لستّة رجال من كبار السنّ. وكانت هناك 61 جثّة وثلاث حالاتِ اغتصاب، واحدة شرق صفد؛ فتاة في الرابعة عشرة من العمر، و4 رجال أطلق عليهم الرصاص وقُتِلوا. إحدى الجثث قُطعَت منها أصابع اليد بالسكّين لانتشال الخاتم منها”.

يواصل الكاتب وصف مجازر أخرى وعمليّات نهب وإساءات ارتكبتها القوات الإسرائيليّة في “حرب الاستقلال” (إعلان قيام دولة إسرائيل 1948). بحسب تصريح نوفيك لصحيفة “هآرتس” الإسرائيليّة، “ليست هناك أسماء في الوثيقة، وليس واضحاً مَن الذي يقف خلفها. تنقطع الوثيقة في منتصفها؛ وأجد ذلك أمراً مزعجاً للغاية. أعلم أنّ العثور على وثيقة مثل هذه يجعلني مسؤولةً عن توضيح ما قد حدث”.

استولَى الجيش الدفاع الإسرائيليّ على قرية صفصاف، في الجليل الأعلى، في عمليّة حيرام نهاية عام 1948؛ وأنشِئت على أنقاضها موشاف صفصوفة. أثيرت مزاعم على مدار الأعوام الماضية حول ارتكاب “اللواء السابع” جرائمَ حرب في القرية. تدعم تلك الاتّهاماتِ الوثيقةُ التي عثرَت عليها نوفيك، وهي وثيقة لم تكن معروفة من قبل لدى العلماء والباحثين؛ وقد تمثّل أيضاً دليلاً إضافيّاً على أنّ كبار الضبّاط الإسرائيليّين كانوا على علم بما كان يحصل في حينه.

قرّرت نوفيك استشارة مؤرّخين آخرين بشأن الوثيقة. أخبرها بيني موريس، الذي تعدّ كتبه مراجعَ أساسيّةً في دراسة “النكبة”، وهي كلمة توحي بالكارثيّة والمصيبة يستخدمها الفلسطينيّيون في الإشارة إلى التهجير الجماعيّ للعرب من البلاد أثناء حرب 1948، أنّه أيضاً عثَرَ على وثائق مشابهة في الماضي. وكان بهذا يشير إلى مسوّدات كتبها آهارون كوهين، عضو اللجنة المركزيّة في حزب مبام، ارتكازاً على إحاطة أدلى بها، في تشرين الثاني/ نوفمبر 1948، إسرائيل جليلي قائد الأركان السابق في ميليشيات الهاجاناه، التي تحوّلت لاحقاً إلى “جيش الدفاع الإسرائيليّ”. في هذا المثال، تشير مسوّدات كوهين، التي نشرها موريس، إلى أنّ “52 رجلاً من قرية صفصاف قُيّدوا بحبل، وأُلقوا في حفرة ثم أُطلقَت عليهم النيران. قُتِل منهم 10، واستجدت النساءُ الرحمة. وكانت هناك 3 حالات اغتصاب. أُلقي القبض على البعض ثم أُطلِق سراحُهم. اغتُصِبَت فتاة في الرابعة عشرة من العمر. قُتِل أربعة آخرون. انتُزعَت الخواتم من أصابع اليد بالسكاكين”.

يشير هامش لموريس (في حلقة دراسيّة بعنوان “منشأ أزمة اللاجئين الفلسطينيّين 1947-1949”) إلى أنّ هذه الوثيقة وُجدَت أيضاً في أرشيف “ياد يعاري”. إلّا أن نوفيك فوجِئت باختفاء الوثيقة حين عادت إلى الأرشيف لفحصها.

تتذكّر نوفيك قائلةً “في البداية اعتقدت أنّ موريس ربّما لم يكن دقيقاً في ما كتبه في الهامش، لدرجة أنّه ربّما أخطأ. استغرق الأمر وقتاً كي آخذ في الاعتبار إمكان أن تكون الوثيقة – ببساطة – قد اختفت”. وحين سألَت القائمين على الأمر عن مكان الوثيقة، أخبروها أنّها وُضعَت في مكانٍ مغلَق في أرشيف “ياد يعاري”، بأمرٍ من وزارة الدفاع.

منذ بداية العِقد الماضي، تقوم فِرَق وزارة الدفاع الإسرائيليّة بتمشيط الأرشيفات الإسرائيليّة وإزالة الوثائق التاريخيّة. غير أنّ ما يُخفى ويُدرج في الخزائن لا يقتصر على الأوراق المتّصلة بمشروع إسرائيل النوويّ أو العلاقات الخارجيّة للبلاد، إذ تم التسترّ على مئات الوثائق كجزءٍ من جهودٍ منظّمة لإخفاء أيّ أدلة على النكبة.

