fbpx

هنا القصة الثالثة

أمل المكّي- صحافية تونسية

أمل المكّي- صحافية تونسية

مقالات الكاتب

حالة الطّوارئ في تونس: عندما يكون الدستور قيد “الإقامة الجبريّة”

“لم يكن منوّبي يدرك أنه بإمكانه الذّهاب إلى العمل. لقد بقي أكثر من شهر قابعا في منزله لا يغادره خشية مخالفة التعليمات”. هكذا تحدّث المحامي “مالك بن عمر” عن منوّبي الّذي يمثّل واحدا من بين 500 مواطن تونسي يخضعون للإقامة الجبرية.

عندما نتحدّث عن حالة الطوارئ في تونس، فليست جدلية الأمن وحقوق الإنسان هي وحدها المعنيّة، بل دستورية الحالة نفسها.

تمديد آخر ، أعلنت عنه الرئاسة التونسية مؤخراً، لحالة الطوارئ السّارية في البلاد منذ تشرين الثاني/ نوفمبر2015 أي عقب الهجوم الّذي خلّف 12 قتيلا في صفوف الحرس الرئاسي. إعلان سبقه مطالبة بعض فعاليات المجتمع المدني للرئيس “الباجي قائد السّبسي” بعدم التمديد مجدّدا، مطالبين بالنظر في عرائض التظلّمات المقدّمة من قبل المتضرّرين إلى السلطتين القضائية والتنفيذية.

وكان مرصد الحقوق والحريات قد أعلن عن عدد من الانتهاكات التي تسجّل باسم قانون الطوارئ في حق أشخاص مشتبه بهم في ملفّات إرهابية وتهريب وجرائم اقتصادية إلى جانب عائلاتهم. أما ممثلة منظمة العفو الدولية فرع تونس “فداء الهمامي”، فقد لاحظت أن هناك خرقاً متعدّدا للإجراءات الحدودية القانونية وحرية التنقل.

آثار الهجوم الدموي الذي تعرضت له شاحنة للحرس الجمهوري التونسي عام 2015

ماذا تعني حالة الطوارئ

بموجب حالة الطوارئ، تملك السلطات صلاحيات استثنائية واسعة مثل حظر تجوّل الأفراد والمركبات ومنع الإضرابات العمالية، وفرض الإقامة الجبرية وحظر الاجتماعات، وتفتيش المحلات ليلاً ونهاراً، ومراقبة الصحافة والمنشورات والبثّ الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية، من دون وجوب الحصول على إذن مسبق من القضاء.

يخضع تنظيم حالة الطوارئ في تونس إلى الأمر الرئاسي عدد 50 المؤرّخ في 26 كانون الثاني/يناير 1978. يقول المحامي مالك بن عمر:” الأمر اتّخذ إثر إعلان حالة الطوارئ بالفعل فيما يعرف وقتها ب”الخميس الأسود” وذلك في وضعية كان الاتّحاد العامّ التونسي للشغل قد شنّ خلالها إضرابا عامّا. أي أنّ (الرئيس) بورقيبة انتبه بعد إعلانه حالة الطوارئ في البلاد إلى أنه لا يوجد نصّ ينظّمها فمضى الأمر في ذات اليوم.”

وعدا عن هذه القصّة التي حبكت أحداثها داخل القصر الرئاسي بقرطاج، تكمن إشكالية الأمر المنظّم لحالة الطوارئ بالأساس في لادستوريّته. “وفق دستور 2014، لا يمكن أن تضبط الحقوق والحريات إلاّ بموجب قانون وليس بموجب أمر رئاسي أو منشور أو قرار إداريّ”. يشرح  بن عمر، ” جميع الحريات اليوم تضبط بموجب هذا الأمر المتعلّق بتنظيم حالة الطوارئ”. إضافة إلى ذلك، ينصّ الدستور على وجوب استشارة المحكمة الدستورية، قبل التمديد لحالة الطوارئ، وهذا ما لم يحصل.

صلاحيات واسعة وانتهاكات لحقوق الإنسان

قدّم مرصد الحقوق والحريات أمثلة عن الانتهاكات التي طالت المواطنين بموجب قانون الطوارئ والصلاحيات المخوّلة للسلطات التنفيذية والأمنية في إطاره. جاء إخضاع 500 شخص إلى الإقامة الجبرية دون توجيه تهم إليهم على رأس القائمة، في حين قدّمت أمثلة عن قرارات اتّخذها الولاة (المحافظون) على غرار منع والي “بن عروس” مئات الجماهير من حضور المباريات، وغلق والي “نابل” ملهى ليليّا، إضافة إلى إيقاف وزارة الداخلية جريدة “الثورة نيوز”.

