fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - هآرتس

ترجمة - هآرتس

مقالات الكاتب

حركة حماس وقد باعت غزة مقابل مال قطري وتعاون إسرائيلي

أنقذت عملية التوغل العسكري الإسرائيلي الفاشلة حركة حماس من كابوس الوصم “بالخيانة”، حتى إن كان يتم الاحتفاء بها الآن كبطل للمقاومة، إذ لن يمر وقتٌ طويلٌ، قبل أن تطفو للعلن من جديد، خيانة حماس الحركة الوطنية الفلسطينية.

واجهت حماس في وقتٍ سابقٍ من الشهر الماضي، أحد أسوأ كوابيسها، عندما بدأ التيار الفلسطيني الرئيسي يرمي حماس بالتهم المقيتة ذاتها التي استخدمتها حماس نفسها وسيلة لنزع الشرعية عن السلطة الفلسطينية.

“لقد باعونا!”، هكذا همس أحد سكان غزة، بعد أن وصلت حماس مع إسرائيل، إلى مجموعة محدودة من التفاهمات في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر. يشترط هذا التفاهم التزام حماس بإبعاد المتظاهرين في غزة مئات الأمتار من السياج الفاصل مع إسرائيل ومنعها -بشكلٍ فعال- عمليات حرق الإطارات التي تتم أسبوعياً إلى جانب الطائرات الورقية الحارقة، التي ارتبطت بالاحتجاجات التي صارت تُنظم أسبوعياً.

في مقابل هذا الهدوء، سمحت إسرائيل بعودة الأوضاع إلى حالها السابقة – وهي أوضاعٌ بطبعها غير مستقرة ومزعزعةٍ للاستقرار، وكانت السبب في اندلاع موجة الغضب الشعبي في المقام الأول.

شملت “الفوائد” الأخرى للاتفاقية توسعاً باهتاً في منطقة الصيد لأشهر قليلة، مع عودة الدخول المقيد بشكل كبير، للمساعدات الغوثية والبضائع التجارية إلى غزة، عوضاً من الإغلاق الكامل الذي استمر طيلة الأشهر السابقة، وإمداد موقت لمدة ستة أشهر، بالوقود والمال من قطر، لموظفي حكومة حماس. أي بشكل أساسي، العودة إلى المربع الأول.

لكن سرعان ما تحوّلت همسات السخط إلى تيارٍ شعبي، اتخذ شكلاً علنياً، بمناسبة زيارة السفير القطري غزة، وقد استُقبل بصرخات غاضبة  تصفه بـ”المتعاون”، بينما ألقى بعض شباب غزة الحجارة على سيارته بعد أن شوهد  وهو يوجه أوامره لأحد كبار قادة حماس، بقوله “نريد الهدوء اليوم… نريد الهدوء”.

لم يجرؤ قادة حماس على الظهور أمام المواطنين لأيام، وواجهت القاعدة الشعبية للحركة أوقاتاً عصيبة لتقتنع بأن الاتفاق مع إسرائيل -الذي لم يقدم أي تحسينات جوهرية في ظروف العيش في غزة– والذي ساهمت الأموال القطرية في إبرامه، لم يكن عملية مقايضة تامة للقضية من قبل حماس.

شعرت القيادة داخل حماس، بقلقٍ واضحٍ حيال الغضب الشعبي، ليس أقله، ما تم في شكل نشاط في وسائل التواصل الاجتماعية، من خلال استخدام الهاشتاغ العربي #خيانة. تقول إحدى الرسائل النموذجية “فجأة أصبحت الإطارات المحترقة غير صحية والاقتراب من السياج الإلكتروني انتحاراً! #خيانة”.

من الواضح أن مراقبة الأنشطة على وسائل التواصل الاجتماعي أكثر صعوبة من مراقبة الاحتجاجات في الشوارع. ومع ذلك، كانت هناك بعض الاحتجاجات التي نظمها شباب غزة في خان يونس حيث أصبح هذا الهاشتاغ (#خيانة) شعاراً يجهر به الشباب المتظاهر، ويتهم حماس بالخيانة.

