fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

“درج” في عامه الأول

View English Version

لم نعد نحن أنفسنا، لقد تغير شيء فينا بعد سنة من انطلاق “درج”، على رغم أننا ما زلنا نسعى وراء القصة الثالثة. السنة التي أمضيناها في “درج” أضافت الكثير إلى تعريفنا لأنفسنا، إلا أنها أيضاً أزاحت أوهاماً كثيرة.

فـ”درج” منصة إلكترونية، ولدت على هذا النحو وتطمح لأن تستمر وتتطور في هذا الفضاء الأكثر سعة ورحابة من المساحات الورقية وموجات البث التلفزيوني. وأن نباشر بصناعة هوية صحافية لمنصة ولدت إلكترونية، فهذا تحدٍ فرض نفسه علينا عبر اختبارات النشر المختلفة، وعبر الطموح إلى توسيع قاعدة القراء، بما يتجاوز حدودهم التي رسمتها الصحافة الورقية. الطموح هنا أضعاف مضاعفة. القارئ تحوّل إلى مستخدم، والمستهدفون بوصول قصصنا إليهم أعدادهم لا تقف عندها حدود الدول وشروطها السياسية والدينية والاجتماعية.

 

قرّر أولاد خاشقجي أن يتحدثوا إلى “سي أن أن” وقرّرت خطيبته أن تتحدث إلى “بي بي سي”. لم تُفكّر عائلة الخاشقجي بوسيلة إعلامية عربية واحدة، فالجميع كان أضيق من قصة قتيلها، وهذا لم يُشعر الإعلام العربي بحجم الكارثة، كارثة عجزه عن قول قصته وعن نشرها وبثها.

 

وأن تكتب لمستخدِمٍ، فهذا يملي شروطاً مختلفة عن تلك التي تمليها عليك الكتابة لقارئ. المُستخدم أكثر كفاءة من القارئ. هو قارئ ومشاهد ومتفاعل في آن. وهنا علينا أن نرفع مستوى كفاءاتنا بما ينسجم مع تلك المعارف المتنوعة لمستخدمنا. هذا كان أحد التحديات الرئيسة في عامنا الأول.

و”درج” موقع مستقل، وهنا كان الامتحان الأكبر خلال هذه السنة. وبهذا المعنى نحن نحتاج إلى أكثر من “القصة الثالثة”، أو علينا أن نذهب في القصة الثالثة إلى أبعد مما عنيناه عند إطلاق “درج”. ففي منطقتنا حيث الإعلام مستقطب إلى أقصى الحدود، أضيف إلى الاستقطاب آفة الاحتضار. وسائل إعلام عربية كبرى هوت وتلاشت، فيما تحول ما تبقى إلى ممثل حصري لسياسات الدول الممولة. جريمة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي كشفت مستوى الانحدار والتلاشي. لم تنجز وسيلة إعلامية عربية واحدة قصة واحدة عن هذه الجريمة التي أذهلت العالم. حدة الاستقطاب أعيت وسائل إعلامنا، فقرر أولاد خاشقجي أن يتحدثوا إلى “سي أن أن” وقررت خطيبته أن تتحدث إلى “بي بي سي”. لم تُفكر عائلة الخاشقجي بوسيلة إعلامية عربية واحدة، فالجميع كان أضيق من قصة قتيلها، وهذا لم يُشعر الإعلام العربي بحجم الكارثة، كارثة عجزه عن قول قصته وعن نشرها وبثها. وحين قررنا نحن في “درج” أن قصة هذه الجريمة هي قصة ثالثة تعريفاً، تبين لنا حجم الفراغ الذي نتحرك فيه، ومدى حاجة العالم العربي إلى حقيقة تقع خارج خط الانقسام. القصة الثالثة صارت القصة الوحيدة، وما الأولى والثانية سوى ترداد لقصص الأنظمة التي لا تحترم ذكاءنا. وهذا كان ما ادعيناه يوم أطلقنا “درج”، وهذا ما لا ندعي أننا أنجزناه، لكننا نسعى إليه بصفته خيارنا الوحيد لكي نبقى على قيد الحياة.

وفي غمرة النقاش المحموم حول الصحافة المستقلة، وهو نقاش خضناه إلى أقصاه في عامنا الأول، تبين، مرة أخرى في ظل جريمة إسطنبول، أن ثمة فارقاً في مسؤولية القارئ عن وصول الحقيقة إليه. فالإعلام الغربي بمعظمه يموله هذا القارئ أو المشاهد أو المستخدم، بينما تموِّل إعلامنا أنظمة مستبدة مهمتها طمس الحقيقة وإخفاؤها.

للحقيقة أثمان ليست كبرى على من يطلبها أن يدفعها. الحقيقة ليست مجانية، وهي حين تأتينا منقوصة أو محروفة، فإن ثمة من سدد ثمن هذا الحرف وهذا النقص، لكي تصلنا مشوهة. لكي تصلنا الحقيقة بالقدر الأكبر من الصواب علينا أن نكون شركاء في تمويلها. وعلى هذه المعادلة تعيش كبريات المواقع والصحف ومحطات التلفزيون في العالم. أمامنا في “درج” مهمة خوض هذا النقاش مع “مستخدمينا”. وهنا لا بد من علاقة مباشرة مع المستخدم الذي كنا نسميه قارئاً. هذه مسؤولية علينا صياغة طبيعتها وأشكالها، وهي ممكنة في ظل السهولة التي تتيحها الصحافة الإلكترونية لجهة وصول المستخدم (القارئ) إلينا وفي وصولنا نحن إليه. أن ننشئ قناة محاسبة متبادلة، فحين تصله قصتنا ناقصة أو محروفة عليه أن يحاسبنا مباشرة، وفي مقابل ذلك عليه أن يكون شريكنا وأن يشعر بالمسؤولية لأن للوصول إلى الحقيقة أثماناً على الجميع أن يتشارك في المسؤولية عنها.

نعتقد أن النقاش حول تحرير الإعلام العربي من أمراض الانقسام والتمويل السياسي والمذهبي وعدم المسؤولية حيال القارئ المُستَخدِم، يجب أن يبدأ من هنا. والتحول الهائل الذي يشهده الإعلام في العالم، يعطينا فرصة لأن نطمح ونحلم ونحقق.    

 

إقرأ أيضاً:

جمال خاشقجي إذ صفع وجوهنا نحن الصحافيين العرب

لقد دفع حياته ثمناً فليرقد بسلام

إقرأ أيضاً