fbpx

هنا القصة الثالثة

خالد العكّاري

خالد العكّاري

مقالات الكاتب

حرب في إدلب، وحربان في شرقها وغربها أيضاً؟!

كأنّنا في منطقة الشرق الأوسط نعيش لحظة ما قبل الطوفان. هذا ليس نعيق غربان وليس تشاؤماً من عيار قياميّ. الأرض تتحوّل تحت أقدامنا إلى رمال متحرّكة فعلاً.

قبل كلّ شيء هناك الطوفان الإنسانيّ المُحتمَل إذا ما هاجم الروس والإيرانيّون والنظام السوريّ إدلب. الهجوم المرجّح على عدد من السكّان يتراوح بين مليونين وثلاثة، ويتراوح اللاجئون إليهم بين ثلثهم ونصفهم، سوف يطلق خزّاناً بشريّاً لن تقوى تركيّا، ولن تقوى تالياً أوروبا، على صدّه. أمّا الآثار السياسيّة على تركيّا وعلى أوروبا فقد يصعب التكهّن بحدودها من غير أن يصعب التكهّن بطبيعتها الكارثيّة.

مع ذلك فالحرب المحتملة جدّاً على إدلب تبدو محكومة بحروب صغيرة أخرى، علماً أنّ بعضها قد يكبر:

هناك النزاع بين تركيّا وحليفها الروسيّ. الأولى لا تريد الحرب خوفاً من تدفّق أفواج النازحين، وتالياً من تنامي النفوذ الإيرانيّ في جوارها الجنوبيّ (ربّما تحت عنوان، أو انطلاقاً من، إعادة سكّان بلدتي كفريّا والفوعة الشيعيّتين إليهما). تركيّا، كذلك، مثلها مثل عدوّتها الجديدة الولايات المتّحدة الأميركيّة، تشعر أنّها خُدعت بـ “اتّفاق خفض التصعيد” الذي تحوّل عمليّاً، بفعل الروس، اتّفاقاً لتثبيت سلطة بشّار الأسد. روسيا، في المقابل، مستعجلة على الحسم. سيرجي لافروف، وزير خارجيّتها، حضّ على “محو الإرهابيّين” في إدلب. لافروف وزميله السوريّ وليد المعلّم يتفنّنان في نسج سيناريوات تآمريّة عن ضربات كيماويّة يوجّهها الإرهابيّون بما يعطي الذرائع للولايات المتّحدة كي تضرب النظام. ما من شكّ في أنّ روسيا حريصة على عدم تنفير تركيّا، وهي تعمل على توسيع تناقضها مع واشنطن بما يوجّه ضربة قاصمة لحلف الناتو. لكنّ جمع المتناقضات لن يكون سهلاً، وهذا ما ستحاول تذليله قمّة طهران الوشيكة حيث سيناقش القادة الروس والإيرانيّون والأتراك مسألة إدلب. فلننتظر ونرَ.

تركيّا، على أيّ حال، وضعها صعب. هناك الخصومة مع الأكراد المتحالفين مع واشنطن. هناك علاقة التحالف – العداء مع جبهة النصرة (10 آلاف مقاتل). هناك الأجواء الداخليّة المناهضة للنزوح السوريّ، وبعضها قوميّ مؤتلف مع “العدالة والتنمية”. وهناك، فضلاً عن روسيا وإيران، العلاقة المأزومة جدّاً بأوروبا الغربيّة، وخصوصاً بالولايات المتّحدة.

“مأساة السوريّين في إدلب تتوالى فصولاً وخياراتٍ بشعة: حكم جبهة النصرة وعودة نظام الأسد والموت والتهجير”

الأخيرة قرّرت فجأة أن تمارس عودة الشيخ إلى صباه. ترامب، في تغريدة له، حذّر الروس والإيرانيّين من “خطأ إنسانيّ ضخم” في إدلب. الخارجيّة الأميركيّة أيضاً حذّرت من هجوم كيماويّ لحكومة الأسد. التواجد العسكريّ الأميركيّ والروسيّ، في البرّ والبحر، يتزايد. المراقبون يقولون إنّ الولايات المتّحدة قرّرت، هذه المرّة، ألاّ تنسحب. مناطق السيطرة الكرديّة هي موضع قدمها الأكثر ثباتاً ورسوخاً: منها تلقي عيناً على سوريّا وعيناً – أكبر – على العراق.

