حظر زواج الأطفال في الولايات المتحدة: صراع مُتصاعد ضد ضغوط الحركة الإنجيلية

درج
مارس 22, 2018
يعد زواج الأطفال مشكلةً حقيقية في الولايات المتحدة، والتي لا يُحكى عنها كثيراً. فعلى غرار الاتجار بالبشر، نفترض أن زواج الأطفال، شيء يحدث في البلدان الأخرى، في دول ذات تصورات للعالم ومعايير جنسانية عتيقة. ولكن هذا يحدث في الولايات المتحدة طوال الوقت- فقد زوجت 9247 قاصراً على الأقل في الولايات المتحدة في عام 2010 وحده.

هناك مقولة شهيرة، على رغم أنها قد تكون منسوبة بشكلٍ خاطئ لمارك توين، تقول “أريد أن أكون في ولاية كنتاكي عندما تأتي نهاية العالم، لأنهم متأخرون دائماً بعشرين عاماً”. كان هذا الاقتباس صحيحاً بشكل غير مريح خلال عطلة نهاية الأسبوع، بينما عانت ولاية كنتاكي من انتقادات صحفية سيئة كثيرة، لإيقافها تمرير مشروع قانون مجلس الشيوخ 48، وهو مشروع قانون يهدف إلى منع زواج الأطفال- أي زواج القاصرين ما دون 18 سنة- في الولاية.
يعد زواج الأطفال مشكلةً حقيقية في الولايات المتحدة، والتي لا يُحكى عنها كثيراً.
على غرار الاتجار بالبشر، نفترض أن زواج الأطفال، شيء يحدث في البلدان الأخرى، في دول ذات تصورات للعالم ومعايير جنسانية عتيقة. ولكن هذا يحدث هنا طوال الوقت- فقد زوجت 9247 قاصراً على الأقل في الولايات المتحدة في عام 2010 وحده.
ولم تكن هذه الحالة مثل المراهقين الذين يتزوجون من مراهقين آخرين. وطبقاً لموقع Unchained at Last، وهي منظمة غير هادفة للربح تعمل على وقف الزيجات القسرية (التي تشمل زواج الأطفال)، فإن غالبية حالات زواج الأطفال تحصل بين الفتيات المراهقات (أو الأصغر سناً) والرجال البالغين. بين عامي 2000 و2015، كان 86 في المئة من حالات زواج الأطفال المُبلّغ عنها في الولايات المتحدة والبالغ عددها 207,468 حالة بين القاصرين والبالغين. بينما كانت النسبة 14 في المئة فقط بين قاصرين. يُرجى ملاحظة أن هذه البيانات غير مكتملة- إذ لم تُقدم ثماني ولايات بيانات للدراسة.
تُحدد كل ولاية تقريباً سن الموافقة على الزواج في سن الثامنة عشرة، ولكن يستثني معظمها أيضاً الحالات التي تُزوَّج فيها القاصرات، الأصغر سناً، إذا وافق والداها و/ أو القاضي على ذلك. ناهيك بأنه لا يوجد في 25 ولاية، حد أدنى لسن الزواج إذا استوفيت شروط الاستثناء.
لا تقدم أياً من هذه الاستثناءات ما يكفي من الحماية للفتيات القاصرات. إلا عند حدوث حمل، إذ إن ذلك يُعد الأمر الأكثر إثارةً للقلق. في كثير من الأحيان، تُزوج هؤلاء الفتيات من مغتصبيهن لأنهن حوامل. إنها ثغرة مقززة في القانون في العديد من الولايات، سن الموافقة على الزواج أقل من 18 عاماً (أو غير موجود) في ولايات عدة، إذا كانت الفتاة حاملاً. لذا، بدلاً من ملاحقة المُعتدي عليها قانونياً، تضطر الضحية للزواج منه، على رغم الأدلة على أن الرجل، على أقل تقدير، ارتكب جريمة اغتصاب. ومتى تزوجت، فإن الشخص المعتدي يتمتع بالحصانة من أي اتهامات جنائية في المستقبل. وممّا يزيد الطين بلة، فإن العروس المراهقة غالباً ما تضطر إلى الانتظار حتى تبلغ من العمر 18 عاماً للحصول على الطلاق بشكل قانوني.
