fbpx

هنا القصة الثالثة

عبدالله حسن

عبدالله حسن

مقالات الكاتب

ثرثرة مع النص الديني على ضفاف الثورة السورية

لم تكن دراستي في دار منبج الشرعية كالدراسة في أي معهد ديني يتم فيه تحفيظ الطلبة سور القرآن، وتعليمهم طرائق قراءته، وتأهيلهم مجتمعياً لريادة المجموعات السكانية في الأحياء التي يقطنونها، والجوامع التي يرتادونها… كما لا تُعنى الدراسة في دار منبج بمجرّد تِبيان الطريقة المثلى لحفّ الذكور شواربهم وإعفاء اللحى، أو اللباس الشرعي للنساء، أو تحديد الدول التي يجوز أكل اللحم فيها من تلك التي لا يتوفر فيها اللحم «الحلال».

لقد كانت الدراسة في «منبج» أكاديميةً بالمعنى الدقيق، فوفق (المنطق الديني) الذي تبلور وتمت هندسُتُه عبر قرونٍ طِوال كان قد أمكَن تقسيم الحياة الإسلامية برمّتها و«ضبطها» من الأعلى عبر منهج يحتوي «علوم الشريعة»، حتى أنه بات ثمة ما يسمى بـ «الفلسفة الإسلامية» كأحد تلك العلوم! ناهيك عن أنك يمكن أن تحصل على شهادة تدعى «دكتوراه في الشريعة الإسلامية» مثل (أبي بكر البغدادي)، أو أن تكون (بروفيسوراً إسلامياً) متخصصاً في علوم الحديث كزعيم طالبان «هبة الله آخندزاده».

أن تكون «بروفيسوراً» في الشريعة يعني أن تتميز عنا نحن الطلبة بتقديم رسالة تتبحّر وتختص فيها بأحد تلك الأقسام التي ندرسها نحن خلال الستة أعوام، لا أكثر من ذلك، ومن السهل جداً لطالب نجيب في دارٍ كـ دارِ منبج أن يُناظرَ دكتوراً مخضرماً في الشريعة، فالنصُّ واختلافاتُه وتضاربُه وتناقضاتُه تُتيح كلها للعالِم بها التحرّكَ بحريّة، كما أن منهجيّة استنباط الأحكام من النص تعتمد على الطبيعة النفسية للمستنبِط بالدرجة الأولى في انتقاء الدليل على صحة ما يرى، فالنص أيضاً عاجز عن ضبط المسائل مثل عجزه عن وضع حد للصراع الدامي بين (علي وعائشة) آنذاك.

زملاء دراسة

عرفتُ «إياد» فورَ وصولي شرعيّة منبج برفقة والدي، كنتُ أحمل حقيبةً كتلكَ التي يحملها الجنود لدى توجّههم لأداء الخدمة الإلزامية، كانت تحتوي على جلابية، وقطعة صابون، ومنشفة، إضافة إلى معجون أسنان وفرشاة؛ أوصتني والدتي باستكشاف المدرسة حال وصولي للبحث عن الأماكن المخصصة للاستحمام والمغاسل وأماكن النوم فيها قبل كل شيء، حيث سأقضي هنا أسبوعاً ريثما يُسمح لنا بزيارة الأهل يوم الجمعة والعودة إلى المدرسة صباح السبت، أو البقاء برفقة الطلبة الأجانب والعرب، والسوريين ممن يعيش أهلهم في مناطق بعيدة عن المدينة.

حين تجوّلنا أنا ووالدي في المدرسة للمرة الأولى التقينا به، سأله والدي بالمصادفة إن كان طالباً جديداً فردَّ بالإيجاب، ومنذ تلك اللحظة بات صديقاً لي؛ يدعى (إياد الحجي) وهو من ريف حلب الجنوبي، له أخ يكبره خمسة أعوام يدرس في دار منبج الشرعية أيضاً وهو في السنة الأخيرة، وكان يعتزم متابعتها في الأزهر الذي كان يتيح لطلبة منبج الانتساب إلى جامعته عبر الشهادة التي تمنحها الدار.

