حسن وحيداً… بلا مرقص وكوهين

حسين الوادعي – كاتب وحقوقي يمني
يوليو 25, 2018
كنت معتاداّ في طفولتي على رؤية اليهود في الأسواق بأدوات صقل الفضة والأدوات المنزلية والجلديات التي يحملونها معهم أينما ذهبوا. الضيق بالتنوع لم يكن مألوفاً في البيئة اليمنية، فالأقلية اليهودية كانت أقلية محبوبة، وظل التراث الغنائي اليهودي من الفنون الغنائية الأكثر تفضيلا..الآن كل شيئ تغيّر.

عندما أخرج بديع خيري ونجيب الريحاني فيلم “حسن ومرقص وكوهين” عام 1954 كانا يهدفان إلى تأكيد مشاعر الوحدة الوطنية والتسامح الديني بين الأديان الثلاثة في مصر في ذلك الحين، عبر قصة صداقة وتجارة تجمع بين حسن المسلم ومرقص المسيحي وكوهين اليهودي.

بعد ذلك بأربعة وخمسين عاماً، سينتج عادل إمام الفيلم تحت عنوان “حسن ومرقص” ليعيد العزف على وتر الوحدة الوطنية والتسامح الديني في ظروف مختلفة اختفى فيها كوهين، بعد أن تركت الجالية اليهودية مصر في هجرات فردية وجماعية وضاق حيز التسامح الاجتماعي والسياسي.

ربما لو أراد فنان آخر إنتاج الفيلم بعد عقود، لن يظهر مرقص وسيجد حسن نفسه وحيداً في ظل هذا التجريف للتنوع العرقي والديني والثقافي في العالم العربي بخاصة، وتجريف الأقلية المسيحية العربية قد بدأ بدرجات متفاوتة من بلد إلى آخر.

طافت هذه الأفكار في بالي وأنا أتامل اضمحلال واختفاء واحدة من أهم الأقليات الدينية وأكثرها اندماجاً في المجتمع اليمني “يهود اليمن”.

اقرأ أيضاً: إسلام السوق .. من صناعة الحياة إلى “دجاج” الوطنية

عام 1948 كان في اليمن ما يزيد عن 80 ألف يهودي يمني تم تهجير معظمهم قسرياً إلى اسرائيل عبر عملية “بساط الريح” التي تمت بحسب اتفاق بين إمام اليمن ذلك الحين يحيى حميد الدين والوكالة اليهودية، وبذلك تم تهجير حوالى 50 ألف يهودي يمني على مدار سنتين في عشرات الرحلات الجوية السرية التي كلفت نحو نصف مليار دولار.

على خلفية الانتفاضة والانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، كان اليهود اليمنيون يدفعون الثمن بعد أن قرر بعض المتعصبين الانتقام من إسرائيل عبر قتل اليهود في اليمن وتهجيرهم، فقامت الحركة الحوثية بتهجير عشرات اليهود اليمنيين من منطقة آل سالم بمحافظة صعدة، وقُتل يهودي على يد متطرف في محافظة عمران.

كان عام 2007 عام صعود حركتي الهوية التي ستسيطر على اليمن لاحقاً (الحوثيون في الشمال، والحراك في الجنوب)، ولكنه أيضاً كان عام الاختفاء اليهودي من الحياة العامة اليمنية. منذ ذلك الحين سيعجز اليهود عن الخروج إلى الأسواق وممارسة حرفهم التقليدية وستضطر الحكومة إلى إخفاء آخر خمسين يهودياً يمنياً داخل مباني المدينة السياحية في صنعاء.

هذا الضيق بالتنوع لم يكن مألوفاً في البيئة اليمنية، فالأقلية اليهودية كانت أقلية محبوبة، وظل التراث الغنائي اليهودي من الفنون الغنائية الأكثر تفضيلا عند اليمنيين حتى ولو كانت على يد اليهود اليمنيين الذين هاجروا إلى اسرائيل وحصلوا على جنسيتها (زيون جولان، عفراء هزاع، شمعة طيبي).

كنت معتاداّ في طفولتي على رؤية اليهود في الأسواق بأدوات صقل الفضة والأدوات المنزلية والجلديات التي يحملونها معهم أينما ذهبوا. ولم يكن سهلاً تمييز اليهودي عن غير اليهودي لا في الملامح ولا في الزي، إلا بالتركيز على الزنار الطويل الذي ينسدل على وجوههم.

لكن عيني طفولتي التقطتا تفصيلاً مهماً تمثل في غياب أي معابد يهودية في مناطق اليهود اليمنيين. كانوا على الأغلب يصلون في غرف صغيرة داخل بيوتهم البسيطة. التفصيل الثاني الذي التقطته عينا طفولتي هو عدم ارتداء اليهود الجنبية (الخنجر اليمني التقليدي) وربما يعود هذا إلى الفتوى الفقهية القديمة التي تمنع الذميين من حمل السلاح.

وكانت إحدى الممارسات المعروفة أن يؤخذ أيتام اليهود الأطفال من عائلاتهم وتتم تنشئتهم كمسلمين سيحملون في ما بعد اسم عائلتهم الجديدة. ومن الشائعات السياسية التي لم تؤكد أو تُنفَ حتى اليوم أن الرئيس اليمني الثاني عبدالرحمن الإرياني الذي حكم اليمن من 1967 إلى 1974 كان يتيماً لعائلة يهودية رباه أحد أعيان آل الارياني وحمل اسم العائلة ليتحول إلى واحد من أشهر القضاة والمثقفين الدينيين المسلمين.