كما أن الحصول على موافقة قضائية أو موافقة الوالدين لا تُمثل في الكثير من الأحيان سوى عقبة صغيرة أمام زواج الأطفال القسري. إذ يبدو أن القضاة على استعداد تام لتزويج المراهقات إلى الرجال الأكبر سناً، وبخاصة إذا كنّ حوامل. الآباء أيضاً لا يقدمون حماية لأطفالهم، ففي الكثير من الأحيان هم الذين يطالبون ويدافعون عن الزواج. على سبيل المثال، اقتنعت دونا بولارد، وهي إحدى الناشطات اللواتي يطالبن حالياً بنص مشروع قانون زواج الأطفال في ولاية كنتاكي، من قبل والدتها بأن تتزوج في سن 16 عاماً بالرجل البالغ من العمر 30 عاماً، والذي كان يعمل في مركز علاج الصحة العقلية الذي اعتادت الذهاب إليه.
عموماً، تُظهر البيانات أنه على رغم القصص الرومانسية للمراهقين الذين يهربون معاً على طريقة روميو وجولييت، فإن زواج الأطفال غالباً ما يكون نتيجة الإكراه من قبل العديد من البالغين الذين ينتهي بهم المطاف بمأساة. إنها مشكلة حقيقية تم تناولها أخيراً من قبل العديد من المنظمات غير الربحية. على سبيل المثال، أدت الجهود الأخيرة التي بذلتها منظمة Unchained at Last، ومركز Tahirih Justice Center، إلى إحداث تغيير إيجابي في القانون في العديد من الولايات. لكن لا يزال هناك المزيد من العمل الذي ينبغي القيام به، ويبدو أن العائق الكبير، على الأقل في ولاية كنتاكي، هو الجماعات الدينية الإنجيلية والمشرعون المحافظون.
تملك ولاية كنتاكي ثالث أعلى معدل زواج أطفال في البلاد. وفي الوقت الراهن، ينص قانون كنتاكي على أنه على رغم من أن عُمرك يجب أن يكون 18 عاماً للزواج، فإنه يُمكن للقاصر التي يتراوح عمرها بين 16 عاماً أو 17 عاماً أن تتزوج بموافقة الأبوين. إضافة إلى أنه مع موافقة القاضي، إذا كانت الفتاة حاملاً، فلا يوجد هناك حد أدنى للعمر. ومن شأن مشروع قانون مجلس الشيوخ 48، أن يُغير ذلك. أولاً، سيسمح القانون لمن يبلغن من العمر 17 عاماً بالزواج بإذنٍ من القاضي ولكن فقط إذا كان الشريك الآخر يكبرهن بأقل من أربع سنوات. إضافة إلى ذلك، يُمكن للقاصر التي تبلغ من العمر 17 عاماً الحصول على موافقة قضائية فقط في حال نظر القاضي في مجموعة من العوامل مثل نضج المراهقة، ووجود أي سجل لأحداث العنف المنزلي لأي من الطرفين، وما إذا تسبب الزوج المُفترض في حمل القاصر، قبل بلوغ السن القانونية للموافقة على الزواج.
وقد توقف التعديل المقترح لقانون الزواج الحالي لكنتاكي، والمعروف بمشروع قانون مجلس الشيوخ 48، في اللجنة الأسبوع الماضي وواجه انتقد من قِبل السيناتور الجمهوري جون ششيكيل، لأنه يأخذ سلطة اتخاذ القرار من الوالدين. لكن القوة الحقيقية وراء تأخير تمرير مشروع القانون تأتي من مؤسسة الأسرة في ولاية كنتاكي، وهي جماعة ضغط محافظة أنشأت موقعاً على شبكة الإنترنت يحتوي على مجموعة من الروابط توضح “نظرات متعمقة” للعديد من مشاريع القوانين المعروضة أمام الهيئة التشريعية في كنتاكي. وعلى رغم أن مشروع قانون مجلس الشيوخ 48 ليس واحداً منهم، إلا أن المجموعة تتمتع بالقوة الكافية التي تُمكنها من تعليق مشروع قانون في اللجنة القضائية ببساطة من خلال “التعبير عن قلقها بشأنه لدى الرئيس”.
