fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - Foreign Policy

ترجمة - Foreign Policy

مقالات الكاتب

جواسيس في الكرملين

تشكل العالم ثلاث حافظات جلدية، أو على الأقل عالم فلاديمير بوتين. كل صباح، بعد ممارسته السباحة والتمارين الرياضية، يبدأ الرئيس الروسي عمله بإلقاء نظرة على هذه الوثائق الثلاث الموجزة. يمنحه الملف الأول الخاص بجهاز الأمن الفيدرالي الداخلي FSB، تحليلاً عن حال البلاد، ويقدم له الملف الثاني الخاص بوكالة المخابرات الخارجية SVR، صورة عامة للوضع العالمي. أما الملف الثالث والأخير والخاص بوكالة الحماية الفدرالية FSO-بمثابة حارسه الشخصي- فيعطيه مُلخصاً عن ما يحصل بين النخبة المحلية.

لا شيء غير مألوف في أن يَستلم رئيس دولة، موجزات صباحية، حول الأوضاع العالمية والمحلية. في الولايات المتحدة على سبيل المثال، يتواصل تدفق المعلومات الاستخباراتية الحساسة إلى المكتب البيضاوي بفضل التقرير اليومي الموجز الخاص بالرئيس. إلا أن هناك جوانب عدة متفردة في الإجراءات الروسية المتبعة في هذا الإطار. تشير هذه الإجراءات -جنباً إلى جنب- إلى أن حكومة بوتين تتحول من حكومة “أوتوقراطية” إلى نوع من الحكومات التي تمكن تسميتها: “سبوكُوقراطية”  (spookocracy) أو حكومة “جاسوسية”، بمعنى أصح حكومة يديرها جواسيس. وتثير الآثار المترتبة على ذلك، القلق حول روسيا… والعالم.

يُقال الكثير عن بداية مشوار بوتين المهني في لجنة أمن الدولة “كي جي بي” -جهاز الأمن في الحقبة السوفياتية- والثلاثة عشر شهراً التي أمضاها، عامي 1998 و1999، بصفته رئيساً لجهاز الأمن الفيدرالي. على رغم ذلك وبكل المقاييس، كان بوتين موظفاً ميدانياً عادياً ومديراً غير مميز لا يمكن تذكره. خلال سنوات عمله الـ16 في لجنة أمن الدولة، كان مقر عمله الأساسي ألمانيا الشرقية، حيث أمضى معظم وقته في إعداد تقارير وجمع قصاصات الصحف للآخرين من أجل دراستها، لم يتم التعهد إليه بأيّ مهمات في الغرب ولم يحصل على أيّ جوائز ولم يتول مسؤولية القيادة يوماً.

أمضى بوتين معظم السنوات التي تلت انهيار الاتحاد السوفياتي، في العمل بحكومة مدينة سانت بطرسبرغ، حيث ترقّى ليصبح نائب رئيس بلدية. وبعد انقطاعٍ عن عالم الاستخبارات دام 7 سنوات -العالم الذي أخفق في شق طريقه خلاله والارتقاء فيه- عُين رئيساً لإدارة جهاز الأمن الفيدرالي وذلك لأسباب سياسية بالأساس، إذ أراد الرئيس بوريس يلتسن شخصاً ظن أنه سيكون وفياً وموثوقاً ومستعداً للتستر على أخطاء رؤسائه وعيوبهم. كانت هذه الدوافع واضحة بالنسبة إلى العاملين الدائمين في جهاز الأمن الفيدرالي، فبحسب ما ذكر موظف بارز سابق من داخل جهاز الأمن، “بوتين لم يكن يعرف الأشخاص المحيطين به أو طبيعة العمل بالجهاز وكيفية إدارته في هذا المستوى”.

يبقى بوتين عميلاً استخباراتياً غير محترف، ناهيك بأن يكون متمرساً مخضرماً في ما يسميه الروس الأجهزة الاستخباراتية الخاصة، لكن بدلاً من ذلك يمكن اعتباره أحد أكبر معجبيهم. وتضم قائمة الجواسيس المخضرمين الذين جندهم بوتين في حاشيته، سيرغي إيفانوف رئيس الأركان السابق (زميل فلاديمير بوتين السابق في الاستخبارات السوفيتية)، ونائب رئيس الوزراء دميتري كوزاك (الذي عمل سابقاً في جهاز الاستخبارات العسكرية الخارجية المعروف باسم “GRU” أو مديرية المخابرات الرئيسية). يضاف إليهم بعض أصحاب رأس المال والأليغاركيين مثل إيغور سيتشين رئيس شركة “روسنفت” للنفط (الذي يُعتقد بصورة كبيرة أنه كان ضابطاً سابقاً في مديرية المخابرات الرئيسة GRU)، ونيكولاي باتروشيف السكرتير الحالي لمجلس الأمن، وهو هيئة استشارية للرئيس الروسي ويمكن اعتبارها بمثابة مستشار الأمن القومي في النظام الروسي. (كان باتروشيف نفسه مديراً لجهاز الأمن الفيدرالي سابقاً، وعند المقارنة، يبدو بوتين مسالماً أمامه، وهو الذي صرح أنه يؤمن بأن الولايات المتحدة تريد تمزيق روسيا).

