fbpx

هنا القصة الثالثة

حسين جمو - كاتب وصحافي كردي سوري

حسين جمو - كاتب وصحافي كردي سوري

مقالات الكاتب

حكايتي مع المقبرة 

في نهاية شهر تموز يوليو الماضي تم اكتشف مقبرة جماعية في منطقة السماوة العراقية وفيها رفات عشرات الأشخاص الذين يعتقد أنهم من الكرد ضحايا حملات الإبادة الممنهجة التي نفذها نظام الرئيس الراحل صدام حسين. 

هذا النص مستوحىً منها…

 

كم تغيّر العالم!

31 عاماً من الموت ثم أعود إلى الحياة وحيداً بين كومة من الجثث. ألا أستحق أن تُروى قصتي إلى جانب أهل الكهف؟ للأسف لم يبق أنبياء ولا كتب مقدّسة جديدة. لكن عزائي أن اسمنا ذُكِر في القرآن بشكل متفرّق، 48 مرة، بدلالات متعددة، أكثرها مدعاةً للخشوع، والفخر أيضاً، هذا الجزء المهم: “وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ”. 

في الحياة الواقعية تطورت صناعتنا بفضل المجرمين. كانوا أكثر المشترين سخاءً. لقد ملأ الرجل الذي كان يحكم هذه البلاد، عاصمته، حين وصلتها في صندوق، بساعات تحمل صوره. اشترى آلاف القطع من أشهر الماركات التي تسابقت إلى طبع صوره في أرضية القرص، وهو قام بإهدائها إلى حاشيته. عائلتي ظلت نظيفة من هذا التماهي مع الأنظمة الدكتاتورية. الواقع كنا “ماركة” تؤمن بالكفاح الشعبي. كنا ماركة منتشرة في لدى عناصر الأحزاب المسلحة المقاتلة. كان أشقائي يزينون معاصم مئات الآلاف من الفقراء والطبقة الوسطى في هذا الشرق. هؤلاء أفضل الزبائن لنا، إلى درجة أنه تم دفني معهم في تلك الحفرة القذرة طيلة تلك السنوات. جانب علاقة الود بيننا وبين هذا الشرق يعود الفضل فيه إلى مدراء شركتنا، فقد ابتكروا نسخاً خاصة بالشرق الأوسط، واستطاعوا إدخال ثلاثة خيارات لغوية في خانة التاريخ والأيام، العربية والتركية والإنكليزية. 

هناك نسخ قليلة كانت تتضمن الفارسية بدلاً من التركية. حقاً كنت سعيداً للبهجة التي كنت أدخلها إلى قلوب هؤلاء الناس البسطاء. المديرون وأصحاب الأموال الذين أداروا الشركة بين عامي 1966 – 1987 تحلّوا بعقلية إبداعية كلاسيكية. لقد خسروا أموالهم في نهاية الأمر. رغم صغرهم، اختاروا أن يكونوا طرفاً في الحرب بين “التقليد والحداثة” في عالم الساعات. لم أطّلع على كل ما يجري في هذا العالم منذ استيقاظي من غيبوبتي، لكن يبدو لي أن هذه المعركة ما زالت مستمرة إلى اليوم. 

حين أنتجت “سيكو” ساعتها عديمة الفن والجمال، بنظام “كوارتز”، عام 1967، راهنت شركاتنا في سويسرا على النظام السائد العامل بالطريقة الميكانيكية. أنا أنتمي لهذه التقنيّة الخلّاقة. ليست هناك بطارية في مؤخرتي تجبرني على تحريك عقاربي. قبل أن أنتقل إلى الحديث عن بعض المشاهدات بخصوص الجماجم واللحم المتحلل، أريد أن أنوّه إلى أمر أضحكني. لقد سمعتُ أن الكثيرين قد كتبوا عن الساعة التاسعة كتوقيت للجريمة. بعضهم الأكثر فطنة قال إن الساعة بقيت تعمل إلى أن نفذت البطارية. أنا لا أحمل بطارية. أعمل بشكل أوتوماتيكي وفق النظام الميكانيكي. أتوقف حين يصاب النابض الملتف على جسمي من الخلف بالصدأ.

ساعة يد عثر عليها في المقبرة الجماعية في السماوة شهر تموز/يوليو 2019

حين عثروا علينا الشهر الماضي، شعرتُ بقيمتي الحقيقية. أجهشت في بكاء كمؤمن وجد الهداية للتو (هكذا تروون قصص المؤمنين). عشتُ حياتي رخيصاً، خصوصاً في السنوات الأخيرة، حتى أنني لم أنجح في لفت نظر أي من الجنود حين كانوا يسوقون النساء والأطفال إلى الحفرة. وصلتُ إلى بغداد قبل 10 سنوات من المذبحة. اشتراني موظف بغدادي يعمل في البريد، ثم انتقلت إلى يد ابنه، وعن طريقه شهدت معارك مرعبة في الحرب العراقية – الإيرانية. سقطت على الأرض وانفصل عني السوار (الكستك). بعدها عثر عليّ أحد المزارعين وباعني في أحد أسواق بغداد الشعبية إلى رجل كردي. هذا الكردي اشترى من السوق نفسه سواراً جديداً جميلاً، وألبسني إياه فأصبح جزءاً هجيناً مني.

