جورج سوروس… رجل يكرهه الزعماء 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
كان دونالد ترامب على وشك إنشاء مبنى إداري في نيويورك وطلب من سوروس أن يصبح أكبر المستأجرين له. كان سوروس في ذلك الوقت من أنجح المستثمرين، لكنه قال لترامب إنه ببساطة لا يستطيع تحمل تلك التكلفة. يقول سوروس مبتسماً، "قلت له ذلك لأنني لم أكن أحبه".

منذ نحو ثلاثة عقود، تعرف جورج سوروس على عملاق عقارات متعجرف في عشاء في منزل ريفي في كاتسكيل، شمال ولاية نيويورك. كان دونالد ترامب على وشك إنشاء مبنى إداري في نيويورك وطلب من سوروس أن يصبح أكبر المستأجرين له. كان سوروس في ذلك الوقت من أنجح المستثمرين، لكنه قال لترامب إنه ببساطة لا يستطيع تحمل تلك التكلفة. يقول سوروس مبتسماً، “قلت له ذلك لأنني لم أكن أحبه”.

من السهل تخيل أسباب كراهية سوروس الفورية لترامب. كونه محنكاً ومولعاً بالقراءة وفضولياً وخجولاً إلى حد ما، يجد سوروس رجال الأعمال الآخرين مملين. فهو لا ينبهر بالشهرة، ويفضل صحبة المثقفين والصحافيين وكل من يعتقد أنه أكثر علماً منه بموضوع معين. بصفته مديراً لصندوق تحوُّط، كان يفضل تمضية وقت فراغه في القراءة وكتابة الكتب الفلسفية بدلاً من التسكع في ملاعب الغولف. إذا حاولت تخيل شخصية مناقضة تماماً للرئيس الحالي للولايات المتحدة، فستشبه تلك الشخصية سوروس إلى حد بعيد.

التقينا صباح يوم مشمس من أيام تشرين الأول/ أكتوبر في مكتب بمنزله المطل على بحيرة سنترال بارك في نيويورك. يشبه المكان عيادة معالج نفسي مرموق أكثر مما يشبه مقر أحد أغنى أغنياء العالم وأحد أكثر الناس نفوذاً، باتفاق مؤيديه ومعارضيه. زينت الحائط كريميّ اللون بضع لوحات تجريدية بسيطة، واصطفت على الأرفف كتب غير روائية، وفي الخلفية صوت أزيز جهاز تنقية الهواء. على العكس من برج ترامب، الذي يقع على بعد ميلين من هنا في الجادة الخامسة (Fifth Avenue)، لا توجد مصاعد ذهبية هنا.

حالياً لا تقتصر المسافة التي تفصل ترامب عن سوروس على الشخصية والذوق الفني وحسب. فقد أصبح الرئيس هو أقوى أعضاء الجوقة اليمينية العالمية من منتقدي جهود سوروس الخيرية التي تدعم مجموعة واسعة من القضايا التي لا تعجبهم، مثل حقوق الأقليات وحماية اللاجئين وتخفيف القيود على تداول المخدرات ومكافحة خطاب الكراهية. لدى سوروس الكثير من الأعداء منذ وقت طويل، أغلبهم من القادة الاستبداديين الذين تضايقهم جهوده في نشر الديموقراطية وحمايتها، ولكن عددهم زاد راهناً مع صعود نظريات المؤامرة المتعلقة بالعداء للسامية التي تطل علينا من أركان الإنترنت المظلمة.

من النادر الآن أن يمر أسبوع من دون أن يصور أحد السياسيين الشعبويين سوروس وكأنه أحد أشرار أفلام بوند القساة الذين يمتلكون مخططات شريرة لإعادة تشكيل الكوكب. في العام الماضي، لمّح ترامب إلى أن سوروس ربما قد المال لمهاجرين غير الشرعيين ليأتوا إلى الولايات المتحدة، وفي تركيا، وصفه أردوغان بـ”الرجل الذي يستأجر أشخاصاً لتقسيم الأمم وتدميرها”. في إيطاليا، زعم ماتيو سالفيني أن سوروس يريد للبلد أن تصبح “معسكراً كبيراً للاجئين لأنه يحب العبيد”. في الشهر الماضي، وبعد أن قدم سوروس دعماً مالياً لحملة “أفضل لبريطانيا”، وهي مجموعة مناهضة لبريكست، وصفه جاكوب ريس موغ بـ”زعيم معارضي بريكست” في البرلمان. أما نيغيل فاراج فقال إنه “الخطر الأكبر على العالم الغربي”.