تقرّب بوتين إلى الجواسيس رفيعي المستوى، لأنهم أثقلوا خبرته حول عالم لم يتمكن من إِخضاعه بنفسه، وأخفى جوانب القصور لديه من خلال إحاطة نفسه بأولئك الخبراء. في المقابل، تنافسوا في ما بينهم لمصلحته. وتعلموا أن لا شيء يكسبهم احترام بوتين أكثر من إخباره بما يرغب في سماعه، وليس ما تجب عليه معرفته. وأخبرني ضابط سابق في المخابرات الروسية، أنهم تعلموا أن، “عليك ألا تحمل أخباراً سيئة إلى طاولة القيصر”.

يبقى بوتين عميلاً استخباراتياً غير محترف، ناهيك بأن يكون متمرساً مخضرماً في ما يسميه الروس الأجهزة الاستخباراتية الخاصة، لكن بدلاً من ذلك يمكن اعتباره أحد أكبر معجبيهم.

تمتلك الأجهزة الخاصة الروسية تأثيراً هائلاً في طريقة تشكيل نظرة بوتين للعالم. على سبيل المثال، وفقاً لِمصادر في إدارة شؤون الرئاسة، عندما كانت أوكرانيا في خضم “ثورة يورو ميدان” (ثورة الميدان الأوروبي) في عامي 2013 و2014، حذرت وكالة المخابرات الخارجية من أن منصب الرئيس فيكتور يانوكوفيتش، الرئيس الأوكراني وقتها، كان في خطر شديد. على النقيض من ذلك، طمأن جهاز الأمن الفيدرالي بوتين، مؤكداً أن كل شيء تحت السيطرة. لكن عندما أُجبر يانوكوفيتش على الفرار إلى روسيا، لم تتلق وكالة المخابرات الخارجية ثناءً على نظرتها السديدة، بل عوقبت بدلاً من ذلك، بطرد مسؤولين فيها، في حين نجا جهاز الأمن الفيدرالي الأكثر حنكة من الناحية السياسية من المساءلة. فعلى ما يبدو قبِل بوتين تفسير الجهاز بأن المخابرات الغربية كانت تقف وراء الثورة الأوكرانية، وأن هذا كان خطأ وكالة المخابرات الخارجية لعدم تحذيرها من ذلك قبل وقتٍ كاف.

ليس غريباً أن تصبح المنافسة بين الأجهزة الاستخباراتية الروسية من أجل إرضاء الزعيم في غاية الشراسة في بعض الأحيان. بخلاف التقرير اليومي الموجز للرئيس، وهو عبارة عن ملف واحد يعده رئيس الاستخبارات الوطنية، يقدم كل جهاز روسي على حدة تقريراً موجزاً للرئيس، شفهياً ومكتوباً أيضاً. كما لا توجد هيئة مثل مؤسسة الاستخبارات المشتركة التابعة لمكتب رئاسة الوزراء البريطاني للتوليف بين وجهات النظر المختلفة لجميع الوكالات الاستخباراتية ومحاولة تسوية التناقضات قبل وصولها إلى صانعي السياسات. والنتيجة هي تصاعد الصراع بين الوكالات الاستخباراتية المسيسة، بينما تتنافس في ما بينها لتقديم أكثر وجهات النظر جاذبية أيديولوجياً، وتطعن بعضها بعضاً من الخلف.

تفاقم تملق المنظمات الجاسوسية الروسية للرئيس في السنوات الأخيرة، وبمرور الوقت، أصبح بوتين -مثل الكثير من القادة الديكتاتوريين- أقل تسامحاً مع وجهات النظرة البديلة، وأصبحت دائرة المقربين منه تقتصر على الموافقين على كل ما يقوله ورفاقه في الاستخبارات. ربما يفسر هذا السياق سبب عدم إدراك بوتين الأوضاع الحقيقية، من خلال الجواسيس الذين يؤدون دوراً مبالغاً في تحديد أجندته. لكن هذا لا يعني أنهم مسيطرون بأي حال من الأحوال، إذ لا يزال بوتين قيصراً لا يُنازَع، ولا يمكن التشكيك في كلامه ولا يترفع عن التلاعب بالأجهزة ضد بعضها بعضاً. لكن بدلاً من ذلك، فهو يجاريهم ويتساهل معهم وعلى استعداد ليعلي كلمتهم فوق بقية المؤسسات المعنية بتقديم المعلومات والمشورة له. اعتاد بوتين سابقاً على التحدث شخصياً مع مجموعة كبيرة من المسؤولين الروسيين وسافر في أرجاء البلاد لمعاينة مشكلات الشعب عن كثب. والآن نادراً ما يغادر قصره للذهاب إلى مكاتبه في الكرملين. عادة ما يتطلب الأمر كارثة أو مناورة عسكرية أو حدثاً رياضياً لإخراجه من موسكو.