مع تحقيق الوحدة اليمنية عام 1990 بدأت ألاحظ توترا مستجداً في التعامل مع اليهودي. كانت الأزمة الأولى في ذلك الجدل الذي استعر في التسعينات حول أحقية اليهود في الانضمام إلى الأحزاب اليمنية والترشح لعضوية المجالس المحلية وعضوية مجلس النواب.

وكأنها مسيرة دموية لا تتوقف.

ثم زاد التوتر مع تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية وإيمان البعض بأن كل يهود العالم مشاركون في المؤامرة بما فيهم يهود اليمن المسالمين والمناهضين للصهيونية.

تقليص مساحة التنوع كانت تقتلع أقليات أخرى في العراق وسوريا. فقد تعرض اليزيديون لتجريف ممنهج بدأ عام 2003 بعد سقوط نظام صدام حسين ووصل ذروته المأسوية بسيطرة “داعش” على الموصل.

التجريف ذاته حصل للأقلية المسيحية العراقية التي تقلص عدددها من مليون ونصف المليون إلى حوالى 500 ألف فقط.

التجريف الحالي للتعدد ضد الأقليات الدينية كان قد سبقه تجريف للأقليات العرقية في الخمسينات والستينات على وقع الصعود القومي العروبي. وهكذا مثلاً تم تجريف الجاليات اليونانية والأرمنية والإيطالية والفرنسية في مصر في عصر عبد الناصر (الاسكندرية مثالاً)، وعانت أقليات التركمان والأكراد من ممارسات مماثلة من التهميش والتجريف في العراق وسوريا.

وأنا أتحدث عن الأقليات وضعف قدرة المجتمعات العربية المتنامية على تقبل الاختلافات التي كان متعايشة معها، يجب ألا أنسى أن التهميش قد يطاول الأكثرية أيضاً على يد الأقلية المنظمة.

على سبيل المثال شهد اليمني تهميشاً وتجريفاً للتدين الشعبي الشافعي والصوفي والزيدي على يد الأقليات الإسلامية المنظمة (السلفيون والإخوان والحوثيون). واستطاعت جماعات الإسلام السياسي الثلاث تقليص مساحة التدين الشعبي للمذاهب الثلاثة الشافعية والصوفية والزيدية التي تعايشت في اليمن لأكثر من ألف عام. فبعدما نجح حسن في تجريف مرقص وكوهين، ها هو ينقسم على ذاته فيتصارع حسن السني مع حسن الشيعي وحسن السلفي مع حسن الصوفي وحسن الشمالي مع حسن الجنوبي وحسن القبيلي مع حسن الهاشمي. وفي الصراع مع الذات، تفوز الأقلية المنظمة والمسلحة بالتطرف الأيديولوجي على الأكثرية المسالمة والمتعايشة مع الاختلافات.

وكأنها مسيرة دموية لا تتوقف. فما إن تنجح الأكثرية في تجريف الأقلية حتى تصبح الأكثرية نفسها ضحية للأقليات المسلحة من الانتماء الديني والمذهبي والعرقي ذاته.

كان وجود مرقص وكوهين ضرورياً ليبقى حسن متصالحاً مع اختلافاته الدينية والثقافية الداخلية، لكن غيابهما وضع حسن أمام معركة معقدة مع ذاته الأخرى.

اقرأ أيضاً: اليمن :الوحدة الفاشلة والانفصال المستحيل

لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
قارب الغناء العربي بين الخمرة والعشق والوله والحنين، من الطرب المصري والشامي، مروراً بالموشحات الأندلسية، وصولاً إلى الأغاني الحديثة الشعبية والخفيفة… هنا بعضها.
غالية العلواني – صحافية سورية
لم يكن بإمكان الكاتبة اللبنانية كيم غطاس أن تختار توقيتاً أفضل لإصدار كتابها “الموجة السوداء: المملكة العربية السعودية، وإيران، والصراع الذي دام أربعين عاماً، والذي كشف خفايا الثقافة والدين والذاكرة الجماعية في الشرق الأوسط”.
نصري حجاج – سينمائي فلسطيني
سألتُه لماذا لا نشهد حركة احتجاج إسرائيلية ضد الاحتلال والظلم اللاحق بالفلسطينيين؟ بكل بساطة، يبادر جدعون ليفي: “لأنهم لم يدفعوا ثمن احتلالهم الأرض الفلسطينية”…
علاء رشيدي – كاتب سوري
يمكن تخيل فيلم روائي تدور أحداثه تحت سطح الأرض، لكن خصوصية الفيلم التسجيلي تفرض علينا التأمل ملياً، فأماكن التصوير تحت الأرض ليست استديوات مصنعة إنتاجياً، بل هي أماكن عيش حقيقية لفئة من السوريين.
ترجمة – The Atlantic
خالف هاري وميغان البروتوكول الملكي بإلقاء اللوم على الإعلام لكونه المتسبب الأول في تعاستهما.
علاء رشيدي – كاتب سوري
الفيلم هو وثيقة تحاول المخرجة الاحتفاظ بها لابنتها لتبرر لها خياراتها مع الأب في البقاء في حلب لأجل المبادئ التي يؤمنون بها.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لتصلكم نشرة درج الى بريدكم الالكتروني