fbpx

هنا القصة الثالثة

وائل السواح- كاتب سوري

وائل السواح- كاتب سوري

مقالات الكاتب

حين خرج أكرم البني ولم يعد

 

يتابع وائل السوّاح انطباعاته عن اليسار السوري الجديد في سبعينات القرن الفائت، خلال ملاحقة تنظيم رابطة العمل الشيوعي، واعتقال كوادره وأصدقائه، وبين الأصدقاء الكاتب والباحث المعروف فراس سوّاح.

 

حمّلتني اعتقالات أيار/ مايو عبئاً أسرياً وأخلاقياً كبيراً. لم تكتف السلطة باعتقال الرفاق في حملة أيار، بل الأصدقاء أيضاً. أحد الأخطاء السخيفة والتي لا مبرر لها كان احتفاظ اللجنة المنطقية بسجل فيه أسماء أصدقاء الرابطة الذين كنا نوصل لهم جريدة “الراية الحمراء”. وبين هذه الأسماء كان اسم أخي الأكبر فراس السوّاح.

لم تتسنّ لي معرفة فراس جيداً في طفولتي، إذ غادر بيتنا في حمص إلى الجامعة في دمشق حين كنت طفلاً صغيراً. وليس لي في ذاكرتي أي صورة له وهو مقيم بيننا، سوى صورة باهتة عنه وهو يضرب كيس الملاكمة المتدلي من سقف الغرفة أو يمرّن عضلات ذراعيه مستخدماً الأثقال الخفيفة التي كانت تصطفّ إلى جانب كتبه في غرفته التي نادراً ما كانت أمي تسمح لي بدخولها. ولكنني أتذكّره حين كان يزورنا في حمص، في الإجازات والعطل، حين كان نظام البيت بأكمله يتغيّر. كان فراس يحظى باحترام والديّ وإخوتي، وكان قادراً على فرض مزاجه على البيت، فتختفي أصواتنا، سحبان وبشّار وأنا، ويحتلّ الغرفة الداخلية وحيداً، بينما نتوزّع نحن على الغرف الأخرى.

أذكر أيضاً سؤاله لي في كلّ زيارة وهو يحاول مجاملتي: “في أي صفّ صرت؟”، وكنت أشعر في كلّ مرّة بالخيبة لأنه نسي جوابي في المرّة السابقة، أو لأنه فشل في عملية الحساب: السنة الماضية كنت في الصفّ الخامس، إذاً أنا الآن في الصفّ السادس، كما كان منطقي يقول.

كنت أعرف فراس من غيره أكثر من معرفتي المباشرة به. كنت أرى اسمه يرد في جرائد ومجلات سورية ولبنانية، حيث كان ينشر قصصه الأولى، بعد أن رفض والدي، وهو رئيس تحرير إحدى أكبر صحيفتين في حمص في الخمسينات ومطلع الستينات، أن ينشر له في جريدته. “اثبت نفسك في مكان آخر قبل أن أنشر لك” قال له أبي الذي لا رادّ لقضائه. بما يشبه التحدّي للأب، أرسل فراس قصصه إلى جريدة دمشقية اسمها “دمشق المساء”، قبل أن يتحوّل إلى الدراسات النقدية في مجلّة الآداب البيروتية التي كان يرأس تحريرها سهيل إدريس، فيترافق اسمه مع اسمي خليل حاوي ونازك الملائكة.

 

 

ولكنني سأعرف فراس بشكل أفضل حين سأسافر إلى دمشق أنا أيضاً للدراسة في الجامعة هناك مطلع السبعينات. سوف أزوره كثيراً في بيته في المزّة الغربية لأتناول وجبة دسمة، تختلف عن وجبات المطعم الشعبي في الشعلان، ولأستلم منه مساعدته الشهرية: 10 ليرات سورية، كانت تعيلني من عثرتي بعد منتصف الشهر، حين كان مصروفي الشهري الذي كان والدي يعطيني إياه ينفد.

جرّب فراس كلّ شيء تقريباً، بما في ذلك الفكر السياسي، ولكنه لم يلتزم تنظيمياً بحزب أو جماعة. كان قريباً من فكر السوريين القوميين، وله علاقات قوية مع القوميين كأفراد، ولكنه لم ينتسب رسمياً إلى صفوفهم، على عكس والدي الذي كان مقرّباً من أنطون سعادة، واحتلّ موقع منفّذ مدينة حمص، قبل أن ينتقل إلى مواقع اليسار.