من السهل تخيل أسباب كراهية سوروس الفورية لترامب. كونه محنكاً ومولعاً بالقراءة وفضولياً وخجولاً إلى حد ما، يجد سوروس رجال الأعمال الآخرين مملين.

بصفتي مراسلاً صحافياً في أوروبا الشرقية، لدي رؤية واضحة عن سبب العداء السياسي الذي يواجهه سوروس على مر السنوات. فقد أمضيت عقداً في روسيا، حيث كان بوتين يلومه على تنظيم الثورات في البلدان المجاورة. ففي 2015، مُنعت مؤسساته الخيرية من العمل في روسيا بدعوى أنها تشكل “تهديداً لأمن الدولة”. انتقلت في العام الماضي للإقامة في بودابست، مسقط رأس سوروس، حيث صعَّد رئيس الوزراء اليميني المتطرف فيكتور أوربان مهاجمة سوروس إلى مستوى جديد، فقد نصب آلاف اللوحات في الشوارع تصور سوروس وهو يقهقه، وتحذر المجريين من السماح له بأن يكون “صاحب الضحكة الأخيرة”.

أجلس حالياً أمام رجل ضعيف البنية، كبير السن، يرتدي كنزة كستنائية اللون ويبدو كساحر أوز. هل هذا حقاً هو صاحب النفوذ والمؤثر السياسي القوي الذي يخشاه قوميو العالم؟ سيُتم سوروس عامه التسعين العام المقبل، وتظهر على وجهه تجاعيد الزمن، وانتفاخات الجفون أسفل العينين. لم يعد يسمع جيداً، لذا يُعطى زواره مكبر صوت متصل مباشرةً بسماعة في أذنه. يتحدث ببطء، ويفكر لبضع ثوانٍ قبل أن يجد الكلمات المناسبة، ويبدو في عينيه الضيق في خلال تلك الثواني، وكأن الذهن يضايقه بطء الفم في الكلام. لكن المظاهر خداعة، فلا يزال سوروس يمتلك جدول أعمال مزدحماً، ويعيش متنقلاً بين مانهاتن وشمال ولاية نيويورك مع زوجته الثالثة تاميكو، ويمضي أشهراً من كل عام في السفر.

سألته عما يساعده على الاستمرار، بخاصة في ظل الهجمات الشديدة التي يواجهها، فأجاب مبتسماً بلهجة مجرية لا تزال واضحة، “إنها تشكل تحدياً بالنسبة إلي، لذلك فهي تمدني بالطاقة. حين أنظر إلى قائمة الأشخاص، أو الحركات، أو الدول التي تهاجمني، يشعرني ذلك بأن ما أفعله لا بد أن يكون الصواب. أنا فخور بقائمة أعدائي”.

لا شك في أن أعداءه يشكلون قائمة من الساسة الأقل تقدمية في العالم. لكن حين تنتشر ملصقات ضد سوروس على حيطان بودابست، المدينة التي عاش فيها سوروس في أثناء الهولوكوست، معيدة إلى الأذهان ملصقات الثلاثينات النازية حول “اليهودي الضاحك” ذي النفوذ، فهل يعتبر هذا تعدياً للحدود؟ فقد كان أوربان صريحاً في عدائه لسوروس. يعلق سوروس على ذلك بنبرة واقعية قائلاً، “أنا لا أنظر إلى الأمر بصورة شخصية، ولا أعتبر هذا الصراع صراعاً شخصياً. خلافاتنا ليست شخصية، بل أيديولوجية، فنحن نمثل رؤيتين متضادتين للعالم”.

على مر السنين، كان لإنفاق سوروس تأثير لم يكن معظم الأفراد ليحلموا به. في سبعينات القرن الماضي وثمانيناته، جمع أموالاً لصندوق التحوُّط الذي أسّسه بصورة أسرع من أي شخص آخر في هذا المضمار، وسرعان ما بدأ توزيعها بالسرعة ذاتها. لا تزال ثروته تصل إلى 8 مليارات دولار، حتى بعد تحويل نحو 18 مليار دولار من أمواله الشخصية إلى مؤسساته (تنفق هذه المؤسسات حالياً ما يقدَّر بنحو مليار دولار سنوياً في جميع أنحاء العالم). يقول: “لا يرضيني إنفاق الأموال على جمع اللوحات الفنية”. لكن أعماله الخيرية لا تنبع من فضيلة الإيثار، فهو يعترف قائلاً: “لديّ غرور كبير، ولن يرضي غروري هذا سوى محاولة جعل العالم مكاناً أفضل”.