سألت إياد ونحن نستكشف البناء الهائل للمدرسة، مطابِخها، حماماتِها، مهاجِعها، طوابِقها، ومسجدها… عن تصنيفه في قوائم المقبولين في (الشرعية)، فقال إنه حل في السادسة، ثم سألته عما إذا كان بإمكاننا رؤية تلك القوائم، فاتجهنا إلى لوحة الإعلانات عند المدخل… رأيت قرارات فصل، وقرارات منع من المغادرة، وعقوبات جراء سلوكيات عدة بحق طلبة العام الفائت، إضافة إلى أسماء المقبولين الجدد، كنت في المرتبة الخامسة قبل إياد، وأثار فضولي أن أعرف الأول على دفعة المقبولين، والذي كان يدعى آنذاك «أحمد وليد طحان» قبل أن يُصبح فيما بعد (أبا الوليد).

كان أحمد شديد الفطنة، تنقصه بضعة علامات لنيل الدرجة التامة في امتحان القبول، نالَ الدرجة العظمى في اللغة العربية، والعلوم، والرياضيات… وهو من بلدة صغيرة قرب مدينة «محردة» في ريف حماة، كان يزور أهله مرة واحدة فقط خلال ثلاثة أشهر؛ كما كان الأول على ترتيب صفّنا خلال الأعوام الأربعة الأولى التي درستُها معه، والأول على مستوى الثانويات الشرعية السورية خلال امتحان البكلوريا؛ وعلى الرغم من أن درجاته كانت تخوّله دراسة الصحافة، العلوم السياسية، الأدب الإنكليزي بالعلامة التامة، والأدب العربي بعلامة اختصاص (59 من 60)، إلا أنه فضّل متابعة الدراسة الشرعية في جامعة حلب لينال مرتبة الأول على دفعة السنتين الأولى والثانية.

الدراسة

في كل فصل دراسي كنا نختبر 24 كتاباً، بعضها تتوجب عليك حفظ نصوصه عن ظهر قلب، شعبة من كل صف تدرس «الفقه (الأحكام)» على مذهب «الشافعي»، وأخرى على مذهب «أبي حنيفة»، فيما تشتركان ببقية الكتب؛ وكثيراً ما كنت أتعجّب من أن بعض الطلبة أثناء الوضوء والتجهّز للصلاة في مسجد المدرسة يغسلون آذانهم ويمسحون على رقابهم بالماء، بينما لا يفعل طلبة آخرون، كنت أعجب من طريقة سير الأمور هكذا …

على الرغم من كوننا أنا وأحمد وإياد قد درسنا الفقه على مذهب الشافعي إلا أن الخلافات بيننا نحن أبناء المذهب الواحد كانت تدفعنا دائماً إلى الاستحكام لدى الموجّه (في الغالب حائز على الماجستير في الشريعة) أثناء فترة مناوبته على الطلاب، أو سؤال الأساتذة (العلماء) خلال الحصص الدراسية؛ واللافت في الأمر أننا أحياناً كنا نسأل أستاذين السؤال ذاته، فيجيبان إجابات مختلفة، ولطالما يتذرّع جميعهم بالقول: «اختلافُ أمّتي رحمة»، كناية عن أنَّ طرقاً عديدة صحيحة، واحدةٌ سندها نصّ قرآني (غير صريح دائماً) يستشهد بحديث أو تصرّف محمّدي أن معناه (هكذا)، وآخر يستشهد بحديث أو تصرّف محمّدي آخر أن المعنى هو هكذا؛ خذ على سبيل المثال قول القرآن «أو لامَستُم النساء»: رأيٌ يقول بأن القرآن يقصد أن لمس المرأة ينقض الوضوء، والثاني يرى القصد أنّ ممارسة الجنس معها هي من تنقض الوضوء؛ كلاهما صحيح، كلاهما يستندان إلى أحاديث نبوية، وكل فعل نقيض الآخر، مرةً تقول عائشة إن النبي قبّلها وصلى، ومرّة لمسها وتوضأ.