اكتُشِف الأمر بداية، من خلال معهد أكيفوت لأبحاث الصراع الفلسطينيّ-الإسرائيليّ. ووفقَ تقريرٍ أعدّه المعهد، يقود هذه العمليّة جهاز مالماب، وهو إدارة أمنيّة سرّيّة في وزارة الدفاع (واسمها هو الاختصار العبريّ لجملة “مدير أمن المؤسّسة الدفاعيّة”)؛ فنشاطها وميزانيّتها سريّان. يؤكّد التقرير أنّ جهاز مالماب أزال وثائق تاريخيّة بشكل غير قانونيّ، من دون سلطة تخوّلها القيام بهذا. وقامت بعزل وإغلاق بعض الوثائق التي سبَق تحريرها وإعدادها للنشر من قِبَل الرقابة العسكريّة. وقد نُشرت بالفعل بعض الوثائق التي أُدرِجت في الخزائن. 

 وجد تقرير استقصائيّ أجرته “هآرتس” أنّ جهاز مالماب أخفى شهاداتٍ لقادة في “جيش الدفاع الإسرائيليّ” عن حالات قتل مدنيّين وهدم وإزالة القرى، إضافةً إلى توثيقات عمليّة طرد البدو أثناء العقد الأول من إنشاء الدولة اليهوديّة. وكشفت حوارات مع مديري الأرشيفات العامّة والخاصة، أنّ موظّفي الإدارة الأمنيّة تعاملوا مع الأرشيفات وكأنّها ملكيّة خاصة.

في تصريحاتٍ لصحيفة “هآرتس”، أقرّ يحئيل‎ حوريف – الذي أدار جهاز مالماب لعِقدين من الزمن حتّى عام 2007 – أنّه هو مَن بدأ المشروع الذي لا يزال قائماً. ويؤكّد على أنّه من المنطقيّ إخفاء أحداث عام 1948، لأنّ الكشف عنها قد يؤدي إلى خلقِ حالة من التوتر والاضطرابات بين السكّان العرب في البلاد. وعند سؤاله عن مغزى إزالة الوثائق التي نُشِرَت بالفعل، شرح لنا أنّ غرضَ هذا هو تقويض صدقيّة الدراسات حول تاريخ قضيّة اللاجئين. 

مذكرات كوهين

أثناء الاستقصاء، استطاعت “هآرتس”، في الواقع العثورَ على مذكّرات آهارون كوهين، التي لخّصت اجتماعاً للجنة السياسيّة في حزب مبام حول قضيّة المجازر وعمليّات التهجير عام 1948. دعا المشاركون في ذلك الاجتماع إلى التعاون مع لجنة التحقيق التي كانت ستحقّق في الأحداث. تعلّقت إحدى الحالات التي ناقشتها اللجنة بـ”الأعمال الخطيرة” التي نُفّذت في قرية الدوايمة، شرق كريات جات. في هذا السياق، أشار أحد المشاركين إلى ميليشيات ليهي السرّية، التي كانت حُلّت حينها. وأُشير أيضاً إلى أعمال النهب والسلب، بالقول إنّه “لم يبقَ متجرٌ عربيّ في اللدّ والرملة وبئر السبع إلّا واقتُحِم ونُهِب. ألقى اللواءُ التاسع باللائمة على اللواء السابع، الذي ألقاها بدورِه على اللواء الثامن”.

 مع قرب نهايتها، تشير الوثيقة إلى أنّ “الحزبَ يعارض عمليات الطرد والتهجير إن لم تكن هناك ضرورة عسكريّة لذلك؛ وهناك مقارَبات مختلفة في ما يتعلّق بكيفيّة تقدير تلك الضرورة؛ ويحبّذ إضافة المزيد من التوضيحات في هذا الصدد. ما حدث في الجليل ليس سوى تصرّفات نازيّة؛ وعلى جميع أعضائنا الإبلاغ عمّا يعرفونه”.

 الرواية الإسرائيليّة

 إحدى أكثر الوثائق جاذبيّة عن أصول قضيّة اللاجئين الفلسطينيّين هي وثيقة كتبها ضابط في وحدة “خدمة المعلومات – شاي”، وهي سلف جهاز الأمن العام الإسرائيليّ “شاباك”. تناقش تلك الوثيقة أسباب تفريغ البلاد من سكّانها العرب، مع تفصيلٍ عن ظروف كلّ قرية على حدة. صنّفت الوثيقة عام 1948، وكان عنوانها “هجرة العرب من فلسطين”.

كانت هذه الوثيقة ركيزةُ مقالة نشرها بيني موريس عام 1986. بعد نشر المقالة أُزيلت الوثيقة من الأرشيف وتعذّر على الباحثين الوصول إليها. بعد سنواتٍ أعاد فريق جهاز مالماب فحص الوثيقة، وأعطى أوامره بأن تظلّ سرّيّة. ما كان لهم أن يعرفوا أنّه بعد سنواتٍ قليلة لاحقة سيجد باحثون من معهد أكيفوت نسخةً منها وأنهم سيستطلعون رأي الرقيب العسكريّ فيها، فيجيز نشرها. واليوم، بعد سنواتٍ من التعتيم، نكشف هنا عن لبّ تلك الوثيقة.