بدأ تقديم المال والدعم التنظيمي للحركات الداعية إلى الديموقراطية في جميع أنحاء بلدان الكتلة الشيوعية السابقة. انطلقت أولى مؤسسات سوروس في المجر عام 1984، وكانت مشروعاً مبكراً رمزياً شمل استيراد أجهزة تصوير ضوئية للتنظيمات المعارِضة لمساعدتها على نشر رسائلها. كانت هذه مقدمة أساسية، تطوّرت بعد ذلك بسنوات في روسيا. أنفق سوروس نحو 100 مليون دولار في تسعينات القرن الماضي لربط الجامعات الإقليمية بالإنترنت. منذ ذلك الحين، موَّل مجموعة من الأعمال الخيرية في جميع أنحاء العالم، بدءاً من البرامج الثقافية وصولاً إلى برامج الرعاية الصحية، والهدف الذي يجمع في ما بينها هو النهوض بـ”المجتمع المفتوح”. في مجموعة من المقالات والخطب نُشرَت الشهرَ الماضي تحت عنوان “دفاعاً عن المجتمع المفتوح”، يرى سوروس أننا نعيش الآن “لحظةً ثورية”. يتذكر لحظتَين مثل هذه اللحظة، وهما الحرب العالمية الثانية ولحظة انهيار الشيوعية التي صادفت بداية أعماله الخيرية. في ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته، عندما كان يضخّ مئات الملايين من الدولارات في وسط أوروبا وشرقها، شعر بأنه كان يسير مع التيار. سقطت الأنظمة القمعية، ويبدو أن الزخم كان مع الشعوب والسياسيين الذين يريدون مجتمعات أكثر انفتاحاً وتسامحاً. ثم “انقلب التيار” ضده، كما يقول سوروس.

أمضى سوروس دقيقةً واحدة في محاولة تذكُّر أحد الأسماء. تذكَّرَه، في النهاية: مارتن لوثر كينغ؛ مكرِّراً أحد أقواله “قوسُ الكونِ الأخلاقيِّ طويلٌ، ولكنه يميل نحو العدالة”. ثم عقَّب وعيناه تبرقان “لا أعتقد أن هذا صحيح. أعتقد أننا نحتاج إلى ثني القوس”.

وُلد سوروس في عائلة يهودية في المجر عام 1930، وأمضى فترةَ الحرب العالمية الثانية مختبئاً. اشترى والده هوية غير يهودية مزوَّرة، لحمايته عندما قامت قوات الاحتلال الألمانية وحلفاؤها المجريون بجمع اليهود وإرسالهم ليلقوا حتفهم. ثم غادر سوروس، عام 1947، المجر -الذي تحول إلى الشيوعية- متوجّهاً إلى بريطانيا، حيث عمل في سلسلة من الوظائف الوضيعة، شملت حارسَ إنقاذ في حمام سباحة وحمّالاً في محطة القطار وعارضاً في مصنع للأزياء. عام 1949، حصل على القبول في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، حيث تتلمَذ على يد الفيلسوف النمساوي كارل بوبر، الذي زرع فيه مفهوم “المجتمع المفتوح” مدى الحياة. كان التمييز الرئيسي لبوبر هو بين “المجتمعات المغلقة” التي تدّعي أنها تمتلك حقيقة واحدة يجب على السكان قبولها والرضوخ لها، وبين “المجتمعات المفتوحة” التي تسمح وتطلب من المواطنين اتخاذ خياراتهم.

بعدما عاش في ظل الأنظمة الفاشية والشيوعية، أصبح سوروس مفتوناً بهذه الفكرة، فأمضى سنوات في القراءة والكتابة حول هذا الموضوع في أوقات فراغه، واستمر في بذل جهوده الخيرية. أوضح في كتابه أن هذا مبدأ يجب الدفاع عنه مراراً وتكراراً، قائلاً: “سيكون للمجتمع المفتوح دائماً أعداؤه، وعلى كل جيل أن يعيد تأكيد التزامه بهذا المجتمع حتى ينجو”.