صاحب ذلك التأخير في مجلس الشيوخ بكنتاكي الكثير من القلق، وذلك لسببٍ وجيه. ففي هذا الأسبوع فقط، تم القضاء تماماً على مشروع قانون مماثل، روجت له مُنظمة Unchained at Last، في الهيئة التشريعية التابعة لولاية تينيسي عندما أرسله زعيم الأغلبية في مجلس النواب، غلين كاسادا، من “حزب مقاطعة فرانكلين الجمهوري”، إلى الدراسة الصيفية في اللجنة الفرعية للعدالة المدنية في مجلس النواب، وهو المكان الذي لا يعود منه سوى القليل من مشاريع القوانين. ولكن ما هو السبب؟ تلقّى كاسادا رسالة عبر البريد الإلكتروني من عضو مجلس الشيوخ السابق ديفيد فاولر، الذي يشغل حالياً منصب مجلس العمل الأسري في ولاية تينيسي، وهي جماعة ضغط مسيحية محافظة. لم يرغب فاولر في تمرير مشروع قانون زواج الأطفال في تينيسي، لأنه يعتقد أنه سيتعارض مع دعوى قضائية ينوي تقديمها تتعلق بالزواج من الجنس ذاته. بغض النظر عما إذا كانت نظريته صحيحة (وهي نظرية غريبة)، فإن ما يهم هنا هو مقدار القوة التي يتمتع بها هو وجماعته المسيحية المحافظة على الهيئة التشريعية في ولاية تينيسي. فقد كانت رسالةً واحدةً، وهذا كل ما يتطلبه الأمر.
وقد تم بالفعل استكشاف هذه الصلة بين المسيحية الإنجيلية وزواج الأطفال في الآونة الأخيرة في أعقاب القصص التي تم تداولها عن الميول الجنسية لمرشح مجلس الشيوخ روي مور المنهزم. ولا تزال المجتمعات الإنجيلية تضغط من أجل زواج الأطفال بين الفتيات في “متوسط فترة مراهقتهن” والرجال في منتصف العشرينات أو أكبر. ووفقاً لهذه المجموعات، فإن الفتيات الأصغر سناً يصبحن زوجات أفضل، لأنهن مثل الصفحات البيضاء، يمكن “تشكيلهن” بسهولة أكبر لخدمة أزواجهن المستقبليين. وما هو أكثر إزعاجاً في هذه المجتمعات هو أن السرد السائد يرى أن الفتاة الشابة هي التي تلاحق الرجل الأكبر سناً، وهو ما يعني أن الحامل البالغة من العمر 15 عاماً هي التي “أخطأت” بالتغلب على مقاومة الرجل البالغ الذي مارس معها الجنس.
إن الإنجيليين ليسوا الجماعة الدينية الوحيدة التي تدافع عن زواج الأطفال. فالعديد من الأديان الأرثوذكسية تسمح أو تشجع زواج الأطفال، وبالنسبة إلى العائلات التي تتبع مثل هذه الديانات، فإن الآباء هم الذين يدافعون عن الزواج، إما للتغطية على الحمل أو لزيادة مكانتهم في المجتمع. على سبيل المثال، تزوجت بيتسي ليتمان، وهي في السابعة عشرة من عمرها، من رجل مسن، كجزء من زواج منظم في الطائفة اليهودية الأرثوذكسية التي تبعها.