يقولون إن النبي تعمّد أن يعدّد أوجه ممارساته لإتاحة الفرصة على أتباعه للأخذ والرد وتطبيق اليسير من بين الحُكمين، ويقولون إن تعدّد الممارسات هذا (اختلاف تصرفات النبي) هو محصور وموجود فقط ضمن القضايا الاستحسانية، وأنه كان صارماً واضحاً دقيقاً ومُنصفاً في القضايا الكبرى كالرجم والجلد وقطع يد السارق والقتل وغيرها من أحكام (الحدود)، في حين أن القائل بـ «لكم دينكم ولي دين»، والقائل: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن فعلوا فقد عَصَموا منّي دماءهم وأموالهم»،  والقائل: «سأُلقي في قلوب الذين كفروا الرعب، فاضرِبوا فوقَ الأعناق واضربوا منهم كلّ بنان»، والقائل: «إذا لقيتم الذين كفروا فضربَ الرقاب» هو الشخص نفسه.

القرآن

نستطيع أن نستشهد بأن النص (التشريعي) رحيمٌ بناءً على دلائل كثيرة، ونستطيع أن نقول إنه دموي رهيب ولا يقبَل الآخرين بناءً على أدلة كثيرة أخرى… فما هو بالضبط؟ في الحقيقة إنه قسمان (مكّي، مدني)، الأول هو كلام محمد قبل الهجرة، المتعايش مع قريش رغماً عن أنفه والمُداري لهم والسياسي والناشط اللاعنفي، والداعي إلى الخير والسلام والمحبة والتأمّل، ومنه (القسم المكّي في القرآن) ما يَستنبطُ منه «العلماء» العصريون ما يسمى بـ (الإعجاز العلمي في القرآن)، والثاني بعد الهجرة إلى المدينة حيث دولتهُ وقانونه الصارم القاضي بالموت على المخالفين والمشكّكين و (المنافقين) وكل أدلة التطرّف الإسلامي ودعائِمُه وخطاباتُ الكراهية.

استند الذين قاتلوا داعش من الكتائب الإسلاميّة فيما بعد على القول بأن داعش هم (خوارج) حذّرَ منهم النبي قبل 14 قرناً! ما يعني أن هؤلاء الناس لم يكونوا يروا أبعد من النص خطوة واحدة

 

زميل دراسة آخَر

في الصف الرابع (العاشر/ الأول الثانوي) عرفت «صُهيباً»، وهو ابن أحد الموجهين الأكثر صرامةً وغضباً وإثارة للرعب في عموم المدرسة (الشيخ محمد صغير)، خطيب مسجدها البارع والمفوَّه، مدرّس مادة «علوم القرآن» فيها، حائز على الماجستير في الشريعة، وأحد أبناء المدينة الشهيرة؛ كنا نشترك أنا وصهيب (ابنه الوحيد)الهوسَ ذاته، (الكمبيوتر)، لم أكن أتردد في كل مرة يدعوني فيها إلى منزلهم لاستكشاف ذاك الاختراع البديع، أو تعليمه أمراً يخص قواعد العمل عليه، وهكذا بات أحدَ أصدقائيَ المقرَّبين، إلى أن تخرّجتُ من المدرسة وانتقلت لدراسة الترجمة الإنكليزية في جامعة «حمص» حيث انقطعت صلتي به حتى العام 2013.

الثورة السورية… اختبار مُعاصِر لمدى صلاحية النصوص

كانت الثورة السورية في عامها الأول شعبيّة مدنيّةً بامتياز، قبل أن تبدأ باكتساحها في العام الثاني الشعاراتُ الطائفيةُ والدينية، لتحملَ السلاح وتَعمّ الفوضى؛ في ذاك العام (2012) دخلت في أول جدال لي مع متطرّف إسلامي (والتطرّف درجات حسب قوة الأدلة، عددها، وحسب اتفاقنا على معنى القوة هنا) يدعى «أبو حمود»، من مدينة «الطبقة/ ريف الرقة» خرج من سجون الأسد مؤخراً مثلما أخرج بشار الأسد الكثيرين من أمثاله ليضع محلّهم معتقلي الرأي والصحافيين والفنانين؛ قابلتُه في مقرّ جبهة النصرة في (مسكنة/ ريف حلب)، وكان يقيم عندهم صحافي ألماني يعمل لصالح ديرشبيغل يدعى «كريستوفر» (ياللصحفيِّ المغامِر والمقامِر بروحِهِ وسط هؤلاء)؛ قال لي أبو حمود: «أنتم أشاعرة، هناك خطأ في عقيدتكم، لا بد وأن يأتي يوم -بعد التخلّص من بشار الأسد- نتخلّص فيه منكم» وأخذنا نغوص ونغوص ونتحدث عن المعتزلة وابن حزم الأندلسي طيلة ساعات، كان الرجل أربعينياً وكنت في مطلع العشرينيات، يا لرأسينا المملوءين بالسفسطة العقيمة، أيُّ حقائق هذه التي نستطيع أن نصل إليها عبر الاستشهاد بنصوص متناقضة وغير منضبطة، إن لعبة الكلمات المتقاطعة أسهل بمئات المرّات من التعامل مع النص القرآني.

في اليوم التالي عدنا لزيارة مقر النصرة أنا وصديق لي لنتعرف إلى كريستوفر أكثر، ونشب خلاف جديد بيني وبين أبي حمود، لكن هذه المرّة عن (قتل العلوية)، كان الرجل يستشهد بابن تيمية والآيات والأحاديث التي تتهم المخالِفين وأهل (البدع) بالكفر و«من بدّل دينه فاقتلوه»، وكنت أستشهد بالآيات والأحاديث التي تثبت العكس… كلانا صحيحان؟ نعم، كلانا يعلم أن الآخر مُحق في زاوية ما، وبالتالي نحن في اللامكان، وسط لعبة أشبه (بالفزلكة) اللغوية اللانهائية، بينما أرواح الناس كانت رهْنَ مدى قدرتنا على (تَثمينها) ضمن النصوص، لا خارجها، للأسف، والأصل في الأمر قوله: «أُمرت أن أقاتل الناس (كل الناس) حتى يشهدوا ألا إله إله الله….» الأصل في الأمر قَتْلُهم حتى يؤمنوا ويَشهدوا ويَأذنوا بالسمع والطاعة، وما أكثر ما يراها الإسلام رخيصة تلك الأنفس.

لقد كنا نطوّع النص ونلوكُه ونحشره في كل القضايا، مثلما ترى المسلمين اليوم يحشرونه في نسبية آينشتاين: «إنّ يَوماً عندَ ربِّكَ كألفِ سنةٍ مما تعدّون»، ويحشرونه في الكيمياء: « قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا (يَحْطِمَنَّكُمْ) سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ » حيث التحطيم للزجاج، وقد أثبت العلم أن نسبة 90% من النمل مكوَّن من الزجاج… لك أن تتخيَّل الاستنباط المنطقي!!