حين يُسأل فراس عن علاقته بالسوريين القوميين، تجده يردّد عبارة أثيرة لديه: “أنا قومي قطاع خاص”. أما أنا، فلا يخطر الحزب القومي السوري على بالي من دون أن أتذكر حازم صاغية الذي تنقل في كلّ أصقاع الفكر والسياسة، فلم يشعر بخجل إلا من الفترة التي كان فيها قريباً من القوميين السوريين.

ومع ذلك، سيؤثّر الفكر السوري القومي في فراس إيجاباً في ما بعد، فيبحث في تاريخ سوريا القديم، وسيقوده ذلك مصادفةً إلى الميثولوجيا السورية، التي ستفتنه وسيقع أسيراً لها، فيكرّس لها كلّ حياته على مدى أربعة عقود ونيّف. عام 1976 سيكون علامة فارقة، فمع صدور كتابه الأول “مغامرة العقل الأولى” سيقفز اسم فراس السوّاح ليحتل مكانة مرموقة في الفكر السوري لدى شتّى فئات السوريين، وبخاصّة الطلاب. وسيظّل الكتاب لأجيال المدخلَ إلى التفكير النقدي في الدين، فهو أول مؤلَّف عربي ربط بين الأديان السورية المتعاقبة من حيث الموضوعات الرئيسية لها وهي التكوين والطوفان والفردوس والإله الميت والإله المخلّص، والتي سيحدّثنا عنها فراس مفصّلاً، وصولاً إلى القرآن. وهو في رحلته، يشبه كما يقول هو “مستكشفاً يرتاد غابة عذراء، ويشق طريقه فيها اعتماداً على الحدس والإلهام”.

ستترك مكانة فراس أثرها عليّ أيضاً، ففي كلّ مرّة أتعرف إلى مثقّف جديد وأقدّم له اسمي، يسارع إلى سؤالي: “شو بيقربك فراس سوّاح؟” وحين أجيب، “أخي”، غالباً ما يصرخ بصوت من لم يصدّق ادعائي: “أخوك؟!” .

في صباح أياري دافئ، كان فراس في مكتبه في وزارة الصناعة، حيث كان يعمل خبيراً في تطوير الإدارة، حين وصلت إلى الوزارة دورية من الفرع الداخلي، واعتقلته من مكتبه، وساقته – بين ذهول زملائه – إلى فرع الخطيب. أوقفه السجانون قرابة العشر ساعات، وجهه يواجه الجدار، من دون ماء أو طعام، وهو يسمع أصوات التحقيق والتعذيب. في التاسعة مساء استدعاه النقيب تركي علم الدين، وبدأ التحقيق معه. بعد إطلاق سراحه، سيخبرني فراس أن تركي لم يعذّبه أو يهنه، ولكنه كان يريد منه أسماء. وكان لدى فراس هاجس رئيسي: ألا يضطر إلى الاعتراف عني. المخرج الذي قدّمه لتركي علم الدين كان أحمد جمّول، فالأخير كان ملاحقاً بالأساس وقد غادر البلاد للتو. في منتصف الليل انتهى التحقيق، وسيق فراس إلى مهجع صغير فيه نحو 20 موقوفاً، بينهم يوسف عبدلكي، ونشأت بين الرجلين صداقة استمرت إلى اليوم.

في الخارج، كنت أعاني تأنيب الضمير، ففراس بالنسبة إلي كان أخي الأكبر، ولكنه كان أيضاً مهجة عين أبي وأمي، وكنت أشعر أنني السبب وراء توقيفه، فأنا من أدرج اسمه في قائمة الأصدقاء، وأنا من كان يوصل له الجريدة. وكنوع من التعويض، وجدت نفسي أطرق باب رئيس اتحاد الكتّاب العرب علي عقلة عرسان. استقبلني الرجل الذي كان جلس على كرسي رئاسة الاتحاد قبل سنة فقط ولكنه لصق به أكثر من ثلاثة عقود وهو جالس، ينظر إليّ شذراً.

“أنا هنا من أجل أحد أعضاء اتحادكم: فراس سوّاح”.

“كاتب ممتاز،” قال عرسان بخبث.

“ولكنّه في السجن،” أجبت.

-“ليس لأسباب تتعلّق بكتابته

-ولكن من مسؤوليتك الدفاع عن الكتاب المعتقلين.   

-ليس إذا كانوا قد ارتكبوا جرماً سياسياً.

-ولكن فراس ليس سياسياً ولم يقم بفعل سياسي”.