بقيت 31 عاماً في المقبرة الجماعية. لم يفتقدني أحد. لم يطالب بي أحد. عائلتي في الخارج كانت أبيدت قبل حادثة المقبرة بعام، ثم بعد ذلك استولى غرباء أجلاف على اسم عائلتي أيضاً، في البداية كانت “ZENO” ثم نسخت “CITIZEN” قالبنا الجميل بمبلغ من المال، ثم جاءت “RADO” التي أذلّتنا وحوّلت تراثنا العريق إلى مصنع إكسسوارات لمنتجاتها الفارهة. 

كنتُ آخر ضحيّة لفظت أنفاسها. الأطفال والنساء قتلوا سريعاً، باستثناء طفل واحد تعرفون قصته: تيمور. هذا الطفل كان يحب الساعات. في أشهر لقاءاته يذكر بعضاً من مشاهداته حين كان بين أيدي المجرمين، وشاهد كومة من الساعات كانت تعود للرجال الذين سبقوه إلى المقابر. بين هذه الكومة كان هناك الكثير من أفراد عائلتي (وأشعر بالحرج من القول إن كثراً من الجنود أيضاً كانوا يرتدون ساعات مشابهة). تيمور كان يريد التعرف إلى ساعة أبيه. أتيحت له فرصة أقل طموحاً، فقد أخذ ساعة من تلك الكومة، وتبين أنها مكسورة الزجاج ولا تعمل. لاحقاً حين خرج حياً من المقبرة، اشترى له السائق الذي نقله ساعة جديدة بدل المكسورة. لم أكن تلك الساعة، لكن من المهم التذكير بين فقرة وأخرى بأهميتنا في العالم. حتى التاريخ يعطينا مكانة عظيمة. حين يأتي ذكر هارون الرشيد وشارلمان، وتصبح عيونكم دائرية، ما الذي تتحدثون عنه من كل هذه السيرة العظيمة للعلاقات السياسية بين أقوى امبراطوريتين على وجه الأرض؟ الساعة فقط. تتفاخرون بتلك الساعة وما زلتم تحملون سيوف ذلك العهد حتى اليوم. 

تلك الساعة المائية حملها سفراء شارلمان من بغداد إلى آخن. من بين كل الهدايا، والغرض منها، لا تتذكرون سوى تلك الساعة. حظنا في التاريخ كان أفضل من الفيل الأبيض العجيب “أبو العباس”، المسكين الذي مات بسكتة قلبية في أرض الفرنجة بعد وفاة الرشيد في بغداد بفترة قصيرة، وأفضل من حظ كلاب الصيد الثلاثة، الأسطورية، التي أرسلها شارلمان إلى خليفة المسلمين. هذه الكلاب ماتت مع وفاة الفيل أبو العباس، خلال الحرب الأهلية بين أبناء الرشيد. 

هارون الرشيد ذكر كلاب الصيد في إحدى النقاشات الرفيعة في التاريخ، واعتبر أن اكتشاف شارلمان ذكاء كلاب الصيد انعكس عليه في الرغبة بفتح العالم كله. مكانتنا كانت عظيمة أيضاً، لولا فساد مخيلة رواة القصص في تلك الحقبة المجيدة، فبعض الملفّقين وضعوا في أفواه عوام الناس أن شارلمان وحاشيته شككوا في وجود شيطان داخل الساعة، فكسروها، ثم عجزوا عن إصلاحها. 

أشعر بالرضا كون نهايتي كانت في يد امرأة من حفيدات أهم مخترعي الساعات، العالم الجليل، ابن الجزري، مبتكر “ساعة الفيل”. هناك نموذج ضخم منه اليوم، موجود في مركز تجاري ضخم في دبي. هذا يكفي لتوضيح أننا لسنا فقط مقياساً للوقت، بل حصيلة التراكم العلمي لمسيرة البشرية. 

كانت بيني وبين تيمور طبقة من الجثث. كان هو في الأعلى، بينما كنت في يد امرأة ترتدي فستاناً ربيعياً مزركشاً بالألوان/ مثقلة بغبار صحراء السماوة، وعليها بقع من القذارة بعد رحلة طويلة من التنقل داخل شاحنات تفوح منها رائحة القمامة. أسميتها “نوروز”. كان لها اسم آخر، لكنني أذكر جيداً أن بعد اكتمال العدد في الشاحنة، كان الجنود أخذوا بطاقات الجميع. لا يلتزم هؤلاء القوم كثيراً بتصنيف الساعات إلى رجالية ونسائية، وهو أمر راقني إلى حد كبير. 

 

كنتُ آخر ضحيّة لفظت أنفاسها. الأطفال والنساء قتلوا سريعاً، باستثناء طفل واحد تعرفون قصته: تيمور.

