fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

مقالات الكاتب

خيبتنا بالسلفادوري الفلسطيني نجيب أبو كيلة

التقيت في لندن عام 1980، شاباً من السلفادور اسمه خوليو. كان طالباً في مثل عمري يدرس الإنكليزية ربما بهدف العودة بعد أن يلمّ باللغة، إلى بلاده مناضلاً في صفوف الجبهة الوطنية  لتحرير السلفادور فرابوندو مارتا، المعارِضة، والتي تشكلت في بداية العام نفسه، من مجموعات مسلحة ومجموعات اشتراكية وشيوعية وعمالية، إثر انقلاب عسكري في تشرين الأول/ أكتوبر من عام 1979، ما أدى إلى عمليات قتل ومجازر في حرب أهلية استمرت حتى عام 1992، ووقعت اتفاقية سلام بين الأطراف المتنازعة، على رغم التدخل الأميركي لمصلحة الانقلابيين.

في منتصف ذلك العام أخبرني خوليو بزيارة وفد من قيادة الجبهة، لندن، للقاء حزب العمال البريطاني، المعارض وقتها لحكومة المحافظين بقيادة مارغريت ثاتشر، وقوى بريطانية يسارية خارج أحزاب السلطة، وذلك بهدف تحشيد الدعم الدولي للجبهة السلفادورية فطلبت منه اللقاء معهم وهذا ما حصل. التقيت القادة الثلاثة وكان خوليو المترجم بيننا، لجهلهم اللغة الإنكليزية. تم نشر هذه المقابلة في مجلة “الدستور” الصادرة في لندن حينها. كان أحد هؤلاء القادة السلفادوريين مسؤول المالية في الجبهة، وعرفت أن اسمه فريد هندل، هكذا لفظ اسمه لأعرف منه في ما بعد أن هندل هذا من أصول فلسطينية ومن بيت لحم واسم عائلته حنظل وليس هندل.

هكذا يفرح العرب جميعاً عندما يبرز مواطن عربي منهم في أي شأن، سياسياً كان أو فنياً أو ثقافياً، في البلاد التي ينتمي إليها بحكم مواطنته. يفرحون به أكثر مما يفرحون بمن يعيشون معهم

عرفت اسم عائلته من رسالة بعثها إلى عنوان المجلة، من بيت لحم رجل سبعيني أو أكثر، وأرسل مع رسالته صورته الشخصية وجاء في الرسالة أنه قرأ المقابلة المنشورة في الدستور وأن فريد هندل هو ابن أخيه عبد الله الذي هاجر مثل كثيرين من مسيحيي الشرق في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، هرباً من استبداد الدولة العثمانية إلى أميركا وحلّ في السلفادور وتزوج هناك وأنجب فريداً وأخوة له في تلك البلاد. وأن اسم العائلة حنظل وليس هندل. وأن من أولاد أخيه شاب اسمه شفيق هو الأمين العام للحزب الشيوعي السلفادوري (زار شفيق عام 1981 بيروت وألقى خطاباً في قاعة جمال عبد الناصر في جامعة بيروت العربية التي كانت مركز الاجتماعات السياسية والثقافية في المرحلة الفاكهانية لمنظمة التحرير الفلسطينية).

اليوم نتعرف إلى سلفادوري آخر من أصل فلسطينيّ هو ناييب بوكيلي الذي هو نجيب أبو كيلة المولود في السلفادور في منتصف عام 1981، أي لم يكن نجيب أبو كيلة قد ولد بعد، عندما تشكلت الجبهة الوطنية لتحرير السلفادور وكان من أهم قياداتها، فلسطينيان آخران هما شفيق وفريد حنظل.
في اليوم الأول لفوز نجيب بوكيلة، فرح الفلسطينيون الذين سمعوا بالخبر وانتعشت الروح الوطنية اليائسة وانتفخ “الإيغو” الوطني، وكأن انتصاراً وطنياً لاح في الأفق.

هكذا يفرح العرب جميعاً عندما يبرز مواطن عربي منهم في أي شأن، سياسياً كان أو فنياً أو ثقافياً، في البلاد التي ينتمي إليها بحكم مواطنته. يفرحون به أكثر مما يفرحون بمن يعيشون معهم. هذا أمر يرجعه علماء التحليل النفسي لشعور قديم بالهزيمة والدونية تجاه المجتمعات التي برز فيها هؤلاء في سياق تقاليد ديموقراطية وانفتاح حر على المبدعين. بعد أيام أحبط الفلسطينيون لمعرفتهم بأن أبو كيلة زار إسرائيل في العام الماضي ومارس شعائر زيارة حائط المبكى، كما يفعل ضيوف دولة إسرائيل، غير مكترث بجذوره الفلسطينية ولم يلتفت صوب رام الله الملاصقة للقدس كما لم يثر أصله الفلسطيني أمر إعلان إسرائيل والولايات المتحدة القدس عاصمة أبدية لإسرائيل.

دائماً يغيب عن بالنا أن أمثال نجيب أبو كيلة هم مواطنون في بلادهم وليس في فلسطين أو أي بلد عربي آخر والأولوية في الاهتمام لديهم، برنامجهم السياسي في بلادهم وليس في فلسطين. ألم يقف معظم التشيليّين من أصول فلسطينية، الذين كانوا في فترة النهوض الوطني الفسلطيني في نهاية الستينات وبداية السبعينات ليدعموا منظمة التحرير الفلسطينية، مع الانقلاب ضد الحكم الاشتراكي لسلفادور أليندي عام 1973 ودعموا انقلاب الجونتا بقيادة الجنرال بينوشيه الذي ارتكب المجازر بحق التشيليين المناوئين له والمؤيدين للرئيس أليندي. لقد كانت مصالحهم تقتضي ذلك الموقف، فمعظمهم كانوا ينتمون إلى الطبقة الرأسمالية التي أرعبها النظام الاشتراكي المنتخب ديموقراطياً وقتها.

إقرأ أيضاً:
ملاحظات حول المثقفين السوريين والإسلاميين
سهام ناصر صديقتي الحبيبة

إقرأ أيضاً