fbpx

هنا القصة الثالثة

باسكال صوما - صحافية لبنانية

باسكال صوما - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

حكايتي مع سانتا

ذات مرة، زرنا متجراً للألعاب، وكان حديث بين أصحابه، حول من سيلبس بابا نويل هذا العام، كان ذلك قبل يومين من ليلة الميلاد. قال واحد لأخيه: “والقرآن هالسنة دورك”. فردّ عليه: “والنبي ما إلي خولق”.

سألت أمي: “هل بابا نويل مسلم؟”، ولسوء حظي، أن كل من في المحل سمعني. وساد بعدها صمت عجيب. تمنّت أمي أن تنشق الأرض وتبتلعني، أنا وأسئلتي. لكنّ ذلك لم يحدث. وكررتُ السؤال بكلّ هدوء. فردّت أمي مجبرةً: “بابا نويل هو بابا نويل”. ثم اشترينا الهدايا والجميع يتهامس في الأرجاء، خرجنا مسرعتين، ومشينا إلى بيتنا تحت مظلة أمي الخضراء. سألتها إن كانت اختارت مظلّتها خضراء بمناسبة عيد الميلاد، فلم ترد، ربما كانت ما زالت غاضبة مني، سمعتها تتمتم أنني “جرصة”. توقَفَت وسط الطريق، أقَفَلَت أزرار معطفي جيداً، وقالت إنّ عليّ ألا أمرض حتى إذا أتى بابا نويل لا أعديه.

في سنة أخرى في ليلة الميلاد، أحضر لي سانتا كل ما طلبته منه، كانت سنةً رائعة. 3 ألعاب جميلة جداً، تماماً كما كتبت له، في رسالة طويلة، مملوءة بالعتب، مفادها أنه كان يختار الهدايا على ذوقه ولم يكن يلتزم بالمطلوب منه في رسائلي في سنوات سابقة. في ذاك العام أظن أنني كنت في الثامنة.

وصل سانتا قبيل عشاء العيد بقليل، وقد رنّخه الثلج والمطر وتجمّد وجهه من كثرة الصقيع. دخلت قهقهاته علينا وضجّت في المكان. نظرت مباشرةً في عينيه، عرفته، فضحت القصة. كان سانتا في الحقيقة صديقاً لإخوتي. اقترب مني وأجلسني في حضنه. كنت أعرف يديه أيضاً، وأصابعه الطويلة التي لونها أسمر. زاد يقيني بأنه هو. عانقني سانتا وأعطاني الهدايا، وضعتها جانباً، ثمّ ركضت إليه بشيء من المكر وأزلت لحيته الطويلة، وحاجبيه الكرتونيين، قلت له: “أنت هادي أنا أعرف”.

إنما لم يكن الأمر ذات أهمية. لم تكن هوية سانتا الحقيقية ستغيّر شيئاً في حبي له ورغبتي في أن ألتقيه كل عام. قبّلت هادي وبعدها جلس معنا وخلع السترة الحمراء وصار يلعب معي. لقد لعبت مع سانتا… نعم حصلت على هذا الترف… ثم غرقت في الهدايا، أتفنن في تفنيدها.

غالباً ما كنتُ أفضح هوية الرجل الأحمر الذي يحشو بطنه بوسادة كبيرة، ويخفي سواد شعره بقبعة مزنرة بكرة ثلج…

لم يحدث أن صدّقت حكاية سانتا كلوز في حياتي. أظنّ أن جزءاً كبيراً من الأولاد أيضاً. لكن لنكون منصفين، لم يحدث أن مر عام واحد من دون أنتظره، حتى الآن أنتظره.

تبدو الحياة أقلّ تعقيداً لو سلّمنا جدلاً بأنّ سانتا سيأتي حقاً من أجل كل الأطفال الذين في الأرض. يمكن حينها أن نبقى أطفالاً، بلا أسف.

كل عام أفكّر بكتابة رسالة إلى سانتا، حتى أعلّقها في الشجرة، لكنني طبعاً لم أفعل منذ سنوات، ذلك أن الأشياء التي نريدها نحن الكبار لا يفهمها سانتا. سانتا اختصاص صغار. سانتا اختار الأطفال، وتركنا نحن الكبار، هجر جنوننا وتخلّى عن عقدنا النفسية وترسبات الخوف والأفاعي النائمة فينا. تركنا منذ البدء، ثم انصرفنا خائبين نتبادل الهدايا والقبل والعناقات، انتقاماً منه، على كل هذا الإنكار، سانتا انشغل إلى الأبد بالأطفال…

الأمر مثير للغيرة لا شك، أن يملك الواحد خيار الإيمان بسانتا وانتظاره، أن يستطيع تأليف القصص وابتكار البطولات، أن يلوّن الرسومات ويغني للرجل الأحمر ولعربته الطائرة عبر المجرّات. نحن الكبار أخشى أننا فقدنا الخيار والخيال والقدرة على التلوين، وأصبح غناؤنا بليداً أو بوليسياً وأحياناً نغنّي بلا أصوات. باتت لنا مهمّة إقناع صغارنا بأن ذقن سانتا البيضاء ليست من قطن ونايلون، وأن غزال سانتا المريض سوف يتحسّن، إذا درسوا جيداً وناموا باكراً، ولم يتركوا طعاماً في الصحون. ما أتفه مهمات الكبار!

سانتا، أنتظرك هذا العام… ككل عام.

 

إقرأ أيضاً:

يوم اللغة العربية : لماذا تدفعوننا إلى كراهية لغتنا الجميلة؟

عن التنمّر والكعب العالي

 

إقرأ أيضاً