خلع الحجاب من نور شعراوي إلى جنى دهيبي

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
أكتوبر 4, 2019
تعيدنا قصة جنى إلى قصص كثيرات أُرغمن على ارتداء الحجاب، كما دُفعت أخريات لخلعه. وفي كلا الحالتين، ينقضّ البعض على شأن المرأة الشخصي، ويسود نقاش حامٍ حول حقها في التصرف بجسدها.

 في الصباحات والمساءات، غالباً ما يصادف رواد صفحات التواصل الاجتماعي اللبناني تحقيق  للزميلة جنى الدهيبي. وجنى صحافية لبنانية شابة تنشر تحقيقات تلامس أبعاداً اجتماعية قليلاً ما يتم تناولها، خصوصاً تلك المتعلقة بشمال لبنان ومدينة طرابلس التي تنحدر منها. تناولت جنى في تحقيقاتها قضايا نساء عانين من عنف او اجحاف قانوني وروت حكايات مهمشين عانوا من اضطهاد مجتمعي ونقلت بجرأة وقائع فساد في التعليم والبيئة.

وجنى شغلت الرأي العام المحلي لكن ليس بتحقيق كتبته ولكن بصورة لها. فمن دون تعليق نشرت صورة لها على صفحتها في “فيسبوك”، وقد أسدلت شعرها المسرّح على كتفيها، حراً بلا غطاء للرأس كما كانت لسنوات!

جنى خلعت حجابها.

جنى الدهيبي

في صورتها الجديدة، أرادت جنى أن تظهر كما تحب، أو كما ترتاح، وكان هذا مدخلاً لسيل هائل من التعليقات، خصوصاً ممن ثارت حميتهم الدينية، فانهالوا عليها بتعليقات جارحة، إلى حدّ أن البعض توعدها بـ”الجحيم” لأنها تجرأت وخلعت حجابها. في أحسن الأحوال دعاها البعض للعودة إلى “رشدها”. في المقابل، دافع كثر عنها وقدموا التبريكات لها، على اعتبار أنها اتخذت قراراً جريئاً في بيئة محافظة دينياً واجتماعياً.

التزمت جنى الصمت لكن صورتها والتعليقات عليها طغت في صفحات التواصل الاجتماعي المحلي…

تزامن مع الاهتمام بصورة جنى قضية طبيبة إيرانية، احتجت على ما تفرضه السلطات الإيرانية على النساء من لباس إلزامي وحجاب، إذ جلست على مقدمة سيارة شرطة وخلعت حجابها في العلن، فألزمتها محكمة منطقة البورز غرب العاصمة طهران على العمل 1080 ساعة، أي سنة كاملة، من دون مقابل مادي، لاستبدال عقوبة السجن. وذلك من خلال معالجة النساء وإجراء 14 عملية ولادة من دون أن تتقاضى أجراً. كما عليها إظهار تشجيعها للطبيبات الأخريات بالتزام قواعد اللباس التي “تتناسب مع تعاليم الإسلام”.

تتعرض الإيرانيات لأسوأ أنواع القمع الجسدي والفكري، إلا أنهن يخضن حروباً من أجل الضغط لتغيير ذلك الواقع. لكن السلطات الدينية دائماً ما تبتكر أساليب جديدة لممارسة نفوذها. فبعد فشلها في وضع حد للمعارضة الشعبية المتزايدة لممارسات السلطات الخاصة بتطبيق الحجاب الإجباري، بدأت الشرطة الإيرانية خطة جديدة تحت اسم “مراقبة2″، دخلت حيّز التنفيذ في الأول من أيلول/ سبتمبر، بحسب ما أعلن نائب قائد الشرطة أيوب سليماني.

وبموجب الخطة، فإن السلطات تنشر عناصرها في المواقع العامة بما فيها الأسواق والشواطئ، “من أجل إعطاء النساء اللائي يرتدين حجاباً سيئاً إنذاراً شفهياً”.

تعيدنا قصة جنى إلى قصص كثيرات أُرغمن على ارتداء الحجاب بحكم المعتقدات الدينية أو الثقافية السائدة، كما دُفعت أخريات لخلعه من دون اقتناع للحصول على وظيفة أو للتماهي مع مجتمع متحرر.

أتى ذلك بعد خطة سابقة نفذتها السلطة الإيرانية تقتضي بمراقبة لباس النساء وهن في داخلها. فإذا كان اللباس “غير محكم” ترسل الشرطة رسالة نصية إلى مالك السيارة وتمهله 72 ساعة للتوجه إلى مقر شرطة الآداب للالتزام خطياً بأن المخالفة لن تتكرر. وإلا ستحتجز السيارة لمدة أسبوع كامل، ويحال مالكها إلى القضاء.