 

كانت يداها تحيطان بطفلها ذي الأربعة أعوام حين أصابت رصاص الجنود المتوحشين أنحاء كثيرة من جسديهما. كنت أعقد الآمال على أن ينزل أحد هؤلاء إلى الحفرة ليفكني من معصم نوروز. فأنا حسب التعاليم الشرعية أدخل في خانة الغنيمة، وقد ساءني هذا التجاهل. بحثت عن النجاة فقط في تلك اللحظات، فمبدأ الساعات في السياسة ليس المقاومة بل البقاء، يتزاحم زعماؤنا على أبواب مخططي الحروب في العالم. لكن سأخفّف من التجهّم على وجوه القرّاء بالقول إني انتظرت الجندي لكي أراقب كيف يعيش هذا المجرم بقية حياته.   

بقيتُ محصوراً بين يدها ورأس الطفل طيلة شهور، سارت على جسدي مئات الديدان التي بدأت تتكاثر بعد أسبوع في الحفرة. ثم بعد مرور شهر بدأت تقل هذه المخلوقات القبيحة في حرب أهلية طاحنة، لتظهر حشرات أكبر حجماً وأكثر قبحاً تستولي على ما تبقى. 

تقلصت جمجمة الطفل ويد المرأة بعد تحلل الجلد واللحم عنهما، فحظيت ببعض المساحة والخصوصية. لكنني حزنت حين رأيت ببطء كيف ينفصل شعرها الأنثوي، الكثيف والمجدول، عن جمجمتها.  

على رغم ذلك لم أهنأ كثيراً بهذه المساحة. وسأكشف عن السبب بعدما أعطيكم جرعة من الدراما البشرية الحزينة، مقابل أن أروي قصتي الشخصية. 

وقعت المذبحة في نهاية فصل الربيع عام 1988، ومرت بضعة شهور كان الطقس فيها جافاً حتى تحت التراب. الرطوبة لم تكن عالية، وعلى رغم كثافة الديدان التي تحرشت بي، وبعضها حجمه مجهري، فإنها لم تنجح في التسلل إلى جسدي، على رغم محاولاتها الكثيرة عبر منطقة التاج. لكن، مع سقوط أول مطر غزير، بدأت الرطوبة تضغط على أنفاسي ببطء. اختنقت لأسابيع. تمنيت لو أصابتني تلك الرصاصة التي استقرت في رأس الصبي، قبل 8 شهور، على بعد نصف مليمتر مني. ميكانيكاً لم يكن بي أي عَرَض. لكن البيئة غير ملائمة هنا تحت الأرض. في البداية بدأت أعاني من تثاقل حركة العقارب، بسبب تصلب المحور نتيجة تقلبات البيئة. كانت الجثث تأخذ وضعية ثابتة في التلاشي، بشكل سريع. لاحظت ظاهرة غريبة قد تستغربون منها. بعض الجثث بقيت فترة تقاوم التحلل. كان من بينها جثة طفلة لا تزيد عن عامين. رأيت خدها وأذنها اليسرى سليمين بعد 3 أسابيع من الدفن. توصلت إلى استنتاجات لاهوتية يعجز العلم عن تفسيرها حتى الآن. الفزع الشديد من الموت حين تنهمر الرصاصات على الجسد يؤدي إلى سرعة التحلل. هذه الطفلة لم تشعر بالخوف.  

لم نختفِ كليّاً. حالياً لدينا حضور ضمن المقتنيات الأثرية للتقنيات. وبات الأمر أفضل بسبب مصادفة قبل 15 عاماً. كانت هناك صناديق من عائلتي في مستودع مهمل في لبنان. حين سمع رجل أعمال سويسري بالمصادفة، خلال حفل عشاء، بالأمر، سارع إلى شرائها، وبدأ يطلقها في السوق كمجموعات محدودة. 

هل تصدقون؟ هناك ألماني اشترى ساعة من عائلتي بـ5 دولارات. سمعته يقول إن الساعة أغلى، لكنه كان محظوظاً لأنه عثر على عرض للبيع في منتدى، فاشترى على الفور. لقد عبث بالساعة حتى عطل فيها جزءاً مهماً، وبدأ يفضح ثقة العالم بنا بوقاحة غير معهودة، فكشف أن الساعة تتأخر كل يوم دقيقتين، لكن هذا بسبب قلة فهمه وتدخله في الصنعة البديعة. على رغم ذلك، سامحته. فقد شعرت بالكبرياء حين قال إننا لسنا ROLEX لكنه يحب TRESSA، لأننا قطعة من التاريخ. في الواقع، مجموعتي تتأخر نحو دقيقة في اليوم منذ بداية إنتاجنا. هذا العيب كنا نخفيه، لكن السفلة الذين قبلوا “كوارتز” كشفوا كذبتنا بسهولة. 

منبج التي شطبت وجه ياسر

 

 

إقرأ أيضاً