الحقيقة المرّة

تبدأ الوثيقة المكوّنة من 25 صفحة بمقدّمة تقرّ من دون خجل بإخلاء القرى العربيّة من سكّانها. ووفقاً لكاتب الوثيقة، شهد شهر نيسان/ أبريل “زيادةً كبيرة في حالات الهجرة”، فيما كان أيار/ مايو “مباركاً بإخلاء أكبر عدد من الأماكن”. ثم يُعالِج التقرير “أسباب الهجرة العربيّة”. بحسب الرواية الإسرائيليّة، التي انتشرت على مدار السنين الماضية، تقع مسؤوليّة “هجرة العرب من إسرائيل” على عاتق السياسيّين العرب الذين شجّعوا السكّان على الرحيل. غير أنّ 70 في المئة من العرب الذين هاجروا، وَفق الوثيقة نفسها، كانت هجرتهم نتيجة للعمليّات العسكريّة اليهوديّة.

يُرتب كاتب الوثيقة المجهول، أسبابَ رحيل العرب طِبقاً لأهميّتها. السبب الأول هو “أفعال العداء اليهوديّة المباشرة ضدّ أماكن الاستقرار العربيّ”. أمّا السبب الثاني فهو تأثير تلك الأفعال على القرى المجاورة. والسبب الثالث فهو “العمليّات التي تقوم بها حركتين منشقّتين”؛ هما الإرجون وليهي السرّيّتَان. أمّا السبب الرابع لخروج العرب من البلاد فهو الأوامر التي أصدرتها المؤسسات و”العصابات” العربيّة (كما تصف الوثيقة كل الجماعات العربيّة المقاتِلة). خامس تلك الأسباب هو “التهامس بالعمليّات” اليهوديّة، لدفع السكّان العرب إلى الفرار”. ثم يأتي العامل السادس والأخير وهو “إنذارات الإخلاء”.

يؤكّد الكاتب على أنّ “العمليّات العدائيّة كانت السبب الرئيسيّ لهجرة السكّان”. إضافةً إلى ذلك، “أثبت استخدام مكبّرات الصوت باللغة العربيّة فعاليته عند فعل ذلك بشكل صحيح”. أما بالنسبة إلى عمليّات الإرجون وليهي، فيلاحظ التقرير أنّ “كثيرين في قرى الجليل الأوسط بدأوا الفرار عقب أسْر وجهاء قرية “الشيخ مؤنس”. عرَفَ العرب حينها أنّه ليس كافياً عقدُ اتفاقيّة مع الهاجاناه، وأنّ هناك يهوداً آخرين يجب الحذر منهم”.

يصف ملحق في الوثيقة الأسبابَ الخاصّة لهجرة عشرات المواقع العربيّة: عين الزيتون: “تدميرنا القرية”، قيطية: “المضايقات والتهديد بشنّ هجوم”، المَنيّة: “هجومنا، وقتل الكثيرين”، الطيرة: “بشكل ودّي، ونصائح يهوديّة”، العمارير: “بعد عمليّات سطو ونهب وقتل قامت بها الميليشيات المنشقّة”، سمسم: ” إنذارنا النهائيّ”، بير سالم: “الهجوم على دار أيتام”، زرنوقة: “الهجوم والاستيلاء على القرية وطرد سكّانها”. 

مجموعة من المتفجرات

في مستهل هذا القرن، أجرى مركز إسحاق رابين سلسلة من المقابلات مع شخصيات عامة وعسكرية سابقة في إطار مشروع لتوثيق أنشطتهم في خدمة الدولة. لكن صادرت إدارة الأمن السرية لوزارة الدفاع الإسرائيلية (مَالماب) هذه المقابلات أيضاً. قارنت “هآرتس” النصوص الأصلية لتلك المقابلات –التي استطاعت الحصول على الكثير منها– بالنصوص المتاحة حالياً، بعدما صُنفت أجزاء كبير منها على أنها وثائق سريّة.

من بينها على سبيل المثال مقاطع من شهادة العميد – المتقاعد – آريه شاليف حول ترحيل سكان قرية قال إن اسمها “صبرا” إلى خارج الحدود. وحُذفت السطور التالية في ما بعد من نص المقابلة، “حدثت مشكلة خطيرة للغاية في القرية. فقد أراد لاجئون العودة إلى قراهم في منطقة المثلث – وهي تجمُّع مدن وقرى عربية شرق إسرائيل. لكننا طردناهم. وقد قابلتهم لإقناعهم بعدم العودة. ولدي وثائق حول هذه الواقعة”.

 وفي حالة أخرى، قرر جهاز مالماب حجب الجزء التالي من مقابلة أجراها المؤرخ بُوعز ليف توف مع اللواء المتقاعد إلعاد بيليد:

ليف توف: “هل نتحدث عن جميع السكان، بما في ذلك النساء والأطفال؟” 

-نعم. الجميع… الجميع. 

-ألم تفرق بينهم؟”

-المسألة في غاية البساطة. فالحرب بين شعبين. على كليهما الخروج من بيوتهم. 

-إذا كان هناك بيت بالفعل، ألا يعني هذا أن لديهم مكاناً ليعودوا إليه؟

-وقتها لم تكن الجيوش تكوّنت بعد، بل مجرد عصابات. في الحقيقة كنا نحن أيضاً عصابات. نخرج من البيت ثم ما نلبث أن نعود إليه. وهم أيضاً، يخرجون من البيت ثم يعودون إليه. إما أن تكون تلك بيوتنا أو بيوتهم.