انتقل سوروس إلى الولايات المتحدة عام 1956. كان يخطط لنيل وظيفة في وول ستريت، وجني 500 ألف دولار في سوق الأسهم، ثم العودة إلى لندن لدراسة الفلسفة. عمل في مجموعة من وظائف تداوُل الأسهم، ثم عمل في إدارة أحد صناديق التحوُّط الأولى – باستخدام الاستثمارات طويلة وقصيرة الأمد في السوق. اتضح أنه كان بارعاً في كسب المال وضخِّه في الأسواق المختلفة والخروج منها بسرعة، وقال إن جزءاً أساسياً من نجاحه يكمن في الاعتراف بأخطائه وتصويبها.

وُلد سوروس في عائلة يهودية في المجر عام 1930، وأمضى فترةَ الحرب العالمية الثانية مختبئاً.

أصبح سوروس عام 1992 معروفاً باسم “الرجل الذي فلَّسَ بنك إنكلترا”، إذ ساهمت رهاناته ضد الجنيه الاسترليني فيما حدث “يوم الأربعاء الأسود”. فقد اضطرت الحكومة البريطانية إلى سحب الجنيه من آليات سعر الصرف، وكسب سوروس نحو مليار دولار، تعرَّض بسببه للذمّ من قِبَل الصحف. لم يعرب عن ندمه لكسب ثروة من تكهّنات العملة، متذرّعاً بأن الآخرين كانوا لِيفعلوا الشيءَ نفسه إن لم يفعله هو. وقال إن الدور الذي قِيل إنه لعِبَه في “الأربعاء الأسود” مبالَغٌ فيه، لكنه قال أيضاً إنّ التوقيت كان حليفه: لقد كان يبحث عن جمهور أكبر. وكتب في كتابه الجديد “لقد سمحتُ عن قصد بحدوث ذلك من أجل إنشاء منصّة يمكن أن أتحدث عنها بشأن قضايا أخرى. لقد نجحت. فجأة أصبح لي صوتٌ مسموع”.

في الوقت نفسه، زاد سوروس حجمَ إنفاقه الخيري بشكل ملحوظ. وعلى عكس معظم الصناديق البيروقراطية الكبيرة الأخرى، التي تقع سلطة اتخاذ القرارات فيها بيد مجالس الإدارة، كان سوروس يُشارك شخصياً في المناقشات حول مصير الأموال المُنفَقة. تشعر عند الحديث إليه بأنه مدفوعٌ بتأثير المَظالِم البنيويّة في المجتمع أكثر بكثير من المعاناة الفردية.

قدَّم سوروس، في مناسبات معينة، مساعداتٍ إنسانيةً خالصة، منها 50 مليون دولار لمساعدة المواطنين المحاصرين في سراييفو إبان حرب البوسنة، وقدَّم مِنَحاً لأكثر من 30 ألف عالم روسي في تسعينات القرن الماضي ليساعدهم على مواصلة أبحاثهم. لكنك ترى شغفَه الحقيقي جلياً حين يتحدث عن الإصلاح المؤسَّسي بعيد المدى أكثر مما تراه في المساعدات الطارئة. حين أسأله عن أكثر مشاريعه مدعاةً لفخره، فإنّه يتحدث عن التقدم السياسي الواعد في أوكرانيا، وإن لم يكتمل بعد؛ إذ دعمت مؤسسته طيفاً متنوعاً من برامج المجتمع المدني خلال العقود الماضية. وفي هذا الخصوص يقول “لطالماً أردت النجاح على المدى القريب، لكن مع الخبرة وصلتُ إلى درس مفاده أن النجاح الحقيقي يتطلّب 25 عاماً. خذ على سبيل المثال بلداً مثل أوكرانيا التي شهدت عدداً من الثورات فشلت جميعها، لكن لديهم الآن انتخابات حرة ونزيهة”، في إشارة إلى انتخاب الرئيس فولوديمير زيلنسكي في وقت سابق من هذا العام.

خلال الانتخابات الأوكرانية لعام 2004، أشارَت مسوحُ اقتراع الناخبين -التي أجرتها إحدى المؤسسات التي يموّلها سوروس- إلى نتائج مختلفة للغاية عن الإحصاءات الرسمية، واضطر فيكتور يانوكوفيتش، الذي “فاز” بالجولة الأولى من الاقتراع، إلى التنازل. إلّا أنّه عاد إلى السلطة في 2010، ثم أطيحَ به بعد صداماتٍ دامية في 2014.

