fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - The Atlantic

ترجمة - The Atlantic

مقالات الكاتب

حين يطال الابتزاز الجنسي أغنى رجل في العالم…

أعلن جيف بيزوس أنه كان يتعرَّض للابتزاز الجنسي.

لم يستخدم المدير التنفيذي لـ”أمازون” ومالك صحيفة “واشنطن بوست” هذا المصطلح في تدوينته الصادمة على موقع ميديام (Medium)، التي اتَّهم فيها مجلة “ناشونال إنكوايرر” National Enquirer، والشركة المالكة لها، ” أميركان ميديا” (.American Media Inc)، بابتزازه بـ “صور حميمة” التقطها لنفسه. وهدَّدت “أميركان ميديا” بنشر الصور إن لم يدلِ بيزوس بتصريحٍ علني بأنَّ “لا علم له ولا أساس للزعم بأنَّ تغطيه أميركان ميديا كانت مدفوعة سياسياً أو واقعة تحت تأثير قوى سياسيةً”.

المعلومات المعرَّضة للكشف على العلن غير معروفة تماماً. ولكن على رغم هذه التفاصيل الناقصة، تتماشى الخطوط العريضة لمأزق بيزوس مع نمط أصبح للأسف واضحاً على مدار السنوات القليلة الماضية.

يصف مصطلح “الابتزاز الجنسي-Sextortion”، مثلما بات معروفاً في وكالات تطبيق القانون الفدرالية، حالة يتمكَّن فيها المجرِم بطريقة ما من الحصول على مواد جنسية متعلقة بالضحية، عبر الإنترنت عادةً، ومن ثم يستخدمها للابتزاز. أكثر المطالب شيوعاً هي النقود أو إرسال المزيد من المواد الجنسية: صور ومقاطع فيديو وعروض جنسية صريحة عبر سكايب. يحصل المجرمون على الصور ومقاطع الفيديو الأولى، من طريق اختراق حاسوب الضحية، إما لسرقة مواد موجودة عليه بالفعل، أو لاستخدام كاميرا الويب لالتقاط الصور خِلسة، أو من طريق خداع الضحية لترسل محتوى حميماً.

وباعتباره مكوناً من اندماج كلمتين، فإنَّ “الابتزاز الجنسي” مصطلح عجيب ومحيِّر. لكن الحالات التي يصفها ليست مضحكة على الإطلاق، وغالباً ما يكون الضحايا يافعين، كما ينتحر بعضهم. غير أنَّ بيزوس يمتلك جميع الصفات التي تجعله مختلفاً عن الضحايا العاديين: فهو مؤثِّر وثريّ وقادر على اتخاذ قرارٍ بألا يُحرج بسهولة.

 

“الابتزاز الجنسي” مصطلح عجيب ومحيِّر. لكن الحالات التي يصفها ليست مضحكة على الإطلاق، وغالباً ما يكون الضحايا يافعين، كما ينتحر بعضهم. غير أنَّ بيزوس يمتلك جميع الصفات التي تجعله مختلفاً عن الضحايا العاديين: فهو مؤثِّر وثريّ وقادر على اتخاذ قرارٍ بألا يُحرج بسهولة.

 

لم يحظَ الابتزاز الجنسي بقدر كافٍ من الدراسة على رغم انتشاره بكثرة. إنه نوع من أنواع التحرش الجنسي عبر الإنترنت، لكن النشاط الذي يُستخدَم لوصفه لا يُعد جريمة بموجب أي قانون فيدرالي، غير أن هذه القضايا تندرج تحت مسمى عددٍ كبيرٍ من الاتهامات التي تشمل التعقب والقرصنة، وفي الحالات التي يكون فيها الضحايا تحت الـ18، تندرج تحت استغلال الأطفال إباحياً. ويجرِّم القانون الابتزاز عبر الولايات المختلفة، في الباب رقم 18 – المادة رقم 875، أكثر القوانين المستخدمة ضد المُدَّعى عليهم- وهو القانون الذي ربما يوجه بموجبه اتهام لأميركان ميديا في قضية بيزوس، على رغم أنَّ المدعين العامّين السابقين مختلفون حول ما إذا كانت الشركة معرَّضة لخطر المساءلة حقاً.

