جسر الرينغ ملعب الحرية وبيروت الجديدة

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
لم أتصور في حياتي كلها، أن أقطع الرينغ أمام السيارات، لم أتصور أن الرينغ ساحة بالأساس، هذا الجسر الذي لطالما كان خط التماس بين بيروت الشرقية والغربية، الذي تخبرني عنه أمي، وعن الجثث المحروقة عليه، هذا الجسر أو القاطع بين وطنين، بات ساحة جامعة.

“يا أهالي الخندق نحن في نفس الخندق”، ترددت هذه العبارة في ساحات بيروت من جسر الرينغ إلى ساحتي الشهداء ورياض الصلح، كما على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد مشهد العنف والتشبيح الذي رأيناه، على جسر الرينغ والساحات الأخرى، والذي قد لمّح إليه الأمين العام لـ”حزب الله” حسن نصرالله بأنه “تحمّل للمسؤولية”.

بدا هذا المشهد واضحاً، والكلمة الوحيدة المناسبة لوصفه هي التشبيح. ويعود مفهوم التشبيح إلى زمن الوصاية السورية في لبنان، وممارسات عائلة الأسد في سوريا، حين اقترنت الممارسات القمعية بحق اللبنانيين والسوريين، بمجموعة “الشبيحة”. وهم شبان ورجال أقوياء البنية، ذوو أشناب نموذجيّة نظاميّة فاشيّة، يركبون سيّارات مرسيدس S600 لونها أسود أو جردوني تارة وذات زجاج مفيّم.

وقد أُطلق على سيارة الـS600 كنية “الشبح” لشبهها بالأشباح، مثلما شُبّهت أنواع أخرى من سيارات المرسيدس بـ”الغوّاصة” و”إمّ عيون” لشبهها بالصفة التي أطلقت عليها. من هنا أتى اسم الشبيحة، من السيارة نفسها، أو من أداة تنقل هؤلاء لممارسة “تشبيحهم” بسيارات باهظة الثمن.

في مشهديّة معاكسة للتشبيح التقليدي، ظهر إطار جديد للتشبيح في السنوات الماضية وفي الأيام الماضية القليلة في ساحة رياض الصلح وعلى جسر الرينغ وشارع مونو والنبطيّة، على الموتسيكلات وسيراً على الأقدام. تشبيح بهدف “فتح الطرق” كما قيل، أو بمعنى آخر بهدف وضع إطار لثورتنا كي تكون ثورة soirée، تبدأ بعد الدوام وتنتهي مساءً، ولا تؤثر بأيٍّ شكلٍ في حركة البلد. يريد الشبيحة على الموتوسيكلات فتح الطرق للذهاب إلى وظائف لا يمارسونها، يشبّحون بسيّارات مرسيدس لا يملكونها، يتعرضّون لناس في خندق شبيه بسوء خندقهم ذاته، يشبّحون في سوليدير الممنوعة طبقياً عليهم وعلى الثوار.

يعود مفهوم التشبيح إلى زمن الوصاية السورية في لبنان، وممارسات عائلة الأسد في سوريا، حين اقترنت الممارسات القمعية بحق اللبنانيين والسوريين، بمجموعة “الشبيحة”.

يختلف شبيحة الموتوسيكلات عن شبيحة المرسيدسات على مستويات مختلفة اجتماعياً واقتصادياً، مسجلين سرديّة جديدة للتشبيح، الذي كان يعيش حياةً بعيدة كل البعد من الفقر، بينما أصبح الشبّيح اليوم فقيراً، من دون وظيفة ومن دون مياه وكهرباء وطبابة وضمان شيخوخة ومدارس وجامعات، ومن دون حقوق مدنيّة، ما عدا حقوق وهميّة، مستمدة من خدمات الزعيم الموقتة.

مع تأزّم الوضع الاقتصادي في السنوات الأخيرة، تأزّم وضع التشبيح الاقتصادي والاجتماعي، فيما مشهد واحد صمد على مرّ تلك السنين، هو موقف القوى الأمنيّة من الشبّيحة، الذي يختصر بعدم التحرّك أو الاعتراض أو المحاسبة، لا بل بالتهيب والعجز.

يا أهالي الخندق نحن في نفس الخندق، خندق الطبقيّة والطائفيّة والأبويّة والذكوريّة والفقر والتعتير، خندق السلطة والتسلّط والتشبيح والبلطجة والظلم والاستعباد.

في كلّ مدينة أو بلدة انتفضت، خندق، وكما للثورة ثورة مضادة، لكثير من خنادق الذلّ خنادق مضادة، نحن كلنا في البلد، وليس في “سوليدير” ونحن كلنا في الخندق نفسه.

وأنا كشاب أشارك للمرة الأولى في حياتي، في حراك شعبي، أعتبره متجاوزاً لكل الحدود الطائفية والمناطقية والطبقية، أحب أن أقدم لكم شهادتي، بما شعرت به ولمسته على جسر الرينغ، بالتحديد.

فأنا، لم أتصور في حياتي كلها، أن أقطع الرينغ أمام السيارات، لم أتصور أن الرينغ ساحة بالأساس، هذا الجسر الذي لطالما كان خط التماس بين بيروت الشرقية والغربية، الذي تخبرني عنه أمي، وعن الجثث المحروقة عليه، هذا الجسر أو القاطع بين وطنين، بات ساحة جامعة.
بكل عفوية وجدت نفسي ألعب الفوتبول مع فريق الرينغ في ساحة الرينغ الجديدة. لم تفرحني بيروت أبداً إلا اليوم. فريق الرينغ هذا، وساحة الرينغ تلك، هما بالنسبة إلي، حلم تحقق، حقيقة لم أكن حتى أعلم أنها موجودة.

باتت هذه الساحة حاجزاً بشريّاً في وجه الحواجز الفكرية، التي ولدت معنا قسراً، وأزالتها ثورة 17 تشرين الأول/ أكتوبر. حواجز الطائفية والسياسة والمناطقية. خطوط التماس الوهمية أسقطتها حواجزنا البشرية، وبات ملعب الرينغ رمزاً لها. فريق الرينغ للفوتبول ليلاً، هو نفسه فريق النساء الجميلات الثائرات قاطعات الطرق بوجه قطاع الطرق، وكل من صنع من الرينغ خط تماس، بدلاً من جسر فكري. فريق الرينغ أعاد جسر تواصلنا وبدّد أي خطٍ أو حاجزٍ. هذا الجسر برمزيته للحرب الأهلية أسقطه فريق الرينغ وأسقط كل ما في الفكر من حواجز.
ثورة الرينغ هي ثورة الفكر على حواجزه، ثورة الأطفال في الشارع، هي ثورة المدينة على طغاتها. تقطعون الطرق من الناس إلى الناس وتبنون التماس بينهم، ونحن نقطع الطرق عليكم ونبني الجسور من الناس وإليهم.
فريق الرينغ هو فريق كل من ثار بوجه من فرّقنا بطائفيته وسياسته ودينه ومنطقه ومنطقته، فريق الرينغ هو كل من تخطى التماس وبنