fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Salon

ترجمة - Salon

مقالات الكاتب

دعونا نحتفي بالوحدة!

صباح اليوم، وخلال العشر دقائق التي أستحم فيها، أراد أبنائي استخدام الحمام في الوقت ذاته… ثلاثتهم. وبعدها ساعدني أصغرهم على اختيار الثوب الذي سأرتديه، ثم أراد أوسطهم أن يريني كيف تَعَلَّم فتح القفل من دون استخدام مفتاح. أما أكبرهم فأراد توقيعي على ورقة إذن من المدرسة للسفر في رحلة، وسألني زوجي إذا كان عليه التوقف عند البقالة في طريقه إلى المنزل.

ما أود قوله هو أنني ما عدت أجلس بمفردي إلا قليلاً.

على النقيض من ذلك، كثيراً ما كنت بمفردي خلال فترة طفولتي. فقد عملت أمي بدوام كامل، وكانت أماً عزباء. أما أنا، وبما أنني لست شخصاً اجتماعياً، كنت أرفض الذهاب للتخييم في المعسكرات أو ممارسة أنشطة ما بعد المدرسة. كنا نعيش على مساحة 350 فداناً من الغابات وأراضي المستنقعات في محمية ساحل جاج باي جنوب ولاية ميريلاند، التي أدارتها والدتي، بينما أمضيت أيام الصيف في التجول على الممشى الخشبي الذي يشق الطريق بين المستنقعات. واعتدت استنشاق عبير حبوب اللقاح والبلسم البرتقالي وأسماك البيكيريل ونبات الأروروت (نبات الطاعة)، والطين الذي تجمدت معه الطحالب. أو أتسلل نحو مجرى المياه للقراءة. أحببت القصص الخيالية كثيراً. تصادقت مع ثعبان أسود من فصيلة ثعابين الجرذان، يُعادل في سُمْكه حجم معصم يدي، وفي اللحظة التي استقريت فيها على الضفاف المُغطاة بأوراق الأشجار، انزلق الثعبان حتى رأيته يتحرك في الأفق وكأنه أمير مسحور.

البقاء بمفردي لا يعني أنني وحيدة، ولكنني غالباً ما كنت كذلك. لطالما اشتقت إلى وجود شقيق لي. ولاحقاً، تقت إلى الحب في حياتي. إلا أن تلك الأيام الطويلة الدافئة حلوة الرائحة، كانت حافلة بالاندفاعات الخلّاقة. فقد كانت الوحدة بالنسبة إلي، حالة من الانفتاح والتقبُّل ومصدراً للإلهام والتفكير الإبداعي. تمنيت أن أحظى بالصُحبة والحب والصداقة، لكن حتى التوق إلى تلك المشاعر أصبح مُعتاداً ورائعاً.

في الكلية، بدأت أشعر بالخوف من الوحدة. كوني وحيدة، على المدى الطويل، بدا لي وكأن ذلك لعنة من إحدى القصص الخيالية، وكأنني في حالة تستوجب إنقاذي منها. تخيلت الوحدة مثل البرج المنعزل الذي سُجنت فيه الأميرة رابونزل، أو الغرفة التي غفت فيها الجميلة النائمة بينما كانت مُحاطة بغابة من الأشواك. سألنا أستاذ علم النفس في الصف الثانوي الثاني: “ما هو مقابل الوحدة؟”. فتحنا أفواهنا للإجابة عن السؤال، لكن لم يتفوه أحد بكلمة. هززت رأسي. بإمكاني تسمية مُقابل الوحدة بالطبع فقد اختبرت ذلك الشعور مرات عدة، أياً كان اسمه. أصر الأستاذ قائلاً: “مقابل الوحدة! أنتم تعلمونه”. لكن لم يجب أحد. بدأت نبضات قلبي تتسارع، وشعرت بحالة من التعرق. أجاب الأستاذ منزعجاً من الصمت الذي حل علينا، “إنها الألفة”. انتابني أنا أيضاً انزعاج وقلق. شعرنا بالارتياح لتسمية مقابل الوحدة، وكأننا نجونا بأعجوبة.