لم أكن أستطيع أن أثبت ذلك، فصمتّ، وراح علي عقلة عرسان يتشاغل بقراءة ورقة على مكتبه، وقفت، ونظرت إليه أتأمله ملياً قبل أن أستدير لأغادر مكتبه من دون تحية. وبقيت صورته وهو يتشاغل عني بورقته، بجبن وتهرّب، هي الصورة التي علقت بذاكرتي إلى الأبد. ولكن في مواجهة جبن عرسان، تقدّم لنجدة فراس الأب الياس زحلاوي، الذي استطاع بما له من نفوذ معنوي أن يساهم في إطلاق سراحه، وترافق ذلك مع مقال نشرته “اللوموند” الفرنسية، تحدّث عن فراس، كما تناولت خبر اعتقاله إذاعات كثيرة منها “مونتي كارلو”.

بعد أسبوع أو اثنين، نقل شباب الرابطة إلى سجن كفر سوسة، ونقل فراس إلى السجن المنفرد، حيث سيمضي 6 أسابيع أخرى، قبل أن يتم إطلاق سراحه. في الزنزانة لم يكن له من مواسٍ سوى أبو رمزت، عين الجلّاد الذي كان يعذّب المعتقلين. كان قرأ كتاب “مغامرة العقل الأولى” وكان يمرّ عليه في كلّ ليلة لتبادل الحديث والدردشة. قبل أن يطلق سراحه، استقبله في مكتبه محمد ناصيف، وأعطاه محاضرة في الوطنية وحب الوطن. وحين عاد فراس إلى بيته وجد أن رئيس الوزراء قد سرّحه من وظيفته تسريحاً تعسفياً وفقاً لمادة في القانون تجيز له ذلك.

تركت حملة أيار التنظيم من دون قيادة حقيقية، فمن أصل 11 عضواً في الهيئة المركزية لم يبق خارج المعتقل (بعد سفر أحمد جمّول وهيثم العودات) سوى 3 أعضاء هم أصلان عبد الكريم وفاتح جاموس ونهاد نحّاس. كان لا بدّ إذاً من ترميم الهيئة. وكان عقد مؤتمر جديد للرابطة أشبه بالخيال. كان النظام الداخلي للرابطة يقضي بعقد مؤتمر سنوي للرابطة (وهو بحدّ ذاته دليل على طوباويتنا وعدم معرفتنا بطبيعة النظام الدكتاتوري وعدم قدرتنا على التنبؤ المسبق بردّ فعله)، ولكن بطش النظام دفعنا إلى النظرية اللينينية في قيام الحزب على أساس حفنة من المحترفين الثوريين. لذلك قرّر الرفاق الثلاثة ترميم الهيئة من خلال التعيين.

مرّة أخرى، في حديقة السبكي هذه المرّة في قلب دمشق، التقيت فاتح جاموس. كان الحزن والقلق اللذان ظهرا في عينيه المرّة السابقة، تراجعا وحلّ محلّهما عزم جديد.

“جهز نفسك للسفر قريباً”.

“بيروت؟” سالتُ، فقد كنت مراسلاً بين دمشق وبيروت على مدى شهور منذ نهاية عام 1977.

“ستعرف لاحق”، أجاب باقتضاب.

وعرفت بعد أيام. أوائل شهر أيلول/ سبتمبر، جاءني الأمر للسفر إلى حلب. بعد اعتقالات أيار، اتخذت لجنة العمل قراراً بنقل مركز نشاط التنظيم المركزي إلى مدينة حلب، التي بقيت فيها البنية التنظيمية آمنة نسبياً. وكردّ على قمع السلطة، قرّرت لجنة العمل أمرين اثنين: التحضير لمدرسة كادرية لتخريج قادة جدد للمنظمة يحلّون محلّ القادة المعتقلين ولإصدار، من خلال تمكين المشاركين من الخط النظري ومن طرائق التحليل وكتابة المقالة، وأيضاً من خلال نقل ما تراكم من خبرات تنظيمية وأمنية لهم؛ وإصدار جريدة “الراية الحمراء” طباعة وليس نسخاً على ورق النسخ (الجستتنر).