-إذاً فإن الهواجس وتأنيب الضمير منبعهما الجيل الجديد فحسب؟ 

-“نعم، جيل اليوم. عندما أجلس على كرسي هنا وأتأمل ما حدث، تخطر ببالي شتى الأفكار.

-ألم تكن هذه حالك وقتها؟

-حسناً، دعني أخبرك أمراً بغيضاً وقاسياً حول الغارة الكبيرة عن قرية سعسع (قرية فلسطينية في الجليل الأعلى). كان الهدف الفعلي هو ردعهم وإخبارهم التالي، “تستطيع البلماخ (سرايا الصاعقة التابعة لمنظمة الهاجاناه الصهيونية) الوصول لأيّ مكان، لستم محصنين”. كان هذا هو قلب القرى العربية. لكن ماذا فعلنا؟ فجرت فصيلتي 20 بيتاً بكل ما فيه. 

-بينما كان الناس نياماً؟

-على ما أظن. ما حدث في تلك القرية هو أننا وصلنا للمكان ودخلنا القرية وزرعنا قنبلة بجوار كل بيت، ثم نفخ حومش في بوق، إذ لم يكن لدينا أجهزة لاسلكي، وكانت تلك هي الإشارة المتفق عليها للرحيل بين قواتنا. كنا نجري للخلف، وبقي المهندسون العسكريون، كانوا يفجرون القنابل يدوياً، كانت العملية كلها بدائية. كانوا يشعلون الفتيل أو يسحبون كبسولة التفجير ثم تختفي كل تلك البيوت”.

 وإليكم فقرة أخرى، أرادت وزارة الدفاع حجبه، مصدرها هو حوار للدكتور ليف توف مع اللواء أبراهام تامير:

 تامير: “كنت تحت قيادة تشِيراه (اللواء تسفي تسور الذي أصبح فيما بعد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي)، وكانت تجمعنا علاقة عمل رائعة. فقد منحني حرية التصرف. كنت مسؤولاً عن أعمال الوحدات وسير العمليات في الوقت الذي حدث فيه تطوران ناجمان عن رئيس الوزراء ديفيد بن غوريون. كان أحدهما عندما وصلت تقارير حول مسيرات اللاجئين من الأردن صوب القرى المهجورة في (إسرائيل). ومن ثم نصت سياسة بن غوريون على ضرورة هدم تلك القرى حتى لا يتبقى لأولئك المهاجرين مكان ليعودوا إليه. ويعني هذا هدم جميع القرى العربية أو معظمها، والتي كان جزء كبير منها يقع ضمن المنطقة المشمولة تحت القيادة المركزية”.

 ليف توف: “البيوت التي كانت لا تزال قائمة؟ 

-أقصد البيوت التي لم يكن سكنها إسرائيليون بعد. كانت لدينا قرى استقر فيها إسرائيليون بالفعل، مثل زكريا وغيرها. لكن معظم القرى كانت لا تزال مهجورة. 

-وهل كانت البيوت في تلك القرى قائمة؟

 -كانت قائمة. كان من الضروري ألا يوجد مكان يعودون إليه، لذا جمعت كتائب المهندسين في القيادة المركزية، وخلال 48 ساعة سويت كل تلك القرى بالأرض. ولم يكن هناك مكان ليعودوا إليه. 

-أتصور أنك فعلت ذلك دونما تردد. 

-نعم بلا تردد. كانت تلك هي السياسية وقتها. حشدت القوات وذهبنا إلى هناك ونفذنا الأمر”.

 

صناديق في الأقبية

يقع مركز “ياد يعاري للبحث والتوثيق” قبو تحت الأرض، وهو عبارة عن غرفة صغيرة جيدة التأمين، أكوام من الصناديق التي تحتوي على وثائق سرية. يضُم الأرشيف المستندات الخاصة بحركة “هاشومير هاتزاير” وحركة “كيبوتس هَآرتسي” وحزب “مبام” و”ميرتس” وغيرها من الكيانات، مثل منظمة “السلام الآن”.

مدير الأرشيف هو دودو أميتاي، وهو أيضاً رئيس أرشيفات إسرائيل. وكما أخبرنا أميتاي، فقد زار عناصر جهاز “مَالماب” الأرشيف بانتظام بين عامي 2009 و2011. وقال العاملون في الأرشيف إن فرق إدارة الأمن هذه، كان يأتي عناصرها إلى الأرشيف مرتين أو ثلاث مرات أسبوعياً. وكانوا يبحثون عن وثائق بحسب كلمات محوريّة مثل “نووي” و”أمن” و”رقابة”، وقد خصصوا وقتاً طويلاً أيضاً لـ”حرب الاستقلال” (حرب 1948) ومصير القرى العربية في فترة ما قبل 1948.

 يقول أميتاي، “في النهاية، سلمونا ملخصاً، قائلين إنهم حددوا عشرات الوثائق الحساسة. لا نفصل عادة بين الملفات، لهذا نُقلت عشرات الملفات بأكملها إلى قبو الأرشيف وحذفت بياناتها من الفهرس العام”. قد يحتوي الملف الواحد على أكثر من 100 وثيقة.