يقول سوروس إنّ تلك الثورات كانت حتميةً، لكنّها ليست كافية، ويضيف أنّ “الحكام الديكتاتوريين، إذا نجحوا في مساعيهم، دائماً ما يتمادون فيها، وذلك لعدم وجود ضوابط وتوازُنات (أو فصل بين السلطات) تردعهم. ثم تأتي مرحلة يتمرد فيها أولئك الذين طالما خضعوا للطاعة، وتحدث ثورة. عادةً ما تفشَل الثورات. فالبلاد بحاجة إلى تطوير مؤسسات، وهي تحديداً غاية المجتمعات المفتوحة”. في الماضي كان بوتين يلقي باللائمة على سوروس لإثارة الاضطرابات، وهو الأمر الذي ينكره، لكن بأسلوبٍ مشروط، لا يُطمئِن الرئيسَ الروسي. يقول سوروس: “إنّ الشعب هو مَن ثارَ وتمرد. ما فعلتُه هو أنني دعمتُهم للقيام بهذا، من خلال خطوات اتخذتها مؤسساتي، من قبيل إعداد صناديق موثوقة لإجراء مسوح اقتراع الناخبين”. فهذا الأسلوب هو ما أثار منتقديه: لن يشعر الحكام المستبدون بالتهديد بسبب توزيع أدوات مكافحة الحشرات الطائرة أو إمدادات غذائية عاجلة، ولكن الأمر يختلف عند تمويل وسائل الإعلام النقديّة وجمعيّات الدعم القانوني ومجموعات الدفاع عن حقوق الأقليات.

أخيراً، ظهر أوربان من ميدان تنافسي دولي ليكونَ أشرسَ منتقدي سوروس. كمشاغب شاب مناهضٍ للشيوعية في أواخر ثمانينات القرن الماضي، تلقى أوربان ورفاقُه الديموقراطيون تمويلاً من سوروس عبرَ مؤسسته الجديدة في المجر. بل فاز أوربان بمنحةٍ دراسية من تمويل سوروس للدراسة لمدة عام في جامعة أوكسفورد البريطانيّة العريقة عام 1989. بعد ثلاثة عقود، تُشير وسائل الإعلام التابعة لرئيس الوزراء المجري إلى “خطة سوروس” لدفع ملايين المهاجرين إلى أوروبا من أجل تدمير القارة. في العام الماضي، مرر البرلمان المجري قانونَ “إيقاف سوروس” الذي يحوي -إضافةً إلى أمور أخرى- فرضَ ضرائب بنسبة 25 في المئة على أيّ مؤسسة تقدِّم مساعداتٍ أو دعماً للمهاجرين. واضطرت جامعة أوروبا الوسطى (CEU)، الممولة من قِبَل سوروس، إلى نقل معظم أنشطتها من العاصمة المجرية بودابست إلى العاصمة النمساوية فيينا.

أعماله الخيرية لا تنبع من فضيلة الإيثار، فهو يعترف قائلاً: “لديّ غرور كبير، ولن يرضي غروري هذا سوى محاولة جعل العالم مكاناً أفضل

ومثل الكثير من منتقدي سوروس اليمينيين، عادةً ما يستخدم أوربان في هجومه تعبيراتٍ معاديةً للسامية لا تكاد تخفى. في الربيع الماضي (ربيع عام 2019)، شاهدت رئيس الوزراء يُلقي خطاباً خارج مبنى البرلمان الجميل المزخرَف، في الميدان ذاتِه الذي عاش فيه سوروس طفولتَه. وخاطَب أوربان حشداً يلوّح بالأعلام قائلاً: “إنّنا نحارِب عدواً مختلفاً عنّا. إنّه عدوٌّ ليس منفتحاً، وإنّما متخفٍ، ليس مباشراً واضِحاً، وإنّما ماكرٌ مخادِع؛ ليس صادقاً أميناً، وإنّما خسيس حقير، ليس وطنياً محلياً، وإنّما عالميٌّ دولي. إنّه لا يؤمن بقيمة العمل وإنما يُضارِب بالأموال. ليس لعدونا موطنٌ، فهو يشعر بأنّه يمتلك العالَم كله”. ألقيَ هذا الخطاب الذي يعج بعباراتٍ معادية للسامية على بُعدِ مئاتِ الأمتار فقط من نصبٍ تذكاري أقيمَ في موضع إعدام مئات اليهود على أيدي الفاشيين أثناء الحرب العالميّة الثانية.