أكرم البني

وهناك وجدت نفسي محشوراً مع مجموعة من الرفاق في شقّة كان مصطفى خليفة وأكرم البني قد استأجراها قبل 10 أيام، وبذكاء عملي، اختارا الشقّة في حي السريان، تبعد شارعين اثنين من مقرّ الأمن السياسي في حلب. أقلّ من 20 رفيقاً تجمّعوا في شقّة بالكاد تتّسع لهم، ولم يسمح لنا بالخروج أو الدخول لعدم لفت الأنظار، فلم تكن حركة نحو عشرين شخصاً ذكراً في العشرينات وأوائل الثلاثينات من عمرهم في شقّة في حلب أمراً مألوفاً، ولسوف يثير انتباهاً لا مبرّر له. كان مصطفى وأكرم الوحيدين اللذين يستطيعان الخروج، بينما بقينا جميعاً محبوسين في المكان، نعمل نحو 10 ساعات يومياً. كانت تلك مدرسة الكادر التي ستخرّج الأعضاء الجدد للهيئة المركزية. كان العمل يبدأ بعد الإفطار مباشرة، ويتوقّف قبل العشاء، مع استراحة غداء وبعض استراحات التدخين وشرب الشاي. نقاشات للخط الاستراتيجي للرابطة كانت محور الجلسات. كنا قد نشرنا الخطّ الاستراتيجي قبل عام ونيّف: 11 كرّاساً من الحجم الصغير، حملت رأينا في الثورة العالمية والوحدة العربية والقضية الفلسطينية والنظام السوري والطبقة العاملة السورية والحزب الشيوعي الموحّد والجبهة الشعبية المتحدّة التي يقودها هذا الحزب الثوري. كان نشر هذه الكرّاسات التي طبعناها في لبنان وأحضرناها تهريباً على ظهور البغال إلى سوريا أحد أسباب شراسة النظام ضدّ التنظيم. إذا نظرت خلفاً الآن، فسأنظر بعين الشفقة إلى تلك الكرّاسات التي وضع فيها المؤسسون عصارة فكرهم ورؤيتهم، ولكنها كتبت بشكل تبسيطي وموجز، وكانت أحياناً ذات طابع تحريضي. ففي القضية الفلسطينية لم يكن ثمّة حلّ إلا من خلال إسقاط أحد أنظمة الطوق (سوريا على الأرجح)، وفي كرّاسة طبيعة السلطة في سوريا، استحسن الرفاق وصف السلطة السورية بـ”العاهر” التي “تتغنّى بعذريتها، قبل أن تسقط عنها ورقة التوت”.

تعرّفت في مدرسة الكادر إلى جملة من الأشخاص الاستثنائيين الذين جعلوني أحسن الظنّ بنفسي وبالتنظيم وأحسّ أن الأمور لا تزال بخير. وسيكون لاثنين بينهم أثر كبير عليّ: مصطفى خليفة وأكرم البني.

سيعرف العالم في ما بعد مصطفى خليفة من خلال روايته “القوقعة” التي وصف فيها حال المعتقلين في سجن تدمر المرعب أثناء حكم حافظ الأسد من خلال قصة شاب مسيحي اعتقل بتهمة الانتماء إلى الإخوان المسلمين، وشهد من خلال قوقعته الرعب السوريالي الذي يستحيل تخيّله أو وصفه إلا من خلال من عايشه. وعلى رغم أنني شخصياً عايشت جزءاً من هذا الرعب في سجن تدمر، إلا أنني لم أستطع ضبط تسارع خفقات قلبي ومنعه من الهبوط بين ساقي وأنا أقرأ الرواية في صيف 2007. أعطتني مسودة الرواية سيّدة كانت تفكّر بنشرها، ثمّ تخلّت عنها لأسباب أمنية لمصلحة دار الآداب. أخذتُها إلى البيت وأنا أتذكر الشاب الطويل النحيل ذا الشاربين الأسودين والعينين الواسعتين الهادئتين، الذي قابلته أول مرّة في حلب، ثم عشت معه سنوات في السجن. وحين بدأت القراءة راعني أن المرء لا يستطيع أبداً أن يألف الخوف والموت والعزلة مهما طالت المدّة أو تطاولت.

كان مصطفى مناضلاً سياسياً بامتياز، ولم نكن نعرف أن لديه رغبة دفينة في الكتابة مذ كان، كما يقول هو، ولداً يلعب في شوارع بلدته المشلوحة على الحدود التركية: جرابلس، التي غادرها إلى حلب وعاش التجربة الحلبية بكلّ أبعادها.

سيعتقل مصطفى مرتين، الأولى بعد أشهر من لقائنا؛ والثانية في الثمانينات حيث سيمضي 15 سنة، بعضها في سجن تدمر الذي سيكتب عنه أنصع وثيقة عن أحلك فترة في التاريخ السوري. بعد الاعتقال الأول خرج ليتابع النضال مباشرة، بينما تغيّرت الحال بعد اعتقاله الثاني. “كان مشروعنا قد تهاوى وفشل”،  يقول مصطفى، “ليس على مستوى الذات أو سوريا أو الوطن العربي فقط، إنما على مستوى العالم، وهكذا كانت معاودة النضال على الأرضية ذاتها كمن يناطح الصخر.” وستكون الكتابة بالنسبة إليه هي التعويض على انهيار الحلم السياسي.