في الثالثة والعشرين من عمري، عشت في منزل مع رفاق السكن، ولكنني مع ذلك كنت لا أزال وحيدة. أمضيت الكثير من الوقت في البحث عن الحميمية. صادقت بعض الرفاق من الشباب، وأعتقد أنني كنت أفعل ذلك على أمل إيجاد أمير القصة الخيالية الذي سينقذني من برجي المنعزل. شعرت وكأنني أسقط من لحظة إلى أخرى، في فزع وخوف. أظهرت الأبحاث أنه يمكن الربط بين الوحدة وبعض المشكلات الصحية الخطيرة مثل ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والاكتئاب. ولذا، إضافة إلى اختبار الوحدة في حد ذاتها، والخوف من أن أكون بمفردي، انتابني الهلع من تأثير الوحدة في صحتي. كنت أعيش في مدينة بورتلاند، في ولاية أوريغون حيث كانت تمطر طوال الشتاء. اعتدت الخروج في نزهات للسير لمسافات طويلة في الحي حيث كنت أعيش. وفي أثناء ذلك، كنت أسترق النظر عبر النوافذ وأرى الأنوار مُضاءة والعائلات مُجتمعة حول الموائد، ونوافذ أخرى أرى من خلالها وميض ضوء التلفزيون الأزرق. في تلك المنازل كانت العلاقات الحميمة تبدو لي كالمطر والطقس، كثيفة وجميلة.

في الثالثة والعشرين من عمري، عشت في منزل مع رفاق السكن، ولكنني مع ذلك كنت لا أزال وحيدة.

في تلك اللحظة، أصبح تفكيري حول الوحدة مُعقداً. عندما أنظر إلى لوراء، أجد أن أكثر اللحظات التي أحتفظ بها بكل وضوح في ذاكرتي، هي تلك اللحظات التي كنت أشعر فيها بالوحدة الشديدة. ولا أعني بذلك الأوقات التي كنت فيها بمفردي فحسب -أعني الأوقات التي شعرت فيها بالوحدة إلى الحد الذي يجعل حلقي يؤلمني. كنت أشعر بالاشتياق يتجسد على بشرتي مثل حروق الشمس لا سيما في ليالي الجامعة حين كنت أعمل حتى وقت متأخر على رواية في غرفتي في مسكن الجامعة. وشجرة الصنوبر كنت أراها خارج نافذتي والنظرة الماكرة في عين الغراب بينما يحدق في.

اشتريت كوباً كبيراً من القهوة وكعكة دونات بالكريمة عند الساعة العاشرة مساءً، وبدأت العمل بينما يتكشف الليل أمامي وتنطلق أغنيات بيلي ومازي ستار في مسجل الكاسيت بجانبي، ويجول في مخيلتي عالم لا يسكنه سواي وحدي. وشعرت بالوحدة، تماماً كما كانت الحال في مرحلة طفولتي المبكرة، وكأنها أرض خصبة لأغراض أخرى – مثل الطموح والتفكير الإبداعي.

عندما كنت في الخامسة والعشرين من عمري، ذهبت إلى المملكة المتحدة ثلاثة أسابيع، حيث تنقلت من نُزُل إلى آخر، إلى أن وجدت نفسي على متن عبّارة ليلية مُتجهة من دبلن إلى ويلز. كان القارب ضخماً وبدا مُجهزاً لاستقبال المسافرين خلال بعض الليالي الأخرى، فقد كان مُعداً لاستقبال مجموعة كبيرة من الأشخاص، وزُينت أماكن الجلوس في غرفة الطعام الضخمة به بأدق التفاصيل. تنقلت بين الطاولات الفارغة، ملامسةً سكيناً هنا، وشوكةً هناك. ثم صعدت مجموعة من السلالم، وذهبت عبر الباب، ووجدت نفسي في الخارج على السطح العلوي للعبّارة. خفقت الرياح في شعري، وفستاني. وبدت السماء من فوقي تعكس الكثير من شخصيتي، فقد كانت السُحب مُتشابكة ومظلمة، والنجوم متلألئة، وكأنها بُعثرت نتيجة في انفجار. بدت تلك السماء وكأنها تشعر بكل شيء شعرت به من قبل، كل المشاعر العاصفة. جالت في خاطري في تلك اللحظة فكرة مذهلة ورائعة: لا يعرف أحد أين أنا. لا الفتى الذي كنت أواعده في بورتلاند، ولا أمي، ولا صديقتي التي تركتها في دبلن. انتابني في تلك اللحظة شعور، وكأنني تناولت رشفة لاذعة من البوربون، لكنها كانت جميلة وممتعة. أحسست أن الفضاء ينفتح من حولي، وأحسست بأن ثمة مجالاً للحياة.

عندما كنت طفلة، أحببت قصيدة الشاعر إدوارد إستالن كامينجز، التي تحدث فيها عن الوحدة، تلك القصيدة التي لم يساو فيها فقط بين سقوط إحدى أوراق الشجر والوحدة، ولكن أيضاً “الوحدانية”، فقد صارت الوحدة فجأةً مرادفة للذاتية والاستقلال والحرية والفَرْدِيّة.

