fbpx

هنا القصة الثالثة

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

نصري حجاج - سينمائي فلسطيني

مقالات الكاتب

حين أرسلنا قروشنا من مخيم عين الحلوة الى الجزائر

كنت في الثالثة عندما بدأت حرب التحرير الشعبية في الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، عام 1954، وكنت في الحادية عشرة عندما أعلن استقلال الجزائر عام 1962. في تلك السنوات في مخيم عين الحلوة في صيدا جنوب لبنان، كان اللاجئون يدخلون عتبة العقد الثاني من اللجوء. كنا لا نزال في الخيام، وكانت بعض مدارسنا في الخيام وكان الناس فقراء يعيشون على ما تقدمه وكالة غوث اللاجئين (أونروا) من مساعدات غذائية وصحية وتعليمية.
كان مصروف الجيب اليومي الذي تعطينا إياه أمهاتنا ونحن في طريقنا إلى المدرسة لا يتجاوز نصف فرنك لبناني، أي قرشين ونصف من الليرة. كان نصف الفرنك بالكاد يكفي لشراء نصف سندويش فلافل من عربة أحمد بائع الفلافل، الذي كان يقف بعربته أمام بوابة المدرسة، ولم تكن الفلافل ساخنة، فالشارون على عجلة لدخول المدرسة، وكان يقطع السندويش بسكين يبيع نصفه، بنصف فرنك.
في تلك الأيام، نشطت جمعيات لا أتذكر من أين نشأت ربما كانت على علاقة بحركة القوميين العرب، لكنها كانت تعمل في صفوف الفقراء اللاجئين، من أجل دعم شعب الجزائر في كفاحه ضد الاستعمار، وكانت قلوبنا، نحن الصغار، ترقص وترتجف حين نسمع عن الكفاح ضد الاستعمار. كنا نحلم ببلاد لم نرها وولدنا بعيداً منها، وكنا نرغب في طرد الاستعمار منها لأنها بلادنا. وبسبب هذه المشاعر البريئة ربما، كنا نحب الجزائر ونحلم بتحريرها، وكنا نرغب في أن يكون لنا أيضاً كفاح مثل الجزائريين لطرد استعمارنا. ولذا لم نتردد لحظة، نحن أطفال المخيم اللاجئين، في منح مصروف جيبنا، نصف الفرنك اللبناني تبرعاً لتلك الجمعيات لكي توصله إلى شعب الجزائر، إذ قيل لنا إنهم جوعى أكثر منا وإنهم يقتَلون ويحاصرون ويعتقلون.

