fbpx

هنا القصة الثالثة

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

عليا ابراهيم - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

 حامد سنو وانتحار “بيبلوس”

التقيت حامد سنو مرة واحدة. كان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات. لم يكن الوصول إليه سهلاً لأنني ببساطة لم أكن أعرف عمن ابحث. كل ما في الأمر أن صور “ستنسيل” صغيرة انتشرت على الجدران في محيط الجامعة الأميركية في بيروت أثارت فضولي، من بينها رسم صورة لأم كلثوم تقول “بوس الواوا” وهي كلمات أغنية هيفاء وهبي الرائجة في تلك الفترة. البحث عن صاحب الرسوم أوصلني إلى كلية الهندسة حيث كان سنو في السنة الأخيرة من دراسة “الغرافيك ديزاين”. 

كان ذلك قبل مشروع ليلى والعالمية والوشوم والحلقة في الأذن والمجاهرة بالمثلية. لا أذكر الكثير عن هذا اللقاء، لكن أذكر جيداً أن سنو على رغم خجل واضح عرف جيداً كيف يعبر عن أفكاره بحماسة وشجاعة صادقتين: في هذا العالم الكثير مما لا يعجبه والذي يحلم بتغييره عبر رسومه وكلماته. 

أكثر من عشر سنوات مرت، راقبت خلالها من بعيد صعود سنو بعد انضمامه الى فرقة “مشروع ليلى”. تغير مظهره الخارجي كثيراً. نظرة التلميذ المجتهد الخجولة التي أذكرها صارت نظرة ثاقبة وواثقة لشاب عرف كيف يحافظ على أحلامه في عالم لا مكان فيه للأحلام ولا للحالمين. 

في بلد الحريات، عندما يُهدد الحالمون يُطلب منهم الاعتذار!  

في الأيام الماضية، شُنت حملة شعواء ضد أعضاء فرقة “مشروع ليلى” وصلت إلى حد تبرير قتلهم. الردود على الحملة كانت أسوأ منها: المؤسسة الدينية هبت دعماً للمهددين والقضاء طلب من المهددَين الاعتذار، لجنة المهرجان الغت الحفل والدولة صمتت. 

أما “مشروع ليلى”، فأصدر بياناً للأمانة لم يعجبني، فقد وجدت فيه اعتذاراً في غير محله. بطبيعة الحال أنا لا ألوم الفرقة، فمهما كانت الحسابات وراء صياغة كلماتهم، هي مبررة، فهم مجرد فرقة موسيقية لأعضائها الحق بأن يخافوا على حياتهم وعلى حياة مشروعهم الفني في بلد لم يؤمن لهم الحد الأدنى من الضمانات على أي من الصعيدين. 

أغضبني صمت الدولة التي لم تجد فيها مسؤولاً واحداً يدافع عما تبقى من ادعاء حرية تعبير في لبنان. أذهلني استدعاء القضاء أعضاء الفرقة بدل استدعاء من يهددهم بالقتل. أحزنني موقف المطرانية التي استغلت القضية لاستعادة دور ما على مستوى الرأي العام وإن عن غير حق. أضحكني موقف بعض الفنانين الذين لم يجدوا حرجاً بدعم حملة تهدد زملاء لهم بالقتل… ما لم أستطع فهمه أو تجاوزه هو قرار مهرجان بيبلوس بإلغاء الحفل والذي يحمل في طياته مزيجاً من الغباء والنفاق، يكاد يكون بمثابة محاولة انتحار عبثية!

أغضبني صمت الدولة التي لم تجد فيها مسؤولاً واحداً يدافع عما تبقى من ادعاء حرية تعبير في لبنان.

منذ انطلاقته عام 2003، سعى مهرجان بيبلوس ونجح الى حد بعيد ببناء سمعة وجمهور خاصين به. هذا النجاح، الذي ادخل بيبلوس بسرعة كمنافس جدي لمهرجانات لبنان الدولية، كان جزئياً بسبب مخاطبة جمهور وفئات غير معنية بما تقدمه المهرجانات العريقة مثل بعلبك وبيت الدين، منها الشباب ومحبو الموسيقى البديلة وعلى رأسها الروك اند رول والميتال. 

قرار لجنة مهرجان بيبلوس تحت ضغط وابتزاز مجموعة من المتزمتين والمستفيدين والمتقاعسين الطائفيين، فيه احتقار لحقوق جمهور يدين المهرجان له بنجاحه واستمراره. 