ولأنَّه لا يوجد قانون واحد تندرج تحته جميع قضايا الابتزاز الجنسي، لا تملك وزارة العدل أية بيانات حول المسألة، وذلك على الرغم من أنَّ مكتب التحقيقات اليفدرالي حاول مراراً أن يرفع مستوى الوعي حيال المشكلة. لا يوجد على حد علمي سوى محاولة واحدة لإنشاء قاعدة بيانات لقضايا الابتزاز الجنسي، وهي قاعدة البيانات التي أنشأها بنجامين ويتس وأنا عام 2016 بمشاركة كودي بوبلين وكلارا سبيرا، متصلةٌ بتقريرٍ لمؤسسة بروكينغز حول الموضوع. ووجدنا، بالتركيز على حالات الابتزاز بهدف إرسال المزيد من المواد الجنسية، 78 قضية نظرت فيها محاكم الولايات والمحاكم الفيدرالية. ولأن القرصنة تسمح للجُناة باستهداف مئات بل وربما آلاف الأشخاص من أجل ممارسات جنسية بالإكراه، فإن عدد الضحايا المتأثرين بالجرائم التي درسناها يبلغ على أقل تقدير حوالى ثلاثة آلاف ضحية. وذلك فقط بالنسبة إلى القضايا التي نظرت فيها المحاكم والتي تمكننا معرفتها عبر البحث في قواعد البيانات العامة.

يمكن أن يكون الإيذاء بشعاً، إذ يهدِّد الجُناة في بعض الحالات بإلحاق الأذى بذوي الضحية أو قتلهم. إضافةً إلى أنهم يرسلون المواد الحميمة لأكثر الأشخاص الذين ترغب الضحية بألا يروها، مثل الوالدين وزملاء العمل. يصف الضحايا في أغلب الأحيان شعورهم بالعجز، ويشبِّهون ما عانوه بالاغتصاب. وتقول إحدى أمهات الضحايا إن ابنتها تكون متضايقة على الدوام حين تخرج إلى الشارع، عاجزة عن التوقف عن التفكير في ما إذا كان الأشخاص الذين مرَّت بهم رأوها عارية.

بعض أساليب الإيذاء هذه خاصة بالابتزاز الجنسيّ، لكن بعضها الآخر منتشرٌ في جميع أنحاء العالم على شكل ما تدعوه زميلتي دانيال سيترون بـ “خرق الخصوصية الجنسية”، ما يعني اقتحام “القرارات الشخصية المتعلقة بالحياة الحميمية”، بما في ذلك من يسمَح بمشاركة الجسد العاري معه، وكيفية عرض الهوية الجنسية للمرء أمام الآخرين. إضافة إلى الابتزاز الجنسي، تشير سيترون إلى نشر المواد الجنسية بالإكراه، وهو ما يسمى كذلك “الانتقام بالإباحية” -أي مشاركة الصور الحميمة بلا موافقة الشخص الموجود في الصورة، ولكن من دون جزئية الابتزاز- وذلك إضافةً إلى الفبركة المُتقنة، أي التلاعب المتَّسم بالواقعية بمقطع فيديو ليُوضع وجه الضحية على جسد ممثل إباحي.

 

في حين كان معظم الضحايا البالغين من الإناث، كانت نسبة كبيرة من الضحايا القصر من الصبيان

 

هناك الكثير مما يجعل قضية بيزوس مختلفة عن حالات الابتزاز الجنسي العادية. ناهيك عن هوية الرجل نفسه والنفوذ الذي يملكه، فقد طالبت شركة “أميركان ميديا” ببيانٍ علني عوضاً عن المال أو إرسال الصور؛ فالشركة دار نشر وليست شخصاً شريراً ولا شبكة من الأطراف الشريرة. يعتمد خُبث الابتزاز الجنسي، مثلما وصفته، على التكنولوجيا الحديثة: ففي حين أنَّ كاميرا الويب الخاصة ببيزوس لم تُختَرق، أفسح استخدامه كاميرا الهاتف الذكي -واسعة الانتشار- لتبادل الرسائل الجنسية -السلوك واسع الانتشار أيضاً- الطريق أمام مناورة أميركان ميديا (ما أثار موجة من التساؤل عن نوع الهاتف الذي يُحتَمل أنَّه يستخدمه، وما إذا كان اختراقه ممكناً).

ولكن الكثير من هذه الأمور ليست بالجديدة. إذ يعود تاريخ الابتزاز الجنسي إلى القرن التاسع عشر على أقل تقدير. ومثلما ذكر لورانس فريدمان في كتابه “Guarding Life’s Dark Secrets”، فقد ضمِنت أعراف الاستقامة الفكتورية نجاح هذه الممارسة. كما الولايات المتحدة لم تبتعد كثيراً من هذه الاتجاهات الثقافية. تشبه تدوينة بيزوس على موقع ميديام كثيراً التحذير المزعوم الذي وجهه القائد العسكري آرثر ويلزلي (دوق ولنغتون) عام 1824 لناشِر كان يهدد بنشر المذكرات الخاصة بإحدى عشيقاته السابقات: “انشرها وتحلُّ عليك اللعنة”.