 يتناول أحد الملفات المُغلقة، ما كانت تفعله الحكومة العسكرية التي تحكمت في حياة المواطنين العرب في إسرائيل بين عامي 1948 و1966. ظلت الوثائق مُخزّنة في القبو لأعوام، ولم يتمكن الباحثون من الوصول إليها. لكن راهناً، وإثر طلبٍ من البروفيسور غادي الغازي، وهو مؤرخ من جامعة تل أبيب، بالاطلاع على أحد الملفات، فحص أميتاي الملف بنفسه ورأى أنه لا سبب يمنعهم من إعادة الملف للأرشيف و إتاحته للجميع، بغض النظر عن رأي عناصر جهاز مالماب.

وفقاً لِغازي فقد تكون هناك أسباب وراء قرار جهاز مالماب في الإبقاء على الملف سرياً. أحدها له علاقة بملحقٍ سري لتقريرٍ من اللجنة التي فحصت ما قامت به الحكومة العسكرية. يتناول التقرير بشكلٍ شبه كامل معارك ملكية الأراضي بين الدولة والمواطنين العرب، ونادراً ما يقترب من المسائل الأمنية.

هناك احتمال آخر، وهو تقرير من عام 1958 كتبته اللجنة الوزارية التي أشرفت على الحكومة العسكرية. في إحدى التذييلات المرفقة مع التقرير السري، يوضح الكولونيل ميشائيل شاهام، الضابط الأقدم في الحكومة العسكرية، أن السبب الوحيد في عدم حل جهاز الأحكام العرفية هو الحاجة إلى تقييد إمكان وصول المواطنين العرب إلى سوق العمالة، ومنع استعادة القرى المُدمَّرة.

 التفسير الثالث المُحتمل لإخفاء الملف، يخص شهادة تاريخية سابقة غير منشورة عن ترحيل البدو. فقبل تأسيس إسرائيل، عاش حوالى 100 ألف بدوي في صحراء النقب، وبعدها بثلاث سنوات، قلّ عددهم إلى 13 ألفاً. وخلال حرب 1948 والسنوات التالية، نُفذ عمليات ترحيل في جنوب البلاد. في واحدة من الحالات، أبلغ المراقبون التابعون للأمم المتحدة أن إسرائيل طردت 400 بدوي من قبيلة العزازمة، واستشهدوا بإفاداتٍ عن إحراق الخيام. يصف الخطاب الذي ظهر في الملف السري عملية ترحيل مشابهة حدثت عام 1956، وجاء فيه حسبما ذكر عالم الجيولوجيا أبراهام بارنز:

“قبل شهرٍ مضى زرنا وادي الرمان (وهو فوهة بركانية قديمة). أتى إلينا بدو منطقة “مُحيلة” (Mohila) مع ماشيتهم وعائلاتهم وطلبوا منا تناول الطعام معهم. قلتُ إن لدينا أطناناً من العمل وإننا لا نملك وقتاً. وخلال زيارتنا هذا الأسبوع، توجهنا إلى المنطقة مرة أخرى، لكن بدلاً من أصوات البدو و ماشيتهم، كان الصمت مخيماً. وكانت أعداداً كبيرة من الجمال الميتة مبعثرة في المنطقة. عرفنا بعدها أن جيش الدفاع الإسرائيلي “عبثوا مع البدو” قبل مجيئنا بثلاثة أيام، وقتلوا ماشيتهم؛ أُطلق الرصاص على الجمال، وألقيت القنابل على الماعز. اشتكى واحد من البدو فقتل، وهرب الباقون”.

وتستمر الشهادة، “قبل ذلك بأسبوعين، أُمروا بالبقاء في أماكنهم في الوقت الراهن، وبعدها أُمروا بالرحيل، ومن أجل إسراع العملية، ذبحوا 500 رأس من الماشية… نُفذت عملية الترحيل “بكفاءة”. ثم اقتبس الخطاب ما قاله أحد الجنود لِبارنز، وفقاً لشهادته فإنهم، “لم يكونوا ليرحلوا إلا إذا قتلنا ماشيتهم. اقتربت منا فتاة صغيرة تبلغ 16 سنة تقريباً، وكانت ترتدي قلادة بأفاعي نحاسية. مزقنا القلادة وأخذ كل واحدٍ منا حبة خرز على سبيل التذكار”. 

أُرسل الخطاب في بادئ الأمر إلى عضو الكنيسيت يعكوف أوري، عضو حزب ماباي (سلف حزب العمال)، الذي مرره إلى وزير التنمية، مردخاي بنتوف (من حزب مبام). كتب أوري إلى بنتوف، “لقد صدمني خطابه”. ووزّع بنتوف الخطاب على جميع الوزراء، وكتب معلقاً، “أرى أنه ليس في إمكان الحكومة أن تتجاهل الحقائق المذكورة في الخطاب”. وأضاف بنتوف أنه في ضوء المضمون المروّع للخطاب، فقد طلب من خبراء الأمن التحقق من صدقيته. وأثبتوا له أن محتواه “يتطابق بالفعل مع الحقيقة”.