لكن إنقاذ حماس كان في متناول اليد، وكانت إسرائيل هي من منح الحركة انتصاراً سهلاً قدمته لها على طبق من ذهب الأسبوع الماضي، وتمثل ذلك النصر في العملية الفاشلة التي قامت بها إسرائيل بعد أن أحبطتها كتائب القسام، الجناح العسكري لحماس، وأودت بحياة ضابط برتبة مقدم من وحدة النخبة في جيش الدفاع الإسرائيلي.

كان الهدف من عملية الرد على التوغل الإسرائيلي داخل غزة، والذي قادته حركة الجهاد الإسلامي (بتحريضٍ من إيران)، من طريق توجيه 400 صاروخ محلي الصنع إلى داخل إسرائيل، هو رسم خط ردع أحمر واضح، مفاده أن الجيش الإسرائيلي لا يمكنه أن يفعل ما يحلو له في غزة.

بعد أيامٍ من هذا التصعيد الأخير، ابتهج قادة حماس: أثبتت عملية استعراض القوة العضلية هذه، تفوقهم الأخلاقي على السلطة الفلسطينية “المتعاونة”. وتباهياً بأدائها البطولي خلال عملية المواجهة الأخيرة، تمكنت حماس بسهولة من إسكات منتقديها، بفضل إظهارها أن “المقاومة المسلحة” لا تزال تعمل بنشاط للحفاظ على غزة آمنة ومنتصرة، وهي بالطبع “انتصارات” رمزية في معظمها.

لكن مع ذلك كانت حملة حماس فعالة من حيث تغيير المناخ السياسي. والآن بعد أن استعادت أجهزة المقاومة “كرامتنا”، أصبحت من جديد، كل عملية انتقاد للسلوك السياسي والإداري لحماس في غزة فاقدة للشرعية، وأصبح نقد حماس مرادفاً لتقويض النضال الوطني الفلسطيني من أجل التحرير.

لم يكن من المستغرب أن تسكت تلك العملية الغضب الشعبي بشأن اتفاق حماس الأوليّ، الذي قايض تضحيات غزة على مدى الأشهر السبعة الماضية، مقابل الحصول على قدرٍ ضئيلٍ من المساعدات والمال.

أما القلة القليلة من الذين استمروا في اتهام حركة حماس بالخيانة وبيع القضية، فقد ووجهوا على الفور بسيل من لقطات الفيديو التي تصور هجمات المقاومة على إسرائيل، أو بتقارير عن استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان، التي ادعت حماس أن الفضل في ذلك يعود إليها، إذ جاء ذلك بعد يومٍ واحدٍ من مطالبة أحد قادة حماس باستقالته من منصبه.

أنجِزت المهمة، وكانت في غاية السهولة. والآن حان الوقت لتعود حركة حماس إلى العمل، معززة بدرعٍ متجددٍ من مناعة المقاومة، التي تصف الانتقاد بأنه خيانة.

وعلى رغم اعتراف قادة حماس بالواقع، أي أنه لم يتم التفاوض على وقف مبدئي لإطلاق النار، وبالتالي لا يمكن توقع أي تحسن جوهري في غزة – تواصل الحركة مع ذلك بيع الوهم لِسكان غزة، بأن ما تحمّلوه من معاناة طيلة عقد من الزمن، قد أثمر أخيراً وقريباً سيشهد مواطنو غزة الرخاء وفرص العمل ويعم الأمل.

لكن ما حدث بالفعل حتى الآن هو مجرد مسكنات موقتة ورمزية، وليس نهاية حقيقية لألم غزة.

وافقت حماس على منح جزء صغير من الغنائم القطرية إلى 50 ألف عائلة فقيرة في غزة، وهي 100 دولار لكل أسرة، واتفقت على إنشاء برامج توظيف موقتة لـ5000 شاب من خريجي الجامعة تحت عنوان “الطموح”.

ووعدوا بمواصلة القتال إلى أن تصير غزة منطقة قابلة للعيش، وتعهد قادة حماس بشرفهم بمواصلة مسيرة العودة العظيمة في غزة إلى أن يتحقق الهدف الرئيسي للاحتجاجات، رفع الحصار.