القرآن مرّة أخرى

لاشك أن ابن تيمية الذي استشهد به أبو حمود كثيراً لم يأتِ على الفتاوى من فراغ، يقول الرجل إن «الحاكم المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب موالاته وإن أعطاك وأحسن إليك»… والأدلة على ذلك كافية وغير كافية كالعادة؛ كذلك يبرر بعض (علماء الدين) نموذج الحكم العلماني بحديث «أنتم أعلم بشؤون دنياكم»، ويعارضهم من يقول بـ «ومَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ»، هل يقف الإسلام ندّاً أمام «ثورات» الربيع العربي؟. نعم، إنه إما نَصير الديكتاتورية الدينية، أو وسيلة في يد الديكتاتورية العسكرية، لهندسة وتطويع الشعوب الخاضعة لها، أو إرهابها للالتفاف حول شخصية القائد المفدّى، أو لتشريع قتل المناوئين له وقتالِهُم؛ وهكذا أيضاً (عَوداً على إشكالية النص) نرى أنه حين انفلت الإسلاميون خارج سجون الأسد سعوا إلى القول بأن بشار الأسد (كافر) دون أدنى اعتبار لكونه ديكتاتوراً، بينما يرى الإسلام الموالي له أنه والي الأمر المسلم الذي تتوجب طاعته ويَحرم عصيانه وتنتهي ولايتهُ بوفاته.

عَوداً على مدى صلاحية النص وإشكالية التعويل/ الارتهان إليه

في مطلع العام 2013 زرت منبج، والتقيتُ «صهيب» بعد طول انقطاع في إحدى صالات الإنترنت، كان طالباً في كلية الأدب الإنكليزي في جامعة حلب، أخبرني حينها أن عدداً من مدرّسينا ومشايخنا قد ناصروا (الثورة) وبعضهم قد تطرّفوا في مذهبهم الديني، ولم يتردّد دقيقة في التعبير عن حبّه وحبّ والده (الشيخ محمد صغير) لبشار الأسد باعتباره الضابط للفوضى الأمنية والدينية (لا صانعها أصلاً!)، وأن الإسلام لا ينتمي إلى (الأشكال التي يراها في مدينته منبج بعد خروجها عن سيطرة النظام)… لم يَطل الأمر بعائلته حتى غادرت منبج إلى حلب آنذاك… لك أن تتخيل كيف انقسم أساتذتنا المشايخ ثلاثة أقسام، قسم مع الثورة، قسم مع تحكيم الشريعة، وقسم مع بشار الأسد!.

حين سيطر تنظيم داعش على الرقة مطلع الـ 2014 آثرت معظم الكتائب الإسلامية وأكبرها (كـ حركة أحرار الشام) ألا تقاتله في البداية، وذلك من باب (جلب المصالح ودرء المفاسِد)، ولـ (عدم وجود فتوى صريحة تحلّل دماءهم، كونَهم مسلمين!)، أحد قادة الكتائب التابعة لحركة أحرار الشام في مدينة «الطبقة/ ريف الرقة» حين أخبرناه بأن قائد داعش في المدينة ويدعى «موسى الحسن» قد همّ باعتقالنا في المكتب الإعلامي لأننا التقينا أحد شبان المدينة قد تعرّض للجلد بعد أن شوهد يجلس إلى جانب فتاة في الحديقة، وأنه يتوجب عليكم التخلّص من موسى الحسن هذا، ردّ: «لحد الآن ما لقينا شيخ معتبر يعطينا فتوى بجواز قتالهم»!!! كان الأجدى أن يقول (مموِّل معتبر) بدل شيخ معتبر؛ على أية حال استند الذين قاتلوا داعش من الكتائب الإسلامية فيما بعد على القول بأن داعش هم (خوارج) حذّرَ منهم النبي قبل 14 قرناً! ما يعني أن هؤلاء الناس لم يكونوا يروا أبعد من النص خطوة واحدة.

مَصائر

فيما بعد (2015) استطعت التواصل مع أحمد طحان (الشاب المجتهد) عبر واتس آب، كان قد انتسب لجبهة النصرة، وأطلق على نفسه لقب «أبو الوليد»، دعاني للانتساب إليهم وقد كنت آنذاك في غازي عينتاب، أخبرته أنني أعمل محرراً صحفياً بحكم إجادتي للغة، وأنني مَدين للمدرسة الشرعية بأمرٍ وحيد وهو أنني لا أخطئ في التعامل مع اللغة العربية أبداً، وأن كل ما هو عدا ذلك قد استغنيت عنه…. فأثرتُ حفيظتهُ ومن ثم غضبه؛ سألَني إن كنت قد جننت، فأدرتُ المحادثة إلى ناحية أخرى، أجرينا في خضمّها نقاشاً عما أراه ويراه، ثم سألته عن «إياد» فقال إنه انتسب إلى داعش وقُتل في إحدى المعارك جنوب حلب، وعن صديق يدعى «حسين» فقال إنه كان جندياً لدى النظام السوري وقُتل في ريف القنيطرة؛ وبعد أن انتهينا حظرته من التواصل، وانقَطَعَت أخباره حتى اليوم.