سألتُ المتحدثَ باسم أوربان، زولتان كوفاكس، حول ذلك الخطاب، فأنكر أنّه كان معادياً للسامية؛ بل ألمح إلى أنّ سؤالي هو ما قد يُعَد معادياً للساميّة، لأنه قد يعني ضمناً أنّ اليهود فقط هم مَن يتلاعب بالأموال ويُضارِب بها. وقال إنّ مشكلة الحكومة المجرية مع سوروس هي توظيفه المنظمات غير الحكومية لأغراض سياسية، على رغم عدم امتلاكه “تفويضاً” بهذا. وأضاف أنّ “هنالك تصوراً مفاده أنّ أيّ منظّمة غير حكومية هي شيءٌ جيد بالضرورة، ولكن هذا ليس صحيحاً”.

قد يتساءل كثيرون -لا اليمينيّون فقط- إن كان كوفاكس محقاً. لو أزلنا جانبَ معاداة السامية والانتهازية السياسية من هجوم أوربان، فهل يحقّ لقائدٍ مثله الخوفُ من أعمال مؤسسات سوروس؟ يهز سوروس كتفَيه ويتجاهل السؤال، قائلاً: “مفاهيمنا عن المجتمع الجيد على طرفي النقيض. لقد دعمتُ أوربان سابقاً لأنّه في ذلك الوقت كان داعماً في غاية الحماسة لمبدأ المجتمع المفتوح، ولكنه أصبح استغلالياً وأنشأ دولةَ مافيا”.

قد يقول مؤيدو سوروس إنّ ما يعتبره القادة اليمينيون “تدخلات سياسية” ليس سوى دعمٍ لمجتمعاتٍ حرة وأكثر تسامحاً. في وقتٍ سابقٍ من هذا العام، أخبرتني زوزانا سابوتوفا، التي انتُخِبَت رئيسةً لجمهوريّة سلوفاكيا في حزيران/ يونيو الماضي، أنّ من الخطأ أنْ تتهمَ حكوماتُ المنطقة سوروس بالتدخل السياسي. وبصفتِها ناشطة سابقة في قطاع المجتمع المدني، تلقت سابوتوفا في الماضي دعماً من مؤسّسات سوروس، وتتبنى خطاباً مختلفاً للغاية. وقالت لي في نيسان/ أبريل الماضي، بُعَيد فوزِها في الانتخابات إنّه “بفضل أموال هذه المؤسّسة قمنا بالكثير من الأعمال الرائعة والقيِّمة في سلوفاكيا. كان معظم تلك الأموال والهِبات، عموماً، دعماً للديموقراطيّة، وليس إملاءً أو توجيهاً إلى قضايا محددة”.

قصة بريكست

ولكن ألَا يُعد الانحيازَ إلى طرفٍ في الجدل الدائر حول بريكست، مثلاً، انخراطاً في عملية سياسية؟ يقول هو نفسه إنه يصلُح الجواب على هذا السؤال بالنفي والإيجاب، ويضيف “إن هذا يندرج في تصنيف ما أسميه الأعمال الخيرية السياسية. بريكست عملية تفكيك مضرة للجانبَين، فهي أكثر ضرراً للبريطانيين بصورة نسبية، وأكثر ضرراً لأوروبا بصورة مطلَقة. والأهم من كل ذلك أنه تمكن حماية القِيم الأوروبية بشكلٍ أفضل في حال الوحدة بين أوروبا وبريطانيا. إضافةً إلى هذا، لم توظَّف مساهماتي لأغراض حزبية أو انتخابية، وإنّما لتثقيف وتعليم الجمهور البريطاني”.

