fbpx

هنا القصة الثالثة

مايا الحاج- صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

حليمة آدن… وجه أميركا الذي لا يحبّه ترامب

في ندوةٍ عُقدت السنة الفائتة احتفاءً بترجمة روايتي “بوركيني” إلى الفرنسية، واجهتُ سؤالاً متوقعاً في مجتمع لبناني “فضولي”، كلّ الأسئلة فيه مُباحة: لماذا انت محجبة؟

ومع أنه متوقّع، بدا ثقيلاً. ربما لانه وصلني بصيغة اتهامية، أكثر منها استفهامية. قررتُ ألاّ أجيب. لكنّ صاحبة السؤال- وهي روائية أحبّها شخصياً وأدبياً- كانت مصرّة أن تعرف السبب لكي يبطل العجب. ثمّ صارحتني بأنها وجدت في تركيبة البطلة ما يُخالف المنطق. “كيف لها أن تجمع بين حجابها وتحررها، وبين التزامها ورسمها أجساد أنثوية شبه عارية؟”. يومها، تفهمت ملاحظتها، وتقبلتها بودّ. اكتفيت بالقول إنّ هذه البطلة ليست شخصية سوريالية. هي بالتأكيد من الأقليات، لكنها موجودة، ويمكن رؤيتها بيننا، إن تخلصنا من ثقل الأفكار المسبقة.

حليمة آدن، العارضة العالمية المحجبة، هي المعادل الواقعي لبطلتي المتخيلة. على رغم الإختلاف في ظروفهما، هما تلتقيان في حرصهما على إبراز فرديتهما في مجتمع منفتح يضعهما- عنوةً- داخل زمرةٍ تُسمّى “المحجبات”، بكلّ ما يحمله هذا التصنيف من شموليةٍ وإسقاطاتٍ وأفكار مسبقة.

حليمة آدن تحمل كلّ مسببات الهزيمة في عالمٍ لا يمنح الفرص سوى للأقوياء. هي أولا امرأة، وثانياً صومالية، وثالثاً، مسلمة، ورابعاً محجبة، وخامساً مهاجرة… كلّ ما تملكه هو جمالها وابتسامتها وإصرارها. ولدت حليمة في مخيّم اللاجئين في كينيا، وانتقلت الى أميركا في السابعة من عمرها. عاشت في الولايات المتحدة وتعلّمت قيم الحرية والعدالة والمساواة. تقدمت الى مسابقة ملكة جمال أميركا في العام 2016، وارتدت “البوركيني” بدلا من البيكيني، ووصلت الى المرحلة النصف نهائية، لكنها نالت اهتماما لم تحصده الملكة الفائزة باللقب. وعندما علّقت منظمة الحفلة عن مشاركة الشابة المحجبة في المسابقة، أجابت: “هذه هي أميركا. المتسابقات يجب أن يقدّمن صورة عن المجتمع الأميركي المتنوّع. وجود حليمة بينهنّ يُعطي المسابقة مصداقية أكبر”.

بعد أقل من سنة، وقّعت حليمة آدن عقدا مع أهم وكالة لعارضات الأزياء في العالم “أي أم جي موديلز”، التي تتعامل مع أبرز عارضات الأزياء في العالم مثل جيجي وبيلا حديد، تايلور هيل… عرضت حليمة لدور أزياء مهمة مثل “البرتا فيراتي” و”ماكس مارا”، فكانت أول محجبة في العالم تمشي على منصة “موديلينغ”. وفي وقت قياسي، صارت الوجه الإعلاني لماركات رياضية ريادية واحتلّت أغلفة الصحف الكبرى مثل “فوغ” و”فوغ آرابيا” و”إيل”، و”ألّور”…

واللافت أنّ خطابات ترامب المعادية للآخر في كل أشكاله، ساهمت في تعزيز مكانة حليمة إعلامياً وافتراضياً، باعتبارها الوجه المعادي لسياسة ترامب العنصرية. انها تُمثّل بسيرتها ولونها وحجابها النموذج الأمثل للعدوّ الذي يسعى ترامب – بمخيلته الدونكيشوتية- الى طرده من جنته: أميركا.

تلقّت حليمة دعما كبيراً من “النجوم” المناهضين للرئيس الأميركي الحالي. الصحف العالمية وصفتها تارةً بأنّها “الجمال الأميركي” وتارةً أخرى بأنها “محطّمة الحواجز”. أمّا اليونيسف فاختارتها سفيرةً لها، فعادت الى المخيّم الذي أتت منه لتساعد أطفالٍ كانت هي واحدة منهم قبل سنوات.

حليمة باتت نجمة في أهم البرامج التلفزيونية الأميركية. سألها المحاورون عن طفولتها، هجرتها، معاناتها، ثقافتها، لكنّ أحداً لم يسألها عن سبب حجابها. هناك، لا أحد يسأل المثلي عن سبب مثليته أو الملحد عن سبب إلحاده أو المؤمن عن سبب إيمانه… كلٌّ يفعل ما يريحه، المهم أن يكون ناجحاً، ملهماً، ومتصالحاً مع ذاته.

قالت حليمة مرة انها لم تعتبر نفسها يوماً ضحية. “لطالما عرفت أن وجودي في المخيّم هو لسببٍ ما. ولولا الاحلام التي راودتني هناك لما وصلت الى ما أنا عليه اليوم”. أمها الملتزمة لم تقتنع بدايةً بتوجه ابنتها نحو عالمٍ لا يشبهها. انما بعد علمها باختيار ابنتها سفيرة لليونيسف، المنظمة التي كانت تساعدهم في مخيمهم القديم، بكت كثيراً وأعربت عن فخرها بها.

قد تكون حليمة آدن في نظر المتشددين المسلمين فاجرة تُشوّه سمعة الحجاب، وفي نظر الغربيين المتعصبين مسلمة متطرفة… ولكن في كلتا الحالتين، تبقى انسانة حققت أحلامها خارج الحدود التي رسمها الآخرون لها.

ومن يتابعها على انستغرام، يُدرك انها تخطّت حجابها وأضحت اليوم ملهمة يتابعها ملايين من الشباب في كلّ مكان.

أما نحن، فما زلنا ندور في فراغنا. نتلصّص على حياة الآخرين، مصوّبين رصاصنا نحو كلّ حالمٍ يُطلق جناحيه استعداداً للطيران.

إقرأ أيضاً:

الأثرياء يحكمون انستاغرام والفقراء يشترون الوهم

وائل كفوري على خطى نجوم الأزهر

إقرأ أيضاً