عذر نووي

 كان ذلك خلال تولي المؤرخ توفيا فريلينغ منصب كبير موظفي الأرشيف، من عام 2001 إلى 2004، عندما شرع جهاز مالماب في أول غاراته على الأرشيف. وبمرور الوقت، صار ما بدأ بكونه عملية لمنع تسرب الأسرار النووية، حسبما قال، مشروعاً رقابياً واسع النطاق.

 يقول فريلنغ، “استقلتُ بعدها بثلاثة أعوام، وكانت هذه من بين أسباب استقالتي”، ويضيف، “التصنيف السري الذي وضع على وثيقةٍ حول هجرة العرب عام 1948، هو بالضبط مثال على ما كنتُ متخوفاً منه. إذ إن نظام الأرشفة والحفظ ليس من أذرع العلاقات العامة للدولة. إن كان هناك شيء لا يعجبك، حسناً، هكذا سنة الحياة. والمجتمع السليم يتعلم من أخطائه أيضاً”.

إذاً لماذا سمح فريلينغ لوزارة الدفاع بالوصول إلى الأرشيف؟ السبب كما يقول، كان نيته في تمكين الشعب من الوصول إلى المواد المحفوظة من خلال الإنترنت. وفي المناقشات حول تداعيات تحويل المواد إلى وثائق رقمية، تبين القلق من أن الإشارات في الوثائق إلى “موضوع معين”، ستُنشر للجمهور من طريق الخطأ. والمقصود بالموضوع بالطبع هو المشروع النووي لإسرائيل. ويصر فريلينغ على أن السلطة الوحيدة التي خُوِّلت لجهاز مالماب كانت البحث عن وثائق متعلقة بهذا الموضوع.

 لكن نشاط جهاز مالماب ليس إلا مثالاً واحداً على مشكلة أكبر، كما يذكر فريلينغ، “في عام 1998، انتهت مدة حظر أقدم الوثائق في جهازي الشاباك والموساد. ولأعوامٍ، بدا جلياً أن هاتين المؤسستين لا تحترمان رئيس الأرشيف. وعندما توليتُ أنا المنصب، طلبا أن يتم تمديد حالة السرية لجميع المواد، لتكون 70 عاماً بدلاً من 50، وهو طلبٌ سخيف، إذ كان بالإمكان الاطلاع على معظم هذه المواد”.

عام 2010، مُدّدت فترة السرية إلى 70 عاماً، وفي شباط/ فبراير الماضي، مُدّدت مرة أخرى إلى 90 عاماً، وذلك على رغم معارضة المجلس الأعلى للأرشيف.  

يرى دودو أميتاي من مركز ياد يعاري الثقافي ضرورة الطعن في السرية المفروضة من جانب وزارة الدفاع. يقول إن إحدى الوثائق الموضوعة في الخزينة، خلال فترة توليه رئاسة الأرشيف، تضمنت أمراً صادر من جنرال في جيش الدفاع، خلال هدنة حرب الاستقلال. وكان الأمر أن يمتنع جنوده عن أعمال النهب والاغتصاب. ينوي أميتاي الآن مراجعة الوثائق التي أودعت في الخزائن، وبخاصة تلك التي تتعلق بحرب 1948، وإتاحة كل ما يُمكن للنشر والاطلاع. 

عقد من السرية

أبدى جهاز مالماب، اهتمامه بكتاب “عقد من السرية: سياسة المستوطنات في الفترة 1967-1977″، الذي نشره مركز ياد تابينكين عام 1992 باللغة العبرية وكتبه يحئيل‎ أدموني، رئيس قسم المستوطنات في الوكالة اليهودية. يذكر الكتاب خطة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في غور الأردن، واقتلاع 1540 عائلة بدوية من منطقة رفح وقطاع غزة عام 1972، بما في ذلك عملية شملت قيام جيش الدفاع الإسرائيلي بسد الآبار. المفارقة أنه في حالة البدو، يقتبس أدموني قول وزير العدل السابق، يعكوف شمشون شابيرا، “ليس ضرورياً أن ننشر المسوغات الأمنية على نطاق واسع. لم يكن ما حدث مع البدو عملاً مجيداً في حق الدولة الإسرائيلية”.

ملفات سرّية ممنوع الاطلاع عليها

 منذ نحو عام، كتبت المستشارة القانونية لـ”أرشيف الدولة”، نعومي ألدوبي، مقالَ رأي تحت عنوان “الملفات المغلقة في الأرشيف العام غير المُصرَّح بالاطلاع عليها”. ترى في مقالها أن سياسة إمكان الوصول إلى الأرشيف العام تقع حصراً ضمن نطاق اختصاص مدير كل معهد. 

على رغم رأي ألدوبي، لم يُبدِ– في معظم الحالات– أمناءُ الأرشيف الذين واجهوا قراراتٍ غيرَ منطقية من قبل جهاز مالماب أيَّ اعتراضات. استمر ذلك حتى عام 2014، عندما وصل موظفو وزارة الدفاع إلى أرشيف مركز هاري ترومان البحثي التابع للجامعة العبرية في القدس. أثار دهشتَهم رفضُ مدير المركز آنذاك مناحم بلوندهايم، طلبَهم فحصَ الأرشيف الذي يحتوي على مجموعة من الوثائق الخاصة بوزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق آبا إيبان، والرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “أمان” الجنرال شلومو غازيت.

