fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

حرب الأعلام… حرب الآلهة

في سنواتهم الممتدّة منذ استقلالهم في ١٩٤٣، أنتج اللبنانيّون علمين يمكن القول إنّهما خطابان على نطاق وطنيّ، العلم اللبنانيّ وعلم “حزب الله”.
الأوّل تتوسّطه أرزة خضراء، ولوناه الأبيض والأحمر بسيطان مقتصدان في إيحائهما.
إبّان سنوات المدرسة كان تمجيد ذاك العلم ينتسب إلى فصاحة إنشائيّة بريئة ورديئة في آن. كان يقال، “الأبيض في العلم يرمز إلى السلام والصفاء وثلج الجبل، والأخضر الذي في الأرزة إلى الطبيعة الخالدة والنضرة، والأحمر إلى دماء الشهداء”. والعبارة الأخيرة هذه كانت كفيلة برسم بسمة على الشفاه يعجز التلقين الأستاذيّ عن لجمها، فثمّة ما كان يتراءى لنا مبالغةً ربّما أملاها استدراج الخطابة، أو التنازل لثقافة رائجة في المنطقة، ثقافةٍ تأبى دقّ باب “الحرّيّة الحمراء” بغير “اليد المضرّجة”.
مع هذا، وفي يومنا الراهن المكتنز بكلّ ما سبقه من تجارب، بتنا نفضّل المبالغة في زعم الدم على الوجود الفعليّ للدم. فالكذبة تبقى خيراً من الموت، على ما علّمنا فيلم “وداع لينين”، فكيف وقد تمتّعنا في لبنان بحرّيّة تفوق كثيراً الحرّيّات التي دُقّ بابها بالأيدي المضرّجة.
أمّا العلم الثاني فأصفر، كُتب عليه بالأخضر وبخطّ كوفيّ: “حزب الله”، فيما كُتب تحته: “المقاومة الإسلاميّة في لبنان”. وبدوره يرتفع حرف الألف في كلمة “الله” كزند لا تعرّج فيها، تنتهي بقبضة مشدودة حول بندقيّة اقتحامٍ كُتبت فوقها العبارة القرآنيّة في “سورة المائدة”: “فإنّ حزب الله هم الغالبون”. ولئن استلهم رفعُ البندقيّة علمَ “الحرس الثوريّ” الإيرانيّ، حيث ينتصب السلاح بالطريقة نفسها، فالعلم الأوّل يتّسع لصورٍ على شيء من التمويه لعالِم دين وكتاب وسيف. إنّه كون شيعيّ محض.
لقد أنتج اللبنانيّون بالطبع أعلاماً أخرى كثيرة، من علم “حزب الكتائب اللبنانيّة” إلى أعلام “الحزب التقدّميّ الاشتراكيّ” و”حزب الوطنيّين الأحرار” و”حركة أمل” و”القّوات اللبنانيّة” و”التيّار الوطنيّ الحرّ” و”تيّار المستقبل” و”المردة”…، فضلاً عن زوبعة القوميّين السوريّين. كذلك استقبلوا أعلاماً وافدة من الخارج، كمنجل الشيوعيّين ومطرقتهم و”الوطن العربيّ” في علم البعث. لكنّ العلمين الأكثر خفقاً في سمائنا، والأوسع تمثيلاً وتعبيراً عن المشاعر يبقيان العلم اللبنانيّ وعلم “حزب الله”، أوّلهما ارتبط بقيام دولة ونيل استقلال، والثاني ارتبط بتحرير أرض ومقاومة وحرب مع إسرائيل. إنّهما، إذاً، يملكان الطاقة التي تؤهّلهما أن يكونا علمين متناظرين، إن لم نقل نقيضين.
ومن جهتهم، كان للسنّة حضورهم ما بين قيام الدولة “المارونيّة”، وعلمها وصعود “دولة” “حزب الله” الشيعيّة وعلمها. إلاّ أنّ ذاك الحضور، إذا استثنينا أعلام تنظيمات صغرى كـ “المرابطون”، حصل من دون علَم. ففي المرّة الأولى كانت الناصريّة، التي استولت على المخيّلة السنّيّة، فتجسّدت في صورة جمال عبد الناصر أكثر ممّا في علم مصر أو “الجمهوريّة العربيّة المتّحدة”. وفي المرّة الثانية، حال تكاثر أعلام المنظّمات الفلسطينيّة دون الاستقرار على علم جامع كعلم منظّمة التحرير مثلاً. وفي الحالتين كانت لا-لبنانيّة الطرفين، المصريّ والفلسطينيّ، تجعل رفع العلم أمراً مُحرِجاً للسنّة اللبنانيّين يعزّز اتّهامَ المسيحيّين التقليديّ لهم بـ “نقص اللبنانيّة”.
