fbpx

هنا القصة الثالثة

Avatar

فراس كيلاني - صحافي فلسطيني في BBC

مقالات الكاتب

جناية قيادتي رام الله وغزة بحق فلسطين إعلامياً

ثمة خلاف تضرب جذوره عميقاً فيما يتعلق بتعريف الموضوعية في الإعلام على المستوى الدولي، خاصة إذا ما ارتبط هذا التعريف بظروف استثنائية من صنع البشر، كالحروب والاحتلالات والديكتاتوريات، لكن يبدو هذا الأمر اليوم ترفاً لا لزوم له إن أريد له أن يطبق على القضية الفلسطينية.

منذ العام 1948 وإعلان قيام دولة إسرائيل، عمل الإسرائيلي بلا كلل على تثبيت روياته المستندة إلى حق تاريخي ديني مدعم بوعد إلهي بالأرض الفلسطينية. ثُبتت هذه النظرية واُعتمدت كرواية أساسية لدى الكثير من وسائل الإعلام العالمية التي استطاع الإسرائيلي النفاذ إليها عبر تحشيده لكل مكامن قوته التي استند إليها بالأساس لتأسيس الدولة.

تأخر الفلسطيني لأسباب كثيرة، ذاتية وموضوعية، حتى الستينيات في بلورة الوعي بأهمية وأولوية تثبيت الرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الإسرائيلية، وبات هذا الامر جزءاً لا يتجزأ من جهد المؤسسات الوطنية الفلسطينية عموماً، والتي نشطت  على امتداد ثلاثة عقود على الكثير من الجبهات: العسكرية والسياسية والثقافية والإعلامية والتوعوية لإيصال الصوت الفلسطيني للعالم بأسره، ونجحت في محطات كثيرة بتحقيق ذلك، وتوجت حينها بالانتفاضة الاولى.

حين أعود لقراءة الأدبيات الفلسطينية عن تلك المرحلة، من كتب ونشرات ومجلات متخصصة ودراسات وابحاث وترجمات وصحف وأفلام سينمائية وغناء وفن تشكيلي، أسمعَت صوت الفلسطيني للعالم بأسره، اتساءل كيف وصل الحال إلى ما هو عليه؟!

سأختصر المسألة بسؤال بسيط للغاية: كيف للفلسطيني أن يتحدث إل العالم اليوم والحقيقة في رام الله ليست ذاتها في غزة؟ وما يبث عبر إعلام “حماس” من القطاع لا يعدو كونه كذب وتلفيق، وفي احسن الاحوال “تقية” إخوانية بالنسبة للسلطة في رام الله، والعكس صحيح مع تغيير بعض المفردات هنا وهناك؟

كيف للفتحاوي أن يقدم نفسه اليوم كابن لحركة تحرر وطني، والشقاق داخل هذه الحركة بلغ حدّ الاتهامات بالخيانة في بعض المفاصل، بين تيار يصف نفسه بالإصلاحي، وآخر يقدم نفسه كشرعية تاريخية منزلة؟

الرئيس الفلسطيني محمود عباس

أعتقد ان أحد أهم التحديات التي تواجه الإعلام الفلسطيني اليوم هو العمل في ظل هذا المناخ من الانقسام الذي تمأسس بعد أكثر من عقد من الزمن، وهو ما سأحاول الحديث عنه من خلال تجربة شخصية من موقع عملي كمراسل جوال لقناة بي بي سي عربي التي انضممت إليها منذ نحو عشرة أعوام، وشهدت خلالها الكثير من الاحداث.

خلال زياراتي القصيرة إلى رام الله خلال الأعوام الماضية، لا أبالغ أنني ذهلت من حجم الخوف والرعب الذي بات يميز أجواء العمل في الأوساط الإعلامية في الضفة الغربية عموماً. بالنسبة لصحافي غطى ابشع الحروب خلال السنوات الماضية في سوريا والعراق وليبيا، بدا المشهد في رام الله عصياً على الفهم. 

إياك أن تأتي على ذكر احدى الشخصيات التابعة للتيار الفلاني حتى همساً.. 

إياك أن تتحدث عما يجري في سجن أريحا.. 

إياك أن تتساءل عن حقيقة ما يحكى عن فساد ومحسوبيات بين أبناء قيادات السلطة..

إياك وإياك والقائمة تطول لتشمل حتى قضايا قتل في بعض الأحيان.

هذه بعض النصائح التي اتلقاها دوما خلال زيارتي للمدينة:

كنت حاضراً في الجلسة الختامية للمجلس الوطني الفلسطيني بانتظار قراءة البيان الختامي، حين تم التوافق بعد منتصف الليل بين المجتمعين على قائمة أعضاء اللجنة التنفيذية، وسمح للإعلاميين بالدخول لتغطية الإعلان عن الحدث، قبل أن يدب الخلاف في القاعة مجدداً ويطلب منا المغادرة. 

حركة متوقعة، لكن الغير متوقع كان التهديد الذي وجه إلينا من أحد حراس الرئاسة بأن اي مراسل سجل أي كلمة مما جرى وبثها سيحاسب بشدة ويمنع من دخول مبنى المقاطعة للأبد. ودخل الرجل لمقر الاجتماع وراجع تسجيل الكاميرات واحدة واحدة قبل أن يسمح لنا بالدخول مجدداً حين توافق المجتمعون على القائمة بعد نحو نصف ساعة.

قائد حركة حماس اسماعيل هنية

للأسف لم يأت أحد من الإعلاميين على رواية ما حدث تلك الليلة، وكيف كان مدير المخابرات الفلسطينية ماجد فرح يهمس في أذن الرئيس ليسمح لأحد الأعضاء بالتحدث بعد أن كان رفض أبو مازن منحه الاذن خوفاً من معارضته للقائمة، المقصود طبعاً نبيل عمرو. انتهى الاجتماع كما اجتماعات القيادة القطرية لحزب البعث في سوريا بالتصفيق والهتاف بحياة الرئيس!!

خلال كتابتي هذه الورقة، كانت مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الاخبارية تعج بالحديث عن تسريب منزل فلسطيني تاريخي في الحي الإسلامي في القدس القديمة لمنظمة إسرائيلية، لكنني لم استطع العثور على تحقيق صحفي استقصائي واحد عن الموضوع يكشف حقيقة من يقف وراء العملية، رغم أن الوثائق المتعلقة بانتقال ملكية العقار نشرت على الملأ، بالأسماء والتواريخ.

بالطبع السبب هو أن أصابع الاتهام تتركز على شخص محدد معروف بقربه من اللواء ماجد فرج رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية، وهو ما يرد عليه الإعلام المحسوب على السلطة بتسريبات ترمي الاتهامات باتجاه شخص محسوب على تيار محمد دحلان والإمارات العربية المتحدة، في صراعٍ يبدو أن الفلسطينيين سيدفعون ثمنه غالياً.

لم تكشف الحقيقة ولا يتوقع ان تكشف، لكن السؤال الذي يطرح هنا هو: عن أي موضوعية في التعاطي مع القضية الفلسطينية نريد أن نتحدث؟

جزء كبير من صراعنا اليوم هو مع أنفسنا، مع فتح وحماس، وليس مع الإسرائيلي الذي حصن نفسه بإعلام يعرف تماماً كيف يضع حداً لأي تجاوزات مهما علت مكانة المسؤول، بدءاً من رئيس الدولة وصولاً لاصغر موظف حكومي.

حين اقول حماس، لأن ما يجري في قطاع غزة على مستوى الحريات العامة، وهي الشرط اللازم لممارسة الإعلام دوره الحقيقي، لا يقل سوءاً عن الوضع في الضفة الغربية.

بعيداً عن إعلام الحركة المؤدلج بحكم طبيعتها الدينية العقائدية المتزمتة، هل يستطيع أي إعلامي في غزة اليوم الحديث عما يدور خلف الابواب المغلقة بين حركة حماس والمخابرات المصرية وقطر والأمم المتحدة وإسرائيل؟ او ان يجري تحقيقاً صحفياً مستقلاً يكشف من يقف وراء محاولة اغتيال رئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله.