مؤخراً تناقلت وسائل إعلام خبرا مفاده منع والي “قبلّي” طاقم فيلم سينمائي من  تصوير مشهد يتضمّن إنزال الراية الوطنية ورفع راية تنظيم “داعش”. أثار القرار حينذاك موجة من الاستهجان والسخرية على مواقع التواصل الاجتماعي واصفين إيّاه ب”الشعبوي” و”الوطنية المصطنعة”، في حين صرّح منتج الفيلم أنّ الوالي مارس رقابة شبيهة بالرقابة التي كانت تمارس في عهد الرئيس المخلوع “بن عليّ”. دافع محافظ الولاية ساعتها عن موقفه مؤكّدا أنه يحترم الأعمال الفنّية والثقافية لكنه يعتبر الراية الوطنية مقدّسة ولا يمكن إنزالها أيّا كانت التبريرات.

اتّصل “درج” بوالي محافظة “قبلّي” وسأله عمّا إذا كان لقراره صلة بصلاحياته في إطار قانون الطوارئ وكان الردّ بأن “نعم بطبيعة الحال”. وأضاف “هذا القرار تابع لقانون الطوارئ وأنا أعرف صلاحياتي وأحسن تمييز ما ينفع الجهة وما يضرّ بها خاصّة وأننا على أبواب موسم سياحيّ”.

500 خاضع للإقامة الجبرية…

يذهب المحامي مالك بن عمر أبعد في شرحه للإشكال القانوني والحقوقي الّذي تطرحه حالة الطوارئ الحالية :”الأمر المنظم لحالة لطوارئ السارية في البلاد حاليا ليس فقط مخالفا للدستور والقانون، بل هو أيضا يطرح أخطاء عديدة على مستوى التنفيذ”.

جاء في تقرير “هيومن رايتس ووتش” لعام 2017 المتعلّق بتونس أنّ مئات المواطنين التونسيين وضعوا منذ تشرين الثاني/نوفمبر “قيد الإقامة الجبرية غير المحدّدة، دون توجيه تهم إليهم، بموجب قرارات صادرة عن الشرطة بشكل شفهي، ودون وثائق، ما يحرم الأشخاص المتأثرين من إمكانية الطعن في القرارات في المحاكم. تسبّبت هذه الإجراءات بصعوبات اقتصادية، ووصمت الأشخاص المستهدفين، ومنعتهم من الدراسة والعمل.”

وضعت وزارة الداخلية، بادئ الأمر، 138 تونسياً قيد الإقامة الجبرية قبل أن تضاعف العدد في تمّوز/يوليو 2016، وفي شهر أيار/مايو 2017، أضيف 22 رجل أعمال دون تسليمهم نسخاً من القرار.

يرى الأستاذ المحامي “مالك بن عمر” أنّ قرارات الإقامة الجبرية كانت أفظع الانتهاكات المسجّلة ضمن حالة الطوارئ ليس فقط لعدد المعنيّين بها بل أيضا لطريقة تنفيذ القرارات. “في حالات الإقامة الجبرية التي أخضع لها المعنيّون ضمن ما سمي بحرب رئيس الحكومة يوسف الشاهد على الفساد، تمّ وضع الحالات في ثكنة الحرس الوطني بالعوينة أو في مكان غير معلوم”، مضيفا، “في حين أنّ الأمر المنظم لحالة الطوارئ ينصّ على وضع الأشخاص تحت الإقامة الجبرية في منطقة ترابية أو ببلدة معيّنة”.

قرارات الإقامة الجبرية كانت أفظع الانتهاكات المسجّلة ضمن حالة الطوارئ ليس فقط لعدد المعنيّين بها بل أيضا لطريقة تنفيذ القرارات

صرّح مدير مرصد الحقوق والحريات “مروان جدّة” في وقت سابق بأنّ “الأنكى في موضوع الإقامة الجبرية هو خضوعه لاجتهاد الأمنيّين في تفسيرهم لمعنى المنطقة الترابية التي نصّ عليها الفصل الخامس من قانون الطوارئ”، شارحا “يفسّرها البعض بالمدينة أو الجهة التي يتواجد فيها الشخص الموضوع تحت الإقامة الجبرية في حين يفسّرها البعض الآخر انطلاقا من اجتهاد شخصيّ وقراءة ذاتية بكونها (البيت)”. وخلص إلى أنّه، “نجد من هو (مسجون) في بيته لا يبارحه أبدا، وإذا اضطرّ إلى مغادرته لأمر عاجل، يزجّ به في الإيقاف لأيام وأسابيع قبل أن يطلق سراحه”.