قد تكون حدود الابتزاز الجنسي، والضرر الواقع بالفعل أمور غير محددة بدقة. غير أنها معروفة، ولكن محاولة “أميركان ميديا” لابتزاز بيزوس هي انتهاكٌ للخصوصية الجنسية، كما تصفها سيترون.

لبيزوس مكانة، مثله مثل دوق ولنغتون، تجعله شديد التأثر بالابتزاز وشديد المقاومة كذلك. فهو مشهورٌ بما يكفي لكي يمتلك سمعة يمكن إفسادها، ولكنه قويٌّ بما يكفي لينتزع نفسه من قبضة أي تهديدٍ. (ولنغتون من ناحيته، ارتقى ليصبح رئيساً للوزراء بعدما نُشِرت المذكرات الفاضحة). ثمة تفاؤل واهم في محاولة “أميركان” ميديا ابتزاز شخص يملك قوة كهذه. وفي مفارقة لم يسبق لها مثيل، تبيَّن أنَّ موقع “ناشونال إنكوايرر” يستخدم خدمات أمازون ويب (Amazon Web Services).

كتب بيزوس في تدوينته على موقع “ميديام”، “أي إحراج شخصي قد تسبِّبه لي “أميركان ميديا” لا أهمية له… لأن ذلك ينطوي على موضوع أكثر أهمية. إذا لم أستطع وأنا في مكانتي هذه أن أتصدى لمثل هذا النوع من الابتزاز، فكم من الناس يستطيعون ذلك”؟ ووفقاً للكلمات التي استخدمها في تدوينته، كان بيزوس يكتب عن أشخاصٍ آخرين تعرَّضوا للابتزاز من قبل “أميركان ميديا” على وجه الخصوص. غير أنَّ الأمر ينطبق كذلك على ضحايا الابتزاز الجنسي، الذين يشعر  كثيرون منهم بأنَّه لا خيار أمامهم سوى الانصياع لمطالب المُبتزِّين.

عملياً، يمتلك بيزوس موارد لا نهائية يُمكنه من خلالها الرد على ابتزاز “أميركان ميديا” الجنسي. فقد عيّن غافين دي بيكر، وهو مستشار أمني بارز،  ليستقصي وراء تهديد AMI “بأي ميزانية يحتاج”. كما يتابعه 846 ألف متابع على “تويتر” يمكنه من خلالهم نشر قصته وتحويلها لحظياً إلى عناوين إخبارية. وإذا تابعت AMI تهديدها ونشرت الصور، سيستيقظ في اليوم التالي وهو لا يزال أغنى رجلاً في العالم.

على النقيض من ذلك، فضحايا الابتزاز الجنسي الآخرون كانوا أكثر عرضةً للأذى. بل وكثرٌ منهم صغار السن: في بحثنا التابع لمعهد “بروكينغز” عام 2016، اقتصرت نسبة 71 في المئة من الحالات التي فحصناها على ضحايا تقل أعمارهم عن 18 عاماً فقط. وفي حين كان معظم الضحايا البالغين من الإناث، كانت نسبة كبيرة من الضحايا القصر من الصبيان، واعتقد كثر منهم أنهم كانوا يتواصلون ببراءة مع الأولاد الآخرين المهتمين بابتزازهم جنسياً. الفتيان والفتيات كانوا بدأوا يفهمون ويكتشفون حياتهم الجنسية، ويخجلون مما قد يكتشفه آباؤهم وزملاؤهم في المدرسة. وصفت إحدى الفتيات -التي كانت تتعرض للمضايقة في المدرسة المتوسطة- شعورها بالرعب من أن نشر هذه الصور سيُعرّضها لتنمّرٍ أشد قسوة. وفي دراسة أجرتها مجموعة ثورن عام 2017، قال واحدٌ من كل ثلاث ضحايا ممن شملهم الاستطلاع إنه لم يشارك ما حدث له مع أي شخص مطلقاً، ولم يلجأ سوى 17 في المئة من الضحايا إلى الجهات القانونية. وحتى عندما يذهب الضحايا إلى الشرطة لا تعرف أجهزة إنفاذ القانون المحلية في كثيرٍ من الأحيان كيفية التعامل مع المشكلة. ولا يزال هناك خطر بقاء الصور على الإنترنت ومطاردة الضحايا لبقية حياتهم.