أما صهيب فقد وصلني أن المسكين كان في زيارة لمنزل جدّه في إحدى القرى القريبة من منبج الخاضعة لسيطرة داعش آنذاك، كان قادماً من حلب، أمسك به التنظيم، وصلبَهُ في إحدى الساحات ثم قتله بتهمة «الردّة» نِكايةً بوالدهِ الشيخ محمد، مدرِّس مادة علوم القرآن في الدار الشرعية.

خاتمة

تضيق الضائقة على أبناء المجتمعات العربية ولم تكن تتوانى حكوماتها لحظة واحدة عن بناء عدد أكبر من المساجد ودور العلم الديني والعبادة، لعل آخرها مسجد «الفتاح العليم» وكاتدرائية دشّنهما السيسي مؤخراً، الأمر الذي فعله حافظ الأسد وابنُه وبقية زعماء العالم العربي؛ مساجد، دور علم شرعي، خطباء، قرّاء، فروع جامعية، وأموال يتم ضخّها على حساب إغلاق دور سينما ومراكز ثقافية لإحكام هندسة الوعي الاجتماعي والثقافي، عبرَ الديني.

يُدرك حكام هذه المنطقة تماماً أن مفاهيم الجنة والنار والصبر على المصائب وغيرها من القضايا التي تعجّ بها المنابر يوم الجمعة في عموم البلاد أجدى وأَولى بالعمل عليها من اتّباع سياسة القوة لضبط هؤلاء الوحوش الجائعين الطامعين بما لدى الملك، وأقل تكلفةً من مَنحِهِم حقوقَ الحريةِ والعدالةِ والمساواةِ وتطبيقِ مبادئ تكافؤ الفرص؛ إن مسجداً صغيراً بتكلفة بسيطة يستطيع أن يفعل ما قد لا تفعله وسيلة إعلامية مكتوبة، ناهيك عن مساجد بتكلفة ملايين الدولارات؛ هل بنى السيسي وحافظ الأسد والأمويون والعباسيون وأهل الأندلس مساجدهم لإبراز مدى روعة الهندسة المعمارية الإسلامية؟ أم لأغراض أخرى؟.

من السطحي جداً القول بأن دور العلم تلك والمساجد التي دشّنها حكّام العالم الإسلامي وحكّام العالم المعاصِر كانت جديرة وكفيلة بتقديم صورة إسلام منفتح على المكوّنات الأخرى للدولة، وضامنة لالتفاف الجميع حول شخصية والي الأمر الذي يحرم عصيانه بالنص الشرعي؛ فمع ازدياد الفقر والفساد والقمع والكبت كان لا بدّ وأن ينعكس ذلك على فهم تلك المجتمعات للنص، إما على شكل استكانةٍ صوفية حالمةٍ ورضىً وقبولٍ بالواقعِ المهزوم، أو على شكل ردِّ فعلٍ متوحش غاضب موتور… نعم الاثنان صحيحان من مفهوم النص القرآني المتضارب، العاطفي، والغارق في التفاصيل والنقاش السفسطائي العقيم… يعلّمنا العلم الشرعي أننا يجب أن نشك في أنفسنا عوضاً عن أن نشك في النص!

إقرأ أيضاً:
عن البعث السوري وإقباله على علماء الدين بحرارة
حين أرسلني أبي الى العلوم الشرعية… فصرتُ ملحداً

إقرأ أيضاً