بيد أن هذه الأيام، مع وجود زوجي وطفلين صغار وابنة زوجي المراهقة وعشرات الطلاب والزملاء، ومع وجود منصات التواصل الاجتماعي، من “فيسبوك” و”تويتر” و”إنستغرام”، في متناول يدي – أحن إلى الشعور بالعزلة، ولكن من لا يحن إلى ذلك؟ أحن أيضاً إلى الشعور بالوحدة. فقد اشتقت إلى لهيبها، والألم الذي اعتدت أن أشعر به في حلقي، والحنين الذي يبدو وكأنه يتحرك من جسدي وإليه، وكأنه شبح، وكأنه نَفْس أخرى تعيش في داخلي.

إنني ممتنة لوجود أسرتي الجميلة، وأصدقائي وزملائي، وجيراني، ومجتمع البلدة الصغيرة التي أعيش فيها، ومجتمع الكتابة الأكبر الذي أنتمي إليه. أنا ممتنة لأنني أشعر أخيراً بالألفة، التي هي مقابل الوحدة. لقد أدركت شيئاً عن ذلك البرج الذي أردت أن أُنقذ منه، إذ إن تلك الاستعارة من القصص الخيالية لا تزال قائمة، ولكن بطريقة عكسية. فلم أكن أبداً سجينة في ذلك البرج. فقد كنت خارجهُ، أهيم بين الأشواك والغابة البرية، التي كانت ضخمة، وجامحة، وحرة. أما الآن فأنا حبيسة ذلك البرج، أشعر بالأمان والراحة وأعرف أن الغابة موجودة في الخارج، وكم هي شاسعة وخطيرة، لكنني ما زلت أشتاق إليها.

مع وجود زوجي وطفلين صغار وابنة زوجي المراهقة وعشرات الطلاب والزملاء، ومع وجود منصات التواصل الاجتماعي، من “فيسبوك” و”تويتر” و”إنستغرام”، في متناول يدي – أحن إلى الشعور بالعزلة

قد يبدو الأمر درباً خاصاً من المفارقة، وهو أن تكون وحيداً وتحن إلى الألفة، وعندما تتمتع أخيراً بتلك الألفة التي لطالما اشتقت إليها، تحن إلى الشعور بالوحدة. ربما يشعر الآباء الآخرون بالشيء ذاته، في تلك اللحظات في يومهم، حتى تلك التي يتمتعون فيها بقدر من الخصوصية، المليئة بالصحبة، لدرجة ينعدم معها الشعور بالاستقلالية. أو ربما أنا فقط من ينتابني هذا الشعور.

لقد تمكنت من الربط بين الوحدة والأشياء الرائعة، مثل الطموح والاهتمام بالطبيعة والاندفاعات الخلاقة والتأثير الإبداعي. وشيء آخر من الصعب تعريفه، فهو يتعلق بالوجود في تلك اللحظة، إذ إنه حالة وجودية من الاستغراق في عالم آخر (ولكنها ليست دائماً مريحة)، يمتد خلالها الزمن ويطول. وقد تكون الكلمة الوحيدة لوصف هذه الحالة هي “الديمومة”، التي تُعبر عن اللحظات التي نعيشها بشكل كامل، كما لو أن حيوات بأكملها تُعرض في ثوانٍ.

لقد فكرت ملياً في ما أريده لأولادي: أريدهم أن يشعروا بالوحدة والألفة، وأن تمر عليهم فترات يتمكنون فيها من التواصل، وفترات يغمرهم الشوق فيها تماماً، ويبدو خلالها أن الوقت يتوقف. أنا محظوظة لوجودي في ذلك البرج الذي أشعر فيه بالراحة والأمان. ولكن علي أن أجد طريقة للخروج منه أحياناً إذا ما أردت البقاء على تواصل بالفتاة التي كنت عليها، تلك الفتاة الصغيرة التي اعتادت الانتظار على ضفة النهر إلى أن يظهر الثعبان الأسود، وتلك الفتاة المراهقة ذات الـ19 سنة، التي أمضت الليالي تكتب في غرفة نومها في السكن الجامعي، تمدها القهوة والسكر والطموح بالطاقة، وتلك المرأة الشابة التي تلحّفت السماء المتشابكة خلال تلك الليلة العاصفة في منتصف الطريق بين أيرلندا وويلز.

يصعب عليّ أن أبدع عملاً جديداً من دون الشعور بالوحدة – ذلك الشعور بالتمدد في جميع الاتجاهات، بالسقوط عبر الفضاء، بلا قيود. في حين تحتاج شخصياتي إلى ذلك لكي تنمو أو تتغير.

تبين أن كتاباتي ما هي سوى احتفاء بالوحدة، وأن طفولتي لم تكن سوى احتفاء بالوحدة. دعونا نحتفي جميعاً بالوحدة. ربما هناك فقط، في تلك الأرض المقفرة، توجد مساحة للتعبير عن ذواتنا الكبيرة والمعقدة.

هذا المقال مترجم عن salon.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

في عيادة دكتور هنري…

إقرأ أيضاً