يُعبر إصرار بيزوس على إثبات قدرة المرء على “الوقوف في وجه هذا النوع من الابتزاز” عن بصيرة نافذة. إذ إن الابتزاز الجنسي أمر بشع ويدفع الضحايا إلى العزلة، علماً أن كثراً منهم غير مدركين لكيفية انتشار مثل هذا النوع من الإيذاء. ولذا يعتبر اعتراف أغنى رجل في العالم أن هذا الأمر قد أثر فييه أيضاً، ذات قوة معبرة، سواء في التأكيد للضحايا أنهم ليسوا وحدهم، وعلى أمل بجذب الانتباه للمشكلة.

في الوقت ذاته، غالباً ما يحقق الابتزاز الجنسي نجاحاً، وذلك تحديداً لأن الضحايا يفتقرون إلى موارد بيزوس. لمعظم الناس، سيعني السماح لأحدهم بنشر مواد فاضحة التسبب بمعاناة عاطفية عميقة وإحراج (وهو ما عاناه بيزوس بالتأكيد)، وإلحاق الأذى بالسمعة وفرص العمل (وهو ما لن يجبر بيزوس للقلق بشأنه). تحتاج هذه المنطقة للإصلاح القانوني: فقد جَرّمَت الآن معظم الولايات المواد الإباحية المُسجلة بغير رضا متبادل، لكن الانتهاكات الأخرى للخصوصية الجنسية، مثل مقاطع الفيديو الجنسية المزيفة والصور المختلسة من أسفل التنانير، لا تندرج بشكل قوي في سياق القانون الجنائي أو المدني الحالي. كما أن التشريع الذي قُدّم إلى الكونغرس لتجريم الابتزاز الجنسي لم يُثمر شيئاً.

ثمة نمط ثابت بين المبتزّين جنسياً يتمثل في أن الاعتداء لا يتعلق بالجنس بقدر ما يتعلق بفرض السلطة. قال مايكل سي فورد، الذي حاول ابتزاز مئات الشابات باستغلال صور جنسية، للمحققين إنه أراد أن يشعر بأنه “كبير” و”مهم”. فقد انخرط في الابتزاز الجنسي، لملء “فراغ السلطة” الذي شعر به نتيجة لأن زوجته كانت “قائدة بالفطرة وهي من تعيل الأسرة”. تتمحور قصة بيزوس أيضاً حول السلطة: إذ إن ثروة الرئيس التنفيذي لأمازون ضد إمكانية “أميركان ميديا” من الاستفادة من قدرتها على نشر نزوات بيزوس على الصفحات الأولى للمجلات في متاجر البقالة في جميع أنحاء أميركا.

هذا إضافة إلى السياق السياسي الأكبر للقصة الذي يضعها في مهب التيار المعارض للسلطة على المستوى الدولي. فقد أغضب بيزوس الرئيس دونالد ترامب بسبب امتلاكه “صحيفة واشنطن بوست”، كما تجدر الإشارة إلى أن “أميركان ميديا” ملتزمة حالياً باتفاق عدم الملاحقة القضائية من قبل المدعين الفيدراليين في الدائرة الجنوبية لنيويورك، في ما يتعلق بتحقيقهم في دور الصحف الصفر في المساعدة على إسكات امرأة واحدة على الأقل من أصحاب القصص غير اللائقة التي قد ترويها عن ترامب خلال حملة الانتخابات الرئاسية عام 2016. كما يُلمّح بيزوس في مقاله على موقع “ميديام” إلى أن استياء أميركان ميديا منه قد يكون متعلقاً بعلاقاتها المزعومة مع الحكومة السعودية والتحقيق الذي أجرته “واشنطن بوست” حول مقتل جمال خاشقجي.

على رغم أن ذلك قد يثير المزيد من الحيرة، بل وربما يتبين أن الأمر يحمل بين طياته قدراً كبير من الأهمية، سيؤدي ذلك إلى فقد قيمة اللحظة الحالية، جزئياً على الأقل، إذا لم يركز الحديث حول بيزوس على ما تعنيه أفعاله، ونوع الإساءة التي وقف ضدها، بالنسبة إلى من هم أضعف منه.

كينتا جوريستش

هذا المقال مترجم عن theatlantic.com ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي.

إقرأ أيضاً