سبقت السلطات السعودية نظيرتها الإيرانية في مراقبة لباس النساء في الشوارع والأماكن العامة ورغم تخفيف القيود نسبياً، دون أن يعني ذلك أن النساء لديهن حرية كاملة في اللباس والتنقل. 

عربياً، تتفاوت القوانين التي غالباً ما تكون مجحفة بحق النساء لكن الغالب هو الوصاية المجتمعية التي يمارسها رجال ونساء أيضاً على لبس وأسلوب عيش المرأة.

تعيدنا قصة جنى إلى قصص كثيرات أُرغمن على ارتداء الحجاب بحكم المعتقدات الدينية أو الثقافية السائدة، كما دُفعت أخريات لخلعه من دون اقتناع للحصول على وظيفة أو للتماهي مع مجتمع متحرر. وفي كلا الحالتين، ينقضّ البعض على شأن المرأة الشخصي، ويسود نقاش حامٍ حول حقها في التصرف بجسدها.

نور الهدى شعراوي

هنا، يعيدنا النقاش إلى نور الهدى شعراوي، أبرز وأولى الناشطات المصريات اللاتي شكلن تاريخ الحركة النسوية في مصر، وواحدة من أشهر النساء المسلمات اللواتي تجرأن على نزع الحجاب في العلن، على رغم ضغط المجتمع عليها كونها ابنة محمد سلطان باشا، رئيس مجلس النواب المصري حينها.

ففي عام 1921، وفيما كان المصريون يستقبلون الزعيم المصري سعد زغلول، اتخذت شعراوي قراراً وخطوة رمزية، فخلعت الحجاب علانية أمام الناس وداسته بقدميها مع زميلتها “سيزا نبراوي”. واستقبلهما بالتصفيق حشد من النساء، بعضهن خلع الحجاب أيضاً. 

وكتبت الشعراوي لاحقاً في مذكراتها: “ورفعنا النقاب أنا وزميلتي “سيزا نبراوي” وقرأنا الفاتحة ثم خطونا على سلم الباخرة مكشوفتي الوجه، وتلفّتنا لنرى تأثير الوجه الذي يبدو سافراً لأول مرة بين الجموع، فلم نجد له تأثيراً أبداً لأن الناس كانوا متوجهين نحو سعد متشوقين إلى طلعته”.

لعل حكايات النساء مع مسألة خلع الحجاب لا تنتهي. 

كثيرات تجاوزن جفاء والدهن، وتحمّلن حزن أمهاتهن، مقابل نسمة الهواء التي تسرق ممراً بين خصلات شعورهن المتطايرة من النافذة الأمامية، في أول رحلة في السيارة بلا غطاء رأس. 

الزمن يتغير لكن القصص هي ذاتها، وكذلك شراسة من يعتقد أن من حقه التحكم في جسد المرأة وفي خياراتها.

 

 

لغط قانون العمالة الفلسطينية في لبنان: حماية حقوق أم اضطهاد؟   

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
طردت “آيشتي” أكثر من مئة موظف وموظفة تعسفياً، بعد إجبارهم على التوقيع على استقالات للتنازل عن تعويضاتهم المالية، واقتطاع رواتبهم. المفارقة أن هذه الشركة تستحوذ على 80 في المئة من حصة السوق اللبنانية من الألبسة الفاخرة والماركات العالمية.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
على رغم مرور أسابيع على انتفاضة 15 تشرين الثاني الإيرانية، إلا أن أعمال القمع والاعتقال العشوائية ما زالت سارية المفعول في المناطق العربية، خصوصاً في ماهشهر وجوارها
باسكال صوما – صحافية لبنانية
في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا شكّ في أنّه أمرٌ مؤلم أن يتمنّى لك رفيقك الموت حرقاً. لكن تعليقاً غاضباً كهذا هو مجرّد تفصيل أمام ما نعانيه منذ سنوات من تهديد وتهويل وحقد لا مثيل لها كمعارضين شيعة للأخ الأكبر.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التلفزيونات اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة من نظام الفساد والارتهان الذي باشر اللبنانيون الانتفاض عليه. رخص البث منحت لها من هذا النظام، وحصص الإعلانات وزعت عليها بناء على توازناته. موقعها الطبيعي هناك
زينب المشاط – صحافية عراقية
في بيت سميرة عاش الفتى المغدور هيثم علي اسماعيل الذي قُتل وتم التمثيل بجثته في ساحة الوثبة على مرأى من الجماهير، في حادثة اعتبرت من أبشع الجرائم التي ترتكب على هذا النحو في السنوات الأخيرة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email