الحملة على “مشروع ليلى” ركزت على نقطة أن الفرقة تروّج للمثلية الجنسية. هل يعني ذلك أن لجنة المهرجان لن تستضيف أي فريق آخر يحمل هذا الشعار؟ لو قرر التون جون مثلاً أن يقطع اعتزاله ويعود إلى مسرح جبيل الذي دعاه إلى المهرجان وروج له عام 2017، فلن يكون مرحباً به؟ التون جون الذي يعتبر أيقونة من الرموز الفنية التي دافعت عن المثلية وقاتلت الهوموفوبيا بكل أشكالها -ولمن لا يعرف أو لا يصدق ما عليه إلا مشاهدة الفيلم الرائع RocketMan  الذي لسخرية القدر لا يزال يعرض في صالات السينما في لبنان.  

تناولت الحملة مضامين أغاني الفرقة ورفعت شعار حماية القيم الدينية، هل يعني هذا أن مهرجان بيبلوس في المستقبل لن يستضيف أي فرقة “روك”، كي لا نقول ميتال أو هيفي ميتال؟ أي تعريف بسيط لهذه الأنواع الموسيقية يفسر ارتباطها وأخذها قضايا فلسفية مثل الموت والدين الى أشكال وأبعاد جدلية واتهامها مراراً وتكراراً على مدى عقود بشيطانيتها! لم يمنع كل هذا مهرجان بيبلوس في الماضي من استضافة رموز عالمية لهذا الصنف! 

هل قرار “مشروع ليلى” الذي دعي سابقاً مرتين يعني أن الأمر لن يتكرر في المستقبل؟   

فرق مثل Scorpions  وPlacebo التي أشعلت الجمهور واشعلها الى حد سقوط المسرح من تحت أقدام المغنين لن يكون بوسعها العودة؟

المجلات الدولية المختصة التي احتفلت بعودة الميتال إلى مهرجان بيبلوس عام 2018 مع Nightwish بعد غياب خمس سنوات من آخر حفل لها في لبنان عام 2013، والذي تلاه عام 2014 حفل لفرقة ميتال أكثر جدلية وأكثر بيعاً للتذاكر، هي EPICA، هذه المجلات ستكتب مقالاً تأبينياً لمهرجان بيبلوس هذه المرة؟ 

المهرجان الدولي الوحيد الذي لم يلغِ حفلاته عام 2006 بعد أيام معدودة على انتهاء حرب تموز يوليو، هل ستقتصر عروضه في السنوات المقبلة على عروض لا تزعج أحداً “منعاً لهدر الدماء؟”.

الاعتذار الذي قدمته لجنة المهرجان غير كاف. كان من واجب هذه اللجنة الدفاع عن حقوق فنانين دعتهم وجمهور وعدته، وعلى عكس “مشروع ليلى” كان بإمكانها القيام بذلك لأنها ببساطة تملك الكثير من وسائل الضغط. 

الحملة على “مشروع ليلى” ركزت على نقطة أن الفرقة تروّج للمثلية الجنسية. هل يعني ذلك أن لجنة المهرجان لن تستضيف أي فريق آخر يحمل هذا الشعار؟

كان بإمكان أعضاء اللجنة الاستقالة دفاعاً عن سمعتهم وسمعة مهرجانهم. النواب الذين طلبوا منهم الغاء الحفل، كان بإمكانهم أن يهددوهم بإلغاء جميع الحفلات، وليكن عليهم حينها تحمل المسؤولية وتبرير الخسائر المادية التي ستتوجب على أصحاب المطاعم والمحال التجارية في المنطقة التي بات ارتباط اسمها بمهرجانها، يكاد يوازي ارتباطها بقلعتها التاريخية. كان بإمكان المهرجان تنظيم حملة مضادة، تخبر عن التزام “مشروع ليلى” بقضايا مهمة من الحفلات المجانية إلى الحملات التوعوية والإنتاجات التي تعالج قضايا اجتماعية تهم الشباب، حصلت على أهم جوائز عالمية ومن بينها جائزة ايمي لمسلسل الشنكبوت الذي نفذ حامد سنو تصميماته. 

كان بإمكان مهرجان بيبلوس أن يسمح لجمهوره بالدفاع عن مهرجانهم بشراء التذاكر والحضور الى الحفل على رغم التهديد… لكن القيمين عليه اختاروا أن يشبه مهرجانهم كل شيء آخر في بلد صار سلمه الأهلي مهدداً بسبب حفلة…   

التقيت سنو منذ أكثر من عشر سنوات فيما كنت ابحث عن صاحب رسومات انتشرت في منطقة رأس بيروت. الى جانب صورة ام كلثوم تبوس الواوا، كانت هناك صور لميكي ماوس يقول نحنا معك، وأخرى لكف فاطمة تحته عبارة “خذ”، وهي بالعامية اللبنانية تعني اللعنة عليك. 

إلى “مشروع ليلى” نحنا معك، أما من شاركوا بانتصار قرار المنع ومن احتفلوا بخنق حرية التعبير، فلكم كفّ فاطمة. 

“المسيحيون الجدد” ينتصرون على “مشروع ليلى”

إقرأ أيضاً