على رغم عدم وجود بيانات تجريبية حول هذا الموضوع، فإن القصص البارزة عن العرائس الطفلات (اللواتي أصبح العديد منهن ناشطات ضد هذه الممارسة) تنطوي بشكلٍ كبيرٍ على ضغوط من جانب أسرهم للزواج من المُعتدي عليهن، الذي غالباً ما يكون أحد الأشخاص الذي ينتمي إلى كنيستهم أو طائفتهم الدينية. تعرضت ميشيل ديميلو، البالغة من العمر 16 عاماً، وهي حامل، للضغوط لإجبارها على الزواج من صديقها البالغ من العمر 19 عاماً، الذي كان أيضاً جزءاً من مجتمعها المسيحي. وأصبحت شيري جونسون، التي تقول إنها اغتصبت بشكل متكرر عندما كانت طفلة من قبل شماس الكنيسة وأسقفها، حاملاً في سن الحادية عشرة، وأجبرت على الزواج من الشماس، الذي كان عمره 20 عاماً. هذه ليست سوى القصص ذائعة الصيت، يعلمها الجميع.
بالعودة مرة أخرى إلى ولاية كنتاكي، استجابةً للتغطية الإعلامية الوطنية التي تلقاها مشروع قانون مجلس الشيوخ 48، وعد ويتني ويستيرفيلد، رئيس اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، بأن مشروع القانون سوف يُعرض للتصويت في مجلس الشيوخ يوم الثلاثاء الماضي. وقد حدث التصويت بالفعل، وأُرسِل مشروع القانون إلى مجلس النواب. إذا افترضنا أنه سيمر في مجلس النواب ويوقع عليه الحاكم، فإن ما كان مجرد مشروع قانون، سيصبح قريباً قانوناً.
لكن دعونا لا نتنفس الصعداء بعد. إذ لم يمضِ وقت طويل على رفض حاكم ولاية نيو جيرسي، كريس كريستي مشروع قانون لإنهاء زواج المراهقين، مشيراً إلى أنه فعل ذلك، على الأقل جزئياً، بسبب مخاوف الجماعات الدينية. هل سوف تعاني كنتاكي من مصير مماثل؟ لا يسعنا إلا أن ننتظر ونرى.

جوان سويني أستاذة مشاركة في “كلية برانديس للقانون” في جامعة “لويزفيل”
المقال مترجم عن موقع salon.com ولقراءة المقال الاصلي زوروا الرابط التالي[video_player link=””][/video_player]

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

باسكال صوما – صحافية لبنانية
في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا شكّ في أنّه أمرٌ مؤلم أن يتمنّى لك رفيقك الموت حرقاً. لكن تعليقاً غاضباً كهذا هو مجرّد تفصيل أمام ما نعانيه منذ سنوات من تهديد وتهويل وحقد لا مثيل لها كمعارضين شيعة للأخ الأكبر.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التلفزيونات اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة من نظام الفساد والارتهان الذي باشر اللبنانيون الانتفاض عليه. رخص البث منحت لها من هذا النظام، وحصص الإعلانات وزعت عليها بناء على توازناته. موقعها الطبيعي هناك
زينب المشاط – صحافية عراقية
في بيت سميرة عاش الفتى المغدور هيثم علي اسماعيل الذي قُتل وتم التمثيل بجثته في ساحة الوثبة على مرأى من الجماهير، في حادثة اعتبرت من أبشع الجرائم التي ترتكب على هذا النحو في السنوات الأخيرة.
“درج”
يوثق التحقيق لجوء الحكومة المصرية إلى ترحيل لاجئين وطالبي لجوء سوريين قسراً إلى سوريا، مخالفةً للقانون الدولي. علاوة على ممارستها تضييقات على بعض اللاجئين ممن لهم أنشطة مناهضة لحكم الرئيس السوري بشار الأسد.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
حان الوقت لكي تشعر المصارف بالخوف. حان الوقت لكي تعيد الأرباح التي حققتها بغير وجه حق.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email