بعد مرور ساعة على المقابلة، سأل سوروس عما إذا كان بوسعنا أن نأخذ استراحة، فقد نفدت البطاريات في سماعة أُذنه. ولذا جاءت زوجته تاميكو، وغادرا الغرفة معاً لدقائق لتغييرها. وعند عودته، واصلنا الحديث حول ذاك الرجل الذي يعيش بعيداً من الجادة الخامسة. لا يُحب سوروس التطرق إلى الأمور الشخصية. يتحدث بحرص شديد، حتى عندما يتعلق الأمر بأوربان، ينأى سوروس بنفسه عن تشويه سمعة الآخرين، قائلاً إن ذلك الصراع الدائر بينهما، ليس سوى اختلاف بين أيديولوجيات مُتناحرة. بيد أن موقفه تجاه ترامب، يُعد استثناءً عن ذلك، فهو لا يعبأ بإخفاء ازدرائه له. ويصفه قائلاً، “أعتقد أنه شخص بارع في خداع الناس للحصول على أموالهم، وقد فاق نجاحه توقعاته الشخصية، فما أنجزه ترامب هو بمثابة تحقيق الحلم لشخص نرجسي، وهذا ما يدفعه للمضي قدماً”.

بيد أن سوروس يعتقد أن هذا المزيج من التفاخر بالنفس والشعور بانعدام الأمن، كان سبباً في إقدام الرئيس على اتخاذ قرارات مروعة. “على نحو ما، نحن محظوظون بوجوده بسبب التناقض الداخلي في شخصيته، فهو أسوأ عدو لنفسه. كما أنه يحفر قبره بيديه، بسبب إدمانه على النرجسية”.

أعماله الخيرية لا تنبع من فضيلة الإيثار، فهو يعترف قائلاً: “لديّ غرور كبير، ولن يرضي غروري هذا سوى محاولة جعل العالم مكاناً أفضل

في السنوات الأخيرة، أصبح سوروس واحداً من أكبر المتبرعين للقضايا الديموقراطية والمرشحين الديموقراطيين. ومن بين المجموعة الحالية من المتنافسين، يُصر على عدم رغبته في تأييد أي من المرشحين علناً، معللاً ذلك بقوله، “لا يتعين على أحد كبار المانحين، اتخاذ قرار بشأن ذلك الأمر، بل لا بد أن يقرر الناخبون”، ولكنه على رغم ذلك يتحدث عن إليزابيث وارن بكل أعجاب. قائلاً، “إنها تتمتع بالخبرة والقدرة اللازمة لهذا المنصب. فضلاً عن أنها تُدرك عيوب النظام السائد، ولديها أفكار مُبتكرة حول كيفية إصلاحها. وإذا ما عُقدت مُناظرات بينها وبين ترامب، ستجعل منه لحماً مفروماً”.

أبدى سوروس أيضاً إعجابه بخطط وارن لزيادة الضرائب على الأثرياء. فعلى رغم أنه يجني أرباحاً طائلةً، فإنه يعتبر نفسه من أشد المُنتقدين للنظام المالي الحالي منذ أمد بعيد. وأوضح أن “التفاوت في الثروة الذي تشهده الولايات المتحدة ساهم بكل تأكيد في وصول ترامب إلى السلطة”. فمنذ عام 1997، كتب أن الرأسمالية القائمة على مبدأ “عدم التدخل الحكومي في السوق”، وما صاحبها من تأكيد سيادة السوق، كانا تهديداً جديداً على أي مجتمع مفتوح. وقد أعرب خلال المقابلة، عن رغبته في فرض ضريبة على الأغنياء يدفعها فاحشو الثراء -بمن فيهم هو نفسه- نظراً إلى أن ذلك أفضل طريقة لتمويل الإنفاق الضروري على أزمة المناخ، وهي واحدة من الأزمات التي يرى أن رئاسة ترامب حولتها إلى كارثة حقيقية. كما أشار إلى أن “هناك علاقة بين مشكلات المجتمع المفتوح ومشكلات تغير المناخ… ففي ظل وجود شخص مثل ترامب يعتقد أنها أزمة وهمية، تزداد صعوبة اتخاذ خطوات جادة وضرورية للسيطرة عليها بدرجة كبيرة”.

في غضون ذلك، ومع احتدام الخطاب المعادي لسوروس، بدأ موظفوه يولون اهتماماً لسلامته بقدر أكبر من الجدية. ففي العام الماضي، أُرسل جهاز متفجر إلى مقر إقامة سوروس في نيويورك. وسرعان ما تم الكشف عنه ولم يُصب أحد بجروح، بيد أن ذلك أوضح أن التهديدات على حياته ليست افتراضية. لكن، هل قيد ذلك من أفعاله وتحركاته؟ أجاب على هذا التساؤل قائلاً، “أنا على استعداد للمجازفة بحياتي دفاعاً عن أفكاري ومعتقداتي إذا لزم الأمر، ولكنني لا أُعرض نفسي لخطر لا داعي له”. وأضاف أنه من المستبعد أن يعود إلى المجر في الوقت الذي يتولى فيه أوربان السلطة، خوفاً من أن تتسبب الدعاية القاسية المتواصلة في حدوث اعتداء جسدي عليه. وأوضح أن “زيارته إلى هناك، قد تكون محفوفة بالمخاطر، لأن أوربان لديه أتباع مُخلصون متشددون، تماماً مثل ترامب، وقد يحاولون إيذائي”.