“لقد وقع تأويل نصّ الأمر المتعلّق بتنظيم حالة الطوارئ لصالح غاية سياسية”، يبيّن الأستاذ المحامي “مالك بن عمر”، مواصلا “ثمّ إنّ الإقامة الجبرية يفترض أن تشمل من هم خطرون على الأمن والنظام العامّين، في حين أنّ 50% ممّن يخضعون له لم يحدث مطلقا أن تمّ إيقافهم أو مقاضاتهم. من كان يتّسم ببعض الخطورة فالأجدر أن يتمّ إيقافه وإحالته على القضاء وليس فرض الإقامة الجبرية عليه مباشرة. هذه القرارات كانت عشوائية”.

لا يحصل الخاضعون لقرار الإقامة الجبرية على وثيقة تفيد بذلك. يتمّ دعوتهم إلى مركز الأمن وإعلامهم بالقرار شفاهياً قبل أن يطلب منهم التوقيع على وثيقة تفيد الإعلام. ويوضّح “بن عمر” أنّ محامي الأشخاص قيد الإقامة الجبرية كانوا يعتقدون بادئ الأمر أنّ عدم تمكين المعنيّين من وثيقة كان اجتهادا من قبل أعوان الأمن  قبل أن يتأكّدوا لاحقا أنّ الامتناع عن تقديم نسخ من قرار الإقامة الجبرية في حقّ منوّبيهم كان بتعليمات مباشرة وكتابية من قبل وزارة الداخلية.

ماذا بعد نوفمبر/تشرين الثاني؟

أسابيع قليلة قبل موعد انتهاء حالة الطوارئ، في هذه الأثناء، يقبع مشروع قانون تقدّم به عدد من النواّب منذ العام 2016 في رفوف لجان مجلس نوّاب الشعب. مقترح قانون أساسي لا يحتوي سوى على 8 فصول يقول المحامي “مالك بن عمر” إنّه لو شاء المجلس النظر فيه والمصادقة عليه لفعل ذلك في أقلّ من أسبوع.

ينصّ الفصل السّادس من مشروع القانون المذكور على أنّه “يخضع الحدّ من الحقوق والحريات المنصوص عليها في الباب الثاني من الدستور وبالخصوص وضع الأشخاص تحت الإقامة الجبرية، وتحجير الاجتماعات، وحظر التجوّل، وتفتيش المحلات، ومراقبة الصحافة والمنشورات بمختلف أنواعها، والبث الإذاعي والتلفزيوني، والعروض السينمائية والمسرحية والفنية، فرض حظر تجوال على الأشخاص والعربات ومنع الإضرابات واللجوء إلى تسخير الأشخاص والمكاسب الضرورية لحسن سير المصالح العمومية والنشاطات ذات المصلحة الحيوية والغلق المؤقت لقاعات العروض والمحلات بيع المشروبات وأماكن الاجتماعات مهما كان نوعها، إلى مراقبة القضاء مع وجوب تعليل اتخاذها لضرورة تقتضيها دولة مدنية ديمقراطية وبهدف حماية حقوق الغير، أو لمقتضيات الأمن العام ، أو الدفاع الوطني، أو الصحة العامة، وذلك مع احترام التناسب بين هذه الضوابط وموجباتها.”

ملاءمة التدابير الأمنية الاستثنائية لمقتضيات الدولة المدنية الديمقراطية، وأهمّها الرقابة القضائية على تنفيذ ضوابط الحدّ من الحقوق والحريات، هي جوهر مقترح القانون المؤجّل النظر فيه منذ سنتين. تباطؤ يصعب فهمه ربّما على المتضرّرين من حالة الطوارئ، بين خاضعين للإقامة الجبرية ومحرومين من حقهم في التنقل أو التظاهر وغيرها من أشكال الحدّ من الحقوق والحريات ضمن سياق الحالة “الاستثنائية” المتواصلة دون انقطاع منذ نحو ثلاثة سنوات.

إقرأ أيضاً:

عقوبة القبلة سلب للحرية

عن الحقّ في الإجهاض باعتباره استثناءا تونسياً

إقرأ أيضاً