وفقاً لرواية بلوندهايم، “أخبرتهم أن تلك الوثائق المعنية ترجع لعقود مضت، وما كنت أتصور أن هناك أي مشكلة أمنية تبرر تقييد وصول الباحثين إليها. ردّاً على ذلك، قالوا (لنفترض أن ثمة شهادة هنا تشير إلى أن الآبار قد سُمّمت خلال حرب الاستقلال)، فأجبتهم (حسناً، في تلك الحال، لا بد من تقديم هؤلاء الأشخاص للمحاكمة”.

 أدّى رفض بلوندهايم إلى عقد اجتماع مع مسؤول رفيع المستوى في الوزارة، بيد أن السلوك الذي واجهه اختلف هذه المرة؛ إذ وجِّهت إليه تهديدات صريحة، إلى أن توصَّل الطرفان في النهاية إلى تسوية.

لم يتفاجأ بيني موريس من نشاط جهاز مالماب، وقال “كنت على علم بذلك، وإن لم يكن بصورة رسمية، إذ لم يخبرني أحد صراحةً بذلك؛ غير أنني أدركت الأمر عندما اكتشفت أن الوثائق التي تمكنت من الاطلاع عليها في الماضي لم يعد من الممكن الوصول إليها الآن. كانت هناك وثائق من أرشيف قوات الدفاع الإسرائيلية، استعنت بها أثناء كتابة مقال عن دير ياسين، ولكن لم يعُد بالإمكان الآن الوصول إليها بالطرائق العادية”. 

لا تُمثّل قضية جهاز مالماب سوى مثال واحد على المعركة الملحمية للوصول إلى الأرشيف في إسرائيل. فوفقاً لما قاله ليور يافني، المدير التنفيذي لمعهد أكيفوت لأبحاث الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، “لا يُمكن الوصول إلى أرشيف جيش الدفاع الإسرائيلي، الذي يُعتبر أكبر أرشيف في إسرائيل، إذ إنه محكم الإغلاق. لا تشكِّل المواد التي يُمكن الاطلاع عليها فيه سوى 1 في المئة من محتواه. أما أرشيف جهاز الأمن العام الإسرائيلي “شاباك”، الذي يحتوي على مواد في غاية الأهمية للباحثين، فهو مغلق تماماً، باستثناء مجموعة قليلة من الوثائق”.

يشير تقرير كتبه بعد التقاعد يعكوف لوزويك، كبير موظفي أرشيف الدولة السابق، إلى إحكام مؤسسة الدفاع قبضتها على مواد الأرشيف في البلاد. وذكر في هذا التقرير أنه “لا ينبغي على الدول الديموقراطية إخفاء المعلومات، لأنها تخشى تعرضها للإحراج جراء ذلك. إلّا أنّه في واقع الأمر، تتدخل المؤسسة الأمنية في إسرائيل، وإلى حد ما المؤسسات المعنية بالعلاقات الخارجية أيضاً، في المناقشات العامة”.

كاتم الأسرار

كان يحئيل‎ حوريف هو المسؤول عن الحفاظ على أسرار المؤسسة الأمنية لأكثر من عقدين. فقد ترأس إدارة القسم الأمني في وزارة الدفاع بين عامي 1986 و2007، وظلّ بعيداً من الضوء بطبيعة الحال. يُحسَب له أنه وافق الآن على الحديث بصراحة إلى صحيفة “هآرتس” حول مشروع الأرشيف.

قال حوريف: “لا أتذكر متى بدأ الأمر، لكنني أعرف أنني بدأته. وإن لم أكن مخطئاً، أعتقد أن المشروع بدأ عندما أراد الناس نشر وثائق من الأرشيف. وكان علينا تشكيل فرق لفحص جميع المواد الصادرة”.

* من المحادثات التي جرت مع مديري الأرشيف، يتّضح أن كثيراً من الوثائق التي فُرِضت عليها السرية تتعلق بـ”حرب الاستقلال”. فهل يُمكن اعتبار أن إخفاء أحداث 1948 جزء من أهداف جهاز مالماب؟

** ماذا تعني بقولك جزءاً من الأهداف؟ لقد تمثّل هدف المشروع في فحص الوثائق استناداً إلى نهج يقوم على تقدير ما إذا كان نشر هذه الوثائق سيُلحق أضراراً بالعلاقات الخارجية الإسرائيلية والمؤسسة الدفاعية. هذه هي المعايير. وأعتقد أنها لا تزال قائمة حتى اليوم؛ إذ لم يتحقق السلام منذ 1948. وربما أكون مخطئاً، ولكن على حد علمي لم يُحَلّ الصراع العربي- الإسرائيلي بعد. لذا نعم، قد تظل هناك مواضيع إشكالية قائمة. 