 

لم يجرؤ قادة حماس على الظهور أمام المواطنين لأيام، وواجهت القاعدة الشعبية للحركة أوقاتاً عصيبة لتقتنع بأن الاتفاق مع إسرائيل -الذي لم يقدم أي تحسينات جوهرية في ظروف العيش في غزة– والذي ساهمت الأموال القطرية في إبرامه، لم يكن عملية مقايضة تامة للقضية من قبل حماس.

 

لكن هل لذلك أي معنى، عندما يتم إبعاد الاحتجاجات على مسافة مئات الأمتار من السياج، وهو ما يوفر لنتانياهو ما يريده بشكل أساسي، وهو “صمت غزة”؟ وعندما لا تتم ممارسة أي ضغط بعد الآن على الحكومة الإسرائيلية لجعلها تشعر بضرورة اتخاذ إجراءات لإنهاء الوضع الكارثي في غزة؟ وعندما تواصل حماس تهربها من القيام بأي تنازلات للسلطة الفلسطينية، بشأن إدارة قطاع غزة من أجل إنهاء عقد من الانقسام الفلسطيني، وما خلفه من فشل متتالٍ؟

أن تحاول حماس تجنب الحرب بكل ما تملك من قوة، أمرٌ جديرٌ بالاحترام والثناء، وكذلك حرصها على تفادي وقوع مزيدٍ من الضحايا بين المتظاهرين، بعد أن تكبد أهل غزة 200 قتيل وأكثر من 20 ألف جريح برصاص الجيش الإسرائيلي، غير أن الدافع الحقيقي يظل ممزوجاً بدوافع أقل نبلاً، وقد أصبحت الاحتجاجات الآن غير ملائمة سياسياً لحماس، وأصبح معدل الضحايا مكلفاً للغاية.

ومع ذلك، على المرء أن يفكر، بأي ثمن تقوم حماس بذلك؟ ولأي غرض؟ إذا كان ثمن تضحيات غزة هو مجرد الحفاظ على بقاء حماس في الحكم، والدافع وراء العمل على تخفيف الضغط على غزة ينحصر في تعزيز سلطتها، في هذه الحالة، يكون كل مواطنو غزة قد تعرضوا للخيانة، وفي وضح النهار.

فقط في حال استأنفت حماس عملية المصالحة الفلسطينية وأطلقت عملية ديموقراطية في غزة، تصير تلك الأعمال ذات مغزى، وإلا تكون مطالبة العالم بالقبول بحكم حماس على غزة كأمرٍ واقع- في حين أن ما لا تستطيع غزة الخاضعة لسيطرة حماس تحقيقه، لا سيما رفع الحصار بشكل حاسم، هو خيانة جسيمة للشهداء الفلسطينيين.

وهذا يعني أن المساومة في قيام دولة فلسطينية، مقابل إنشاء منطقة معزولة مستقلة فاقدة للسيادة، يمكن فيها أن تمارس حماس بحرية حكمها الأوتوقراطي إلى أجل غير مسمى، على سكان يعانون الجوع والبؤس.

وهو ما كانت تريده  حماس دائماً منذ وصولها إلى السلطة عام 2009، وفقاً لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس: دولة فلسطينية موقتة في غزة تحت حكم حماس الدائم، لم تعمل من أجل حل الصراع الأوسع نطاقاً، بل دأبت بالأحرى على عرقلة أفق حل الدولتين.

لم يتضح بعد ما إذا كانت الصرخات الساخطة التي تقول “خيانة” ستعود إلى الشبكات الاجتماعية والشوارع في غزة، لا سيما إذا انتهى الأمر بتعنت حماس وشغفها بالسلطة، إلى القضاء على أي أمل بقيام دولة فلسطينية معترف بها رسمياً.

 

*محمد شحادة، كاتب وناشط في المجتمع المدني من قطاع غزة.

هذا المقال مترجم عن haaretz.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي

 

إقرأ أيضاً