 

أكرم البني كان شخصاً مختلفاً. كان أصغر الموجودين سناً، شديد الحيوية، ينطلق من عينيه دوماً ألق يشتعل حماسة وذكاء. سيعتقل أكرم مراراً تحت حكم الأسدين، ولن يتعلّم أبداً درسه، بل سيعود في كلّ مرّة أكثر حماسة ولكن أكثر عمقاً أيضاً.

 

سألتقي مصطفى من جديد في باريس بعد نيّف و20 سنة، ولسوف نتابع مباشرة ما بدا لنا حديثاً أوقفناه قبل دقائق لتحضير الشاي مثلاً. سيعطيني في واحد من لقاءاتنا نسخة من روايته الثانية “رقصة القبور”. بعض الأعمال الجميلة تكون نقمة ونعمة. القوقعة كانت كذلك، فأي قارئ لـ “رقصة القبور” سيقارنها فوراً بالقوقعة، وعلى رغم أن رقصة القبور ربما تفوقت في البناء الفني واللغة عن القوقعة، إلا أنها ليست هي. قبل مصطفى خليفة عانى عبد الرحمن منيف من ذلك أيضاً، حين قارن القراء كلّ عمل لاحق لـ “شرق المتوسط” بها. شخصياً أجد “شرق المتوسط” عملاً متوسط الجودة، إذا ما قورن مثلاً بمدن الملح. أخذت الرواية منه وأنا أتأمله بصمت: باستثناء شعرات بيض في رأسه، لن يلحظ من لم يره عشرين سنة فرقاً كبيراً في تقاسيم وجهه ونبرته الهادئة وعينيه المتّقدتين.

أكرم البني كان شخصاً مختلفاً. كان أصغر الموجودين سناً، شديد الحيوية، ينطلق من عينيه دوماً ألق يشتعل حماسة وذكاء. سيعتقل أكرم مراراً تحت حكم الأسدين، ولن يتعلّم أبداً درسه، بل سيعود في كلّ مرّة أكثر حماسة ولكن أكثر عمقاً أيضاً. وستنتظره رفيقة دربه روزيت (التي لم تسلم من الاعتقال) وابنتهما بيسان طويلاً، قبل أن تعدّا البيت في كلّ مرّة لاستقبال المهنّئين بعد خروجه. وبعد سنوات سيغدو كاتب رأي متميّزاً في أهم الصحف العربية، وسيعطي أكثر التحليلات السياسية قوّة وموضوعية.

حين جئت إلى حلب، كان أكرم ومصطفى يشكلان عصب اللجنة المنطقية، وتولّى أكرم مسؤولية المطبعة الحديثة، فتدرّب لأسابيع في إحدى مطابع حلب على صفّ الأحرف الرصاصية، ثمّ بدأ يعمل على جهاز بدائي للطباعة حصلت عليه الرابطة من طريق أصدقاء، يتألف من قاعدة حديدية مع الأسطوانة الثقيلة التي تمرر فوق الصفحة المصروفة والمبللة بالحبر لإتمام الطباعة. وصدر العدد الجديد (العدد 17) من الراية الحمراء يحمل شعاراً جديداً صمّمه يوسف عبدلكي، أما اسم الجريدة فصمّمه الفنان المتألق منير شعراني الذي كان وقتها يقوم بخدمته العسكرية في حلب. وللالتفاف على صاحب محل الزنكوغراف والرقابة الأمنية اللصيقة عليه، قام منير بتصميم شعار باسم “سناك الزاوية الحمراء”، وبعدها تمّ قص الحواشي وإزالة حرف الواو ونقطة الزاي وتقريب الأحرف لتصبح “الراية الحمراء”. لن يعرف قرّاء الألفية ولا الجيل الذي قبلهم معنى هذا الكلام، فهم يستطيعون استخدام الفوتوشوب لتصميم أي شعار، دونما رقابة أمنية ودونما حاجة لمحلات الزنكوغراف.

أمضينا في مدرسة الكادر 3 أيام بلياليها، من أصل أيام سبعة كنا من المفترض أن نمضيها هنالك لتخريج كادر جديد يحلّ محلّ الكادر الذي اقتنصه منا تركي علم الدين ومحمد ناصيف. في اليوم الرابع، العاشر من أيلول/ سبتمبر 1978، خرج أكرم البني كالعادة لمقابلة بعض الرفاق، ولكنّه لم يعد. عاد مصطفى حزيناً وأخبرنا باعتقال أكرم، ثمّ علمنا أن حليم رومية وبعض الرفاق الآخرين قد اعتقلوا أيضاً في دمشق. وبدأت من جديد حملة قمع أخرى.

إقرأ أيضاً