بعد أيام على لقائنا، حضر سوروس اجتماع مجلس إدارة مؤسسته في الولايات المتحدة، وركزت المناقشات حول الطريقة التي تمكن من خلالها موائمة عمل المؤسسة للتصدي للمشهد السياسي المتغير. وبالفعل تبرع سوروس بعشرة ملايين دولار لبرنامج يهدف إلى مواجهة الارتفاع المفاجئ في جرائم الكراهية في أميركا. وخلال الاجتماع، تم تحديد ميزانية عام 2020 لمؤسسته في الولايات المتحدة بنحو 185 مليون دولار، أي ما يقرب من ضعف ميزانية عام 2016. وأوضح أنه “في الوقت الحالي، ما زالت تلك الأزمة المُستمرة التي تعاني منها دول العالم المُتقدم، هي التي تحتاج إلى جل اهتمامنا”.

يبدو جلياً أن الوقت ليس في مصلحة سوروس، ولكن من المرجح أن يخلفه نجله أليكس الذي يبلغ من العمر 34 سنة، في إدارة المؤسسات. سألت سوروس ما إذا كان خائفاً من الموت. فأجاب قائلاً: “إن الأمر المُخيف للغاية، هو فقدان الوعي، ولا سيما بالنسبة إلى شخص مثلي، يعكف على التفكير وفهم العالم. إلا أن الموت نتيجة طبيعية للولادة، ولذا فليس هناك ما نخشاه”. ومع ذلك، هل يُفكر فيه كثيراً؟ رد قائلاً، “في بادئ الأمر، أردت أن أنفق أموالي كلها وأنا على قيد الحياة، ولكنني أدركت بعد ذلك أن هذا قد يكون فعلاً أنانياً للغاية. فهناك أشخاص كثيرون غيري كرسوا حياتهم للعمل من أجل المؤسسة، وأنا مدين لهم بتمكينهم من الاستمرار حتى بعد مماتي”. وكما هي الحال في الكثير من المقابلات فقد أجاب على سؤال آخر مختلف بعض الشيء عن السؤال الذي طرحته عليه. الأمر الذي جعلني مُتشككاً مما إذا كان ذلك الخلط نتيجة الشيخوخة أم أنه على الأرجح، مناورة ماكرة للإفصاح عن المعلومات على طريقته الخاصة.

في كتابه الجديد، يصف سوروس عام 2016، بأنه “الحضيض” من حيث الابتعاد من المجتمعات المفتوحة، بخاصة استفتاء بريكسيت وانتخاب ترامب. بيد أنه قال لي إنه يرى الآن بعض العلامات التي تُشير إلى أن “هذا التيار بدأ يتراجع من جديد”: فهناك زخم متزايد حول مناقشة عزل ترامب، ثم هناك انتخابات البرلمان الأوروبي التي أجريت في وقت سابق من هذا العام، والتي لم يحقق فيها القوميون الكثير من النجاحات كما كان يخشى كثيرون. وبوصفه شخصاً شهد الأهوال التي عانت منها أوروبا في ظل حكم النازيين، فهل يتصور أن هؤلاء الذين يقارنون الوضع الراهن بهذه الحقبة، مخطئون في آرائهم – أم أن العالم يتجه نحو حقبة مظلمة حقاً؟

وقال، “لا يُمكننا بكل تأكيد أن نستبعد ذلك”. ولكن هذا يعتمد علينا جميعاً بلا استثناء. وأضاف، “لا يجوز أن نقف مكتوفي الأيدي، إلى أن تسير الأمور على ما يرام من تلقاء نفسها. بل علينا أن نعمل وفقاً لمبادئنا، حتى ولو بدا الوضع ميؤوساً منه”.

هذا المقال مترجَم عن theguardian.com ولقراءة الموضوع الأصلي زوروا الرابط التالي.

رداً على تهمة “التمويل”: “درج” لا يخفي وجوه شركائه

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400