كنت حاضراً قرب السياج الحدودي عند منطقة ملكة يوم الرابع عشر من مايو ايار..اثنان وستون متظاهراً مدنياً قضوا مع انتهاء اليوم برصاص الجنود الإسرائيليين بشكل مباشر وعن قرب بالتزامن مع نقل السفارة الأميركية من تل أبيب الى القدس. عشرات الصحافيين من غزة كانوا هناك، لكن اياً منهم لم يجرؤ على نشر خبر طلب حماس من المتظاهرين الانسحاب من مواقع التظاهر بعد عودة رئيس الحركة إسماعيل هنية من القاهرة بقليل.

كان الرجل قد طُلب للقاء عاجل في القاهرة، وارسلت مروحية خاصة لتقله من منطقة معبر رفح، وبالطبع لم يكشف عن الوعود التي قدمتها المخابرات المصرية للرجل، لكن طلب حماس من مناصريها عدم التظاهر في اليوم التالي، يوم 15من أيار/مايو، وهو اليوم المخصص للتظاهرة المليونية المرتقبة منذ بدأت تظاهرات العودة في ذكرى يوم الارض، يقول الكثير عما جرى في اجتماع هنية مع المسؤولين المصريين.

اليوم، تتوج هذه الترتيبات بدخول الوقود إلى قطاع غزة بمال قطري وترتيب اممي وموافقة مصرية إسرائيلية بدون علم الرئاسة في رام الله!!

مرة أخرى، عن أي موضوعية يمكن الحديث في تغطية هذا الحدث، ثمة اتهامات يتبناها إعلام السلطة ومن يدور في فلكه في الضفة بأن ما يجري هو جزء من صفقة لإقامة دولة في غزة ضمن ترتيبات ما بات يعرف بصفقة القرن، ترد حماس وإعلامها ومن يدور في فلكه بأن السلطة هي من تنفذ الصفقة. قبل بضعة أيام أخرجت من الارشيف ما كان يعرف بوثيقة أبو مازن – بيلين التي تعود لنحو عقدين، لتؤكد أن ما يجري اليوم هو ما كان خطط له منذ ذاك الحين.

هل ثمة فرصة أمام إعلام موضوعي بديل يشكل خياراً ثالثاً بعيداً عن سلطتي الضفة وحماس ينهض بمسؤوليات كادت أن تُنسى في خضم هذه الفوضى؟ إعلام لا يكون مرتهناً لأجندات مؤسسات إعلامية عربية ودولية تدعم هذا الطرف الفلسطيني على حساب ذاك؟ ولا رهينة تمويل ما يسمى بالمؤسسات الغير حكومية NGOs؟

باعتقادي، ثمة إمكانيات فلسطينية هائلة للنهوض بواقع الإعلام الفلسطيني الذي لطالما شكل أحد أهم الأسلحة في الصراع مع إسرائيل، إن كان على مستوى الطاقات الفلسطينية الشابة في الضفة والقطاع، أو تلك التي تتصدر المشهد الإعلامي في الكثير من وسائل الإعلام العربية والدولية في شتى أنحاء العالم. 

لكن، كيف يمكن تثويرها واستنهاضها تلك مسألة بحاجة لدراسات وعمل مؤسسي كبير.

من يستطيع القيام بذلك؟

بالتأكيد ليس اي جهة فلسطينية رسمية أو فصائلية.

ثمة حاجة ملحة لاستنهاض رجال الأعمال الفلسطينيين الوطنيين في كل أنحاء العالم لتبني هكذا مشاريع، تؤسس بعد سبعة عقود على “النكبة” لقنوات وإذاعات ومواقع الكترونية فلسطينية بلغات مختلفة، تخاطب العالم بلغة القرن الحادي والعشرين، بموضوعية ونزاهة، ولن يضيرها أن تستفيد من التجربة الإسرائيلية التي نجحت في تحقيق ذلك مبكراً جداً، ولا تزال تعمل على تطويره ساعة بساعة..

 

 

إقرأ أيضاً