هنا نقع على احتمالات حرب، بل حروب، في العراق، لا سيّما إذا صحّ الخبر الذي أوردته وكالة “رويترز” من أنّ إيران نقلت صواريخ متوسّطة المدى إليه. الخبر صحيح على الأرجح، خصوصاً وقد أصبح الحضور العسكريّ الإيرانيّ في سوريّا غير مضمون، أو فلنقل: أقلّ ضماناً. تنضاف إلى هذا الأزمة السياسيّة العراقيّة، وهي في وجه أساسيّ منها أزمة النفوذ الإيرانيّ في العراق. إذاً: إلى التناقضين السنّيّ – الشيعيّ والعربيّ – الكرديّ، صار في الإمكان الحديث عن تناقض انفجاريّ ثالث: الشيعيّ – الشيعيّ. تأليف الكتلة البرلمانيّة الأقوى، وغير الإيرانيّة الهوى، يدفع بهذا التناقض خطوات إلى الأمام ويصبغه بالتنافس الأميركيّ – الإيرانيّ على بلاد الرافدين.

هذا على الجبهة الواقعة شرق إدلب. على الجبهة الواقعة غرب إدلب، ينبغي ألاّ ننسى إسرائيل. الأيّام القليلة الماضية شهدت هجوماً جوّيّاً إسرائيليّاً قرب مطار دمشق الدوليّ، وهجوماً آخر على قافلة للإيرانيّين و”ميليشيات شيعيّة” في الجنوب السوريّ. لقد بات واضحاً أنّ الإسرائيليّين غير راضين بالحلّ الروسيّ للوجود الإيرانيّ في سوريّا (إبعاده عن الحدود السوريّة – الإسرائيليّة مسافة 85 إلى 100 كيلومتر، مع استثناء دمشق). إسرائيل تريد أكثر. أغلب الظنّ أنّها صارت أشدّ اطمئناناً إلى خطّتها بعدما وفى بشّار الأسد بوعده، المضمون روسيّاً، حول الالتزام بمعاهدة فصل القوّات في 1974.

الموسم اليوم في إسرائيل موسم حربيّ تعبّر عنه أجواء اختيار رئيس جديد لأركان الجيش. صحيفة “هآرتز” تقول إنّ وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان يريد رئيس الأركان “ضابطاً يستطيع جيشه أن يربح حروباً، وأن يقود ثورة على مستوى القوّات البرّيّة، وألاّ يزعجه كثيراً في ما خصّ الضوابط الاستراتيجيّة”. أحد أبرز المرشّحين للمنصب، الجنرال يائير غولان، قال في خطاب ألقاه مؤخّراً في “المعهد الدوليّ لمكافحة الإرهاب” في هرتزليا: “كلّ مَن تعامل مع القتال يفهم أنّ الحروب لا تُكسَب فقط بالاستخبارات ودقّة النيران. التكنولوجيا وحدها لا تكسب حروباً”. كلامه فُسّر على أنّه توكيد على أهميّة “المناورات على الأرض”.

في هذه الغضون: الأمم المتّحدة لا تملك أكثر من الدعوة إلى “ممرّات إنسانيّة” تتيح المغادرة للمدنيّين في إدلب. مأساة السوريّين في إدلب تتوالى فصولاً وخياراتٍ بشعة: حكم جبهة النصرة وعودة نظام الأسد والموت والتهجير. العالم مشاع إراديّ: حرب في إدلب وحرب شرق إدلب وحرب في الغرب منها.

إقرأ أيضاً:
النظام يتأهّب للانقضاض على إدلب والحدود مقفلة في وجه أهلها
مسؤوليّة روسيا في إدلب
إدلب من جحيم النظام إلى جحيم الإسلاميين

إقرأ أيضاً