أدى تصميم بوتين على الثقة في جواسيسه، إلى حدوث سلسلة من الحسابات الخاطئة. فبعد استيلاء الروس على شبه جزيرة القرم في 2014، دعا جهاز الأمن الفيدرالي ومديرية المخابرات الرئيسية إلى شن حرب بالوكالة في جنوب شرقي أوكرانيا. وأكد الجواسيس لبوتين أنه سرعان ما ستُذعن لهم كييف وتقبل هيمنة موسكو. وبعد 5 سنوات، ما زال الروس غارقين في حرب غير معلنة وحّدت أوكرانيا وجلبت عقوبات قاسية على الاقتصاد الروسي.

وعام 2018، عندما حاولت مديرية المخابرات الرئيسية تسميم سيرغي سكريبال -ضابط سابق تحول إلى جاسوس بريطاني- تنبأ جهاز الاستخبارات العسكرية ووكالة المخابرات الخارجية بأن الاغتيال لن يؤدي سوى إلى بعض التوترات الموقتة بين روسيا والمملكة المتحدة. لكن في الواقع، أثارت محاولة الاغتيال رد فعل عالمياً غير مسبوق، فقد طردت 29 دولة 153 دبلوماسياً وجاسوساً روسياً من أراضيها. حتى إصلاحات المعاشات التقاعدية الفاشلة في روسيا العام الماضي -والتي أدت إلى احتجاجات واسعة وإقرار الحكومة المحرجة بالخطأ وتغييرها سياساتها- تم تمريرها في النهاية لأنه وفقاً لمصادر برلمانية، كان جهاز الأمن الفيدرالي واثقاً من أن الشعب سوف يتقبل هذه الإصلاحات راضخاً.

إقرأ أيضاً: الحنين إلى ستالين يكتسح شبيبة بوتين

تحدث أحد العاملين السابقين في وزارة الخارجية والذي يشعر باليأس من الأوضاع بانفتاح تام حول تأثير الجواسيس الروس، قائلاً إنه في الوقت الذي يقرأ فيه بوتين التقارير الموجزة للوزارات، “يكون اتخذ قراره بالفعل بناءً على ما أخبره به باتروشيف والأجهزة الخاصة. عندما تصطدم أو تتعارض تقاريرنا الموجزة مع بعض المعلومات المملوءة بجنون الارتياب والشك التي يروجون لها، لا يسأل عن سبب تضليلهم إياه، بل يخبرنا أننا ساذجون”.

متى أصبحت الأنظمة الأوتوقراطية أنظمة سْبوكوقراطية جاسوسية؟ ليس من داعٍ لاغتصاب السلطة الرسمية، فقط يمكن ببساطة أن يعتمد الرئيس التنفيذي على دائرة سياسة واحدة، للحصول على المعلومات والمشورة ومعرفة الخيارات المطروحة. حالياً، تعرض النتائج المرجوة في روسيا على هيئة تقارير استخباراتية موجزة، تصاغ بمنهجية وبتعمد لِتملق تحيزات الرئيس وافتراضاته الملتبسة بالارتياب.

الوضع في روسيا خطير. تعني السْبوكوقراطية التي أصبحت مسيطرة على الدولة أن النضال من أجل الاستحواذ على اهتمام بوتين وبالتالي أجندته، أصبح أكثر أهمية من إعطائه النصائح السديدة. يُبقي هذا مصادر الإرشاد والنصيحة البديلة، والتي غالباً ما تكون أفضل، بعيدة من غرفة الرئاسة. والأكثر خطورة، هو أن هذا يدفع حتى الأطراف السياسية العقلانية إلى اتخاذ قرارات سيئة. وعلى رغم أن خطر نشوب حرب مفتوحة مع الغرب ما زال بعيداً، تنبغي مراعاة أن معظم الحروب لا تندلع بسبب نقص المعلومات الاستخباراتية، وإنما بسبب المعلومات الاستخباراتية المضللة.

هذا المقال مترجم عن foreignpolicy.com ولقراءة المادة الاصلية زوروا الرابط التالي.

الطباخ الذي أصبح مستشاراً لبوتين ووكيله للمهمات القذرة

إقرأ أيضاً