* وعندما سُئل عن كيف يُمكن أن تُمثل هذه الوثائق إشكالية، تحدث حوريف عن إمكان إثارة الفتنة بين المواطنين العرب في البلاد. فمن وجهة نظره، يجب الاطلاع بعناية على جميع الوثائق والبتّ في كل حالة على أساس حيثياتها.

* إذا لم تكن أحداث 1948 معروفة، يمكننا أن نتجادل حول ما إذا كان هذا النهج صحيحاً. وليست هذه هي الحال. فقد ظهرت شهادات ودراسات عن تاريخ قضية اللاجئين. فما الفائدة من الحرص على إخفاء تلك المعلومات؟

** السؤال هو ما إذا كان يمكن لهذه المعلومات أن تسبب ضرراً أم لا. إنها مسألة بالغة الحساسية. البعض يقول إنه لم يكن هناك هروب على الإطلاق، بل تعرضوا للطرد والترحيل. بينما يقول آخرون إنهم أتيحت لهم الفرصة للهروب. تتسم الأمور في هذه الفترة بالكثير من الغموض. علاوةً على أن هناك فرقاً كبيراً بين الهروب وادّعاء الطرد والترحيل القسريّ. فكلاهما يشير إلى صورة مغايرة تماماً. ولا أستطيع أن أحكم الآن ما إذا كانت تلك الوثائق تستحق السرية التامة، لكنه موضوع يجب أن يُناقش بالتأكيد قبل اتخاذ قرار حول ما يُمكن نشره.

 * لسنوات، فرضت وزارة الدفاع السرية على وثيقة مُفصَّلة تصف أسباب رحيل أولئك الذين أصبحوا لاجئين. وقد كتب بيني موريس بالفعل عن تلك الوثيقة، إذاً ما هو المنطق في إبقائها سرية؟

** أنا لا أتذكر الوثيقة التي تشيرين إليها، ولكن لو أنه اقتبس منها ولم تكن الوثيقة نفسها موجودة أي أنّ موريس يدّعي أنها موجودة، إذاً فالحقائق التي يُقدمها ليست قوية. ولكنه إذا قال نعم، لدي الوثيقة، فلا أستطيع الجدال في ذلك. ولكن إذا قال إن تلك المعلومات مكتوبة هناك، فيُمكن أن يكون ذلك صحيحاً أو لا. إذا كانت الوثيقة المُغلق عليها في الأرشيف، مُتاحة بالفعل في خارجه، فإنني سأقول إنّ ذلك حماقة. ولكن إذا اقتبس شخص ما منها– فهناك فرق واضح في ما يتعلّق بصحة الأدلّة التي استشهد بها.

 * في هذه الحالة، نحن نتحدث عن أهم الباحثين الذين يُشار إليهم في ما يتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين.

** قولك إنه باحث لا يترك لدي أي انبهار. فأنا أعرف كثيرين من الأوساط الأكاديمية يتحدثون في موضوعات لا يفقهون عنها شيئاً، بينما أعرفها أنا تمام المعرفة. عندما تفرض الدولة السرية على بعض الوثائق، يُضعِف ذلك صحة الأعمال المنشورة، لأن الباحث في تلك الحالة لا يمتلك المعلومات التي تدعم مزاعمه.

 * لكن أليس إخفاء الوثائق استناداً إلى الملاحظات الهامشية الواردة في الكُتب، تعتبر محاولة لإغلاق باب الحظيرة بعدما هربت الخيول؟

** أعطيتك مثالاً بأن هذه ليست الحالة بالضرورة. إذا كتب شخص ما أن الحصان لونه أسود، إذا لم يكن الحصان بالفعل خارج الحظيرة، لا يمكنك إثبات أن لونه أسود حقاً.

 * ثمة بعض الآراء القانونية التي تُشير إلى أن النشاط الذي يقوم به جهاز مالماب في ما يتعلق بالأرشيف غير قانوني وغير مسموح به.

** إذا عرفتُ أن الأرشيف يحتوي على مواد سرية، فأنا مخوَّل لإخبار الشرطة للذهاب إلى هناك ومصادرة تلك المواد، ويُمكنني أيضاً اللجوء إلى القضاء. أنا لست بحاجة إلى إذن من أمين الأرشيف. إذا كانت هناك مواد سرية، فلديّ سلطة التصرف. ينبغي إدراك أن هناك سياسة خاصة تتحكم في الأمر. فهذه الوثائق ليست مغلقة من دون سبب. وعلى رغم ذلك، لن أدعي أن أسباب إبقاء جميع هذه الوثائق في إطار السرية هي أسباب صحيحة 100 مئة في المئة.

 في حين رفضت وزارة الدفاع الرد على أسئلة محددة بشأن نتائج هذا التقرير الاستقصائي، واكتفت بالرد التالي “يعمل مدير الأمن في مؤسسة الدفاع بحكم مسؤوليته لحماية أسرار الدولة وأصولها الأمنية. ولا يُقدِّم جهاز مالماب تفاصيل عن طريقة نشاطه أو مهماته”.

 

هذا المقال مترجَم عن Haaretz.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

الدراما حين تسخر من الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني

إقرأ أيضاً