وتجربة كهذه ربّما ساهمت في حمل “حزب الله”، على الاتّعاظ ومحاولة تفادي التهمة؛ فبعد طوره الأوّل حين كان يدعو إلى “جمهوريّة إسلاميّة في لبنان”، كفّ الحزب عن دعوته، ثمّ انخرط في الحياة السياسيّة ولعبتها البرلمانيّة. وهذا ما كان كافياً، في نظر كثيرين، لأن “يلبنن” الحزب، علماً بأنّ مشاركته في الانتخابات النيابيّة أتت مسبوقة بفتوى أصدرها السيّد الخامنئي أجازت له تلك المشاركة.
لكنّ مقارنةً أبعد بين علمي لبنان و”حزب الله” تنبئ بالخلاف الأعرض الذي يشقّ اللبنانيّين اليوم: إنّه بين وعي ذي مصدر مارونيّ بدأ يتراكم قبل عشرات السنوات على رسم العلم، وآخر ذي مصدر شيعيّ اتّخذ شكلاً انفجاريّاً بعد الثورة الإيرانيّة في ١٩٧٩.
والحال أنّ العلم اللبنانيّ بسيط لا ينطوي على تفاصيل أو كلام. فكأنّ رسالته الضمنيّة هي أنّ هؤلاء اللبنانيّين، مثلهم مثل باقي أهل الأرض، بحاجة إلى بلد ورمز وعضويّة في المنظّمات الدوليّة. وغنيّ عن القول إنّ الكتابة على العلم لم تكن رائجة ما خلا في حالات نادرة، كالسعوديّة التي كتبت “لا إله إلا الله ومحمّد رسول الله” وتحتها سيف، قبل أن يقلّدها الإيرانيّون في ١٩٨٠، حيث تصدّرت علمَهم كلمة “الله”، ومن بعدها صدّام حسين في العلم الذي اخترعه لبلده.
وعلى عكس أعلام رفعتها بلدان تعدّديّة التركيب، كالعراق في عهد عبد الكريم قاسم ١٩٥٨-١٩٦٣، حيث حُشدت داخل رقعة القماش خصائص الجماعات والمجموعات التي تشكّل تلك البلدان وتاريخها، تكاسل العلم اللبنانيّ عن نقل تلك الخصائص (وإن أحيلت، لا سيّما منذ الحرب، إلى العملة الورقيّة). فما هو متوافر في “الريبرتوار” المارونيّ التقليديّ بدا كافياً لتأليف “أسطورة مؤسّسة” يسطع فيها مؤسّس درزيّ هو فخر الدين المعنيّ، ومؤسّس ثانٍ سنّيّ (وإن تنصّرت عائلته) هو بشير الشهابيّ، وتلوح للإمام الأوزاعيّ ظلال تبشّر بتسامح المسلمين الدينيّ. وفيما خصّ العَلَم تحديداً، كان مسلمون كصائب سلام وسعدي المنلا وصبري حمادة ورشيد بيضون مساهمين في رسمه بوصفه تطويراً للعلم الذي اعتُمد مع إنشاء “لبنان الكبير”.
هذه الراية المقتصدة في تعبيرها ليس فيها الكثير الذي يقال. إنّها متواضعة تواضع البلد الذي أريد إنشاؤه: كثير الحياد وقليل القضايا، وما من داعٍ لإيضاحات أكثر. لقد أريد لها أن تكون علم وطن تحكمه طائفة بتفاهم “ميثاقيّ” مع قيادات باقي الطوائف. لكنّ تحفّظات الطوائف الأخرى على حكم البلد الطائفيّ ردّ العلم مجرّد علم لتلك الطائفة الحاكمة، وفتح الباب واسعاً للهزء به الذي اتّخذ أشكالاً عدّة، من سخرية العامّة التي سمّت الأرزة قرنبيطة، إلى مطالبة نبيه برّي ذات مرّة بإحلال شتلة التبغ محلّ الأرزة (والتي استدعت تحفّظ النائب دوري شمعون: شرط أن يُكتب تحت الشتلة أنّ التدخين يضرّ بالصحّة ويتسبّب بالأمراض).