هكذا كنا نضحي بنصف الفرنك، من أجل شعب الجزائر. وكنا نحلم بتحرير الجزائر وتحرير فلسطين وفوق تلك الأحلام كلها، كنا نحلم بنصف سندويش الفلافل عندما يقرصنا الجوع في أيام المدرسة الطويلة الباردة.
لم تكن معرفتنا بالجزائريين كمعرفتنا ببقية الشعوب العربية البعيدة من لبنان. كان بيننا في مخيمات عين الحلوة والبرج الشمالي والرشيدية ونهر البارد والقاسمية والبداوي وبرج البراجنة فلسطينيون، لاجئون من أصول جزائرية كنا نسميهم “المغاربة”، وكانوا بمعظمهم من الأمازيغ، ظلوا يتحدثون في ما بينهم باللغة الأمازيغية، التي علموها لأطفالهم. جاء هؤلاء المغاربة إلى فلسطين منذ منتصف القرن التاسع عشر الذي شهد موجات هجرة إلى فلسطين من بلاد القوقاز والبلقان، بعد هزيمة الجيش العثماني أمام الجيوش الأوروبية. وازدادت موجهة هجرة الجزائريين كثافةً إلى بلاد الشام، بعد نفي الأمير عبدالقادر الجزائري إلى فرنسا ومن ثم انتقاله إلى أراضي الدولة العثمانية ليحل في دمشق في منتصف القرن التاسع عشر. وعرفت فلسطين في السنوات اللاحقة هجرة أعداد أكبر من الجزائريين، فرضتها إجراءات الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وتكثفت موجات الهجرة في بداية القرن العشرين، حتى أن سكان بعض قرى الجليل الفلسطيني كانوا جزائريين بالكامل، مثل القرى الخمس وهي ديشوم وعموقة والحسينية وتليل وماروس، في قضاء صفد، في حين عاش الجزائريون في قرى مختلطة مع الفلسطينيين في قضاء عكا وحيفا وطبريا.
عام النكبة 1948، لجأ الجزائريون مع أشقائهم الفلسطينيين إلى لبنان وسوريا، وصاروا لاجئين فلسطينيين. بعد استقلال الجزائر عام 1962 كثف هؤلاء اللاجئون اتصالاتهم بعائلاتهم في الجزائر ومنهم من استعاد الجنسية الجزائرية ومنهم من بقي محافظاً على وضعه لاجئاً فلسطينياً.
كان صديقي وجاري علي المغربي ابن عين الحلوة، يكبرني بسنوات، وكان أسرعنا في سباق الجري بين الأطفال، وكان يحكي لنا عن شوقه إلى بلاد لم يعرفها كما شوقنا إلى بلاد لا نعرفها. عام 1960 اختفى علي المغربي من حارتنا هو وعائلته، ولم نعرف عنه شيئاً منذ ذلك الوقت وراجت حكايات كثيرة لا ينقصها التشويق في حارتنا، عن عليّ المغربي. قال بعضنا إنه ذهب الى الجزائر ليناضل ضد الفرنسيين وصار قائداً في جبهة التحرير الوطني الجزائري، ولكن الحكاية الأكثر مأساوية التي أدمت قلوبنا نحن الصغار، أنه قُتل برصاص الفرنسيين وهو يحاول التسلل عبر الحدود التونسية، ولم تتسنَّ له ملامسة أرضه التي حلم بها. ولكن الحكاية التي نسجها خيالي بعد مشاهدتي فيلم “معركة الجزائر” للإيطالي جيلو بونتيكو رفو أن علي المغربي صديق طفولتي هو ما غيره علي لابوانت، الشخصية الرئيسية في ذلك الفيلم، الذي كان مشرداً وصار مناضلاً عنيداً في جبهة التحرير.
عشت في الجزائر 5 شهور من أيلول/ سبتمبر 1987، حتى شباط/ فبراير 1988. لجأت إلى الجزائر بعد طردي من قبرص. كانت البلاد في تلك الفترة في أزمة اقتصادية وكانت إرهاصات الحرب الأهلية تلوح في الأفق. هناك تعرفت الى رشيد بوجدرة والطاهر وطار وشاهدت مسرحية عن روايته الشهيرة “الشهداء يعودون هذا الأسبوع”، والتقيت قساً لبنانياً، هو الأب إبراهيم موصللي، علّم رشيد بوجدرة العربية ليتمكن من الكتابة بها، إذ كان يكتب رواياته بالفرنسية.
غادرت الجزائر في الثالث من شباط من عام 1988 إلى تونس، بعد أسابيع قليلة من الإطاحة بالرئيس الحبيب بورقيبة ووصول الرئيس زين العابدين بن علي إلى السلطة، لكنني عدت إليها للمرة الأخيرة في تشرين الثاني/ نوفمبر، ضمن الوفد الإعلامي الفلسطيني، أثناء اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني الذي أعلن قيام دولة فلسطين التي ظلت أسيرة ذلك الإعلان العاطفي.
نحن الفلسطينيون، كنا نرى الجزائر رابطة المحبة والدم والحلم القديم، وشارك معلمون فلسطينيون كثيرون بعد الاستقلال في العمل ضمن خطة التعريب في المدارس الجزائرية، ومنهم من بقي ومات هناك، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، وترحيل قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، نُقل مئات من المقاتلين الفلسطينيين إلى معسكرت في الجزائر في مدينة تيزي اوزو، وظلوا إلى ما بعد توقيع اتفاقيات أوسلو، وكانوا يشعرون بأنهم بين أهلهم. واستقبلت فلسطين مهاجرين جزائريين إبان سيطرة فرنسا على بلادهم، واستقبلت الجزائر فدائيين فلسطينيين على أرضها، ومن منا لا يذكر ذلك القول المشحون بالعاطفة الجياشة للرئيس الجزائري الهواري بومدين :”نحن مع فلسطين ظالمةً أو مظلومة!”.
اليوم والجزائريون يهتفون في الشوارع من أجل التغيير الديموقراطي في بلادهم، أتذكر صديقي الجزائري الفلسطيني السوري، ابن مخيم اليرموك المصور الفوتوغرافي نيراز سعيد مناد، وهو جزائري الأصول فلسطيني الهوية، قتله النظام الأسدي في معتقلاته الوحشية، لأنه وقف إلى جانب الشعب السوري في صرخة الحرية. أحس أنني أقف وقفته ذاتها، التي قادته إلى مصير مأساوي، وكانت من أجل سوريا وفلسطين والجزائر معاً.

حول فيلم “عن الآباء والأبناء”

إقرأ أيضاً