مع هذا، هناك شيء واحد يمكن قوله.
ذاك أنّ مركزيّة الأرزة في العلم تُغلّب البُعد الطبيعيّ، ممثّلاً بشجرة، على سواه من المعاني والأبعاد. والطبيعة تحضّ على الاقتصاد في التعبير لأنّها هي التعبير كلّه. فالشائع أنّ جمالها حافز على الصمت و”جلالها” دافع للاتخاذ والانبهار. وهذا ما يشقّ الطريق إلى صوفيّةٍ رومنطيقيّةٍ ما، صوفيّةٍ يغذّيها أنّ جار الأرز هو الكاتب جبران خليل جبران، وأنّ الأرز نفسه إنّما هو “أرز الربّ”.
بيد أنّ العلم الآخر لا يحضر فيه الربّ (الله) حضوراً ضمنيّاً، ولا حضوراً طبيعيّاً. إنّه يحضر بصفته صاحب حزب سياسيّ ومسلّح.
فكأنّنا، والحال هذه، نعثر في التعاقب الزمنيّ للعلمين على ما أشار إليه عالم الاجتماع النمساوي، “وليم رايخ”، من انقلاب الصوفيّة الدينيّة، بما فيها من مازوشيّة، إلى صوفيّة قوميّة ساديّة ونرجسيّة. هكذا يضجّ علم الحزب اللهيّ بالكلام والصور والتعبير ممّا تتميّز به الدعوات النضاليّة. وإذ يشرف “أرز الربّ” على وادي قنّوبين، الذي قيل إنّه كان ملجأ الهاربين من بطش الرومان الوثنيّين، فإنّ إله “حزب الله”، لا يطيق الهرب “الجبان” بل يعلن “انتهاء زمن الهزائم”. فإذا تغنّى أهل العلم الأوّل بأنّ اسم الأرز مذكور في التوراة، كاد أهل العلم الثاني يشكّون بأن يكون في الأمر “تطبيع” ما. وفي مقابل صمت علم الأرزة أمام الطبيعة، وهي “لوحات الله راسمها” بحسب أغنية وديع الصافي، يسود اقتحام الطبيعة بعضليّة البندقيّة التي تنتجها مصانع الأسلحة وتحتلّ في علم الحزب نفس المركزيّة التي تحتلّها الأرزة في علم الدولة. وهي عضليّة تناولها أيضاً “رايخ”، وسواه ممّن استوقفتهم القبضات النافرة العروق والأجسام المشدودة في الحركات النضاليّة. ذاك أنّ الذي تُظهره الملصقات شادّاً بأصابع وعروق نافرة على بندقيّة لا تقلّ عضليّةً، إنّما يمشي دائماً “منتصب القامة”، على ما أعلمنا سميح القاسم ومارسيل خليفة.
فوق هذا، فـ “حزب الله”، مرموزاً إليه بعلمه، غير معنيّ بتاتاً بتمثيل باقي الجماعات أو بمراعاة تمثيلاتها ورموزها. تمثيلاته ورموزه هو تحتلّ القماشة كلّها، ما يضعنا وجهاً لوجه أمام علم لجماعة، لا لكلّ الجماعات، جماعةٍ لا تزعم بتاتاً، من خلال رايتها، أنّها تريد أنّ تتّحد مع سواها في كيان أعلى أو في مفهوم مركّب.
فنحن بالتالي حيال إله جماعاتيّ مسلّح بما أنتجته مصانع حديثة، وإله شبه وطنيّ، أعزل إلاّ من الطبيعة.
وبين رومنطيقيّة الطبيعة الوطنيّة وحداثيّة الأداة الجماعاتيّة، يستقرّ إله القوّة في قوّته، ويغفو إله الطبيعة في الطبيعة. إنّهما ربّ غالب وربّ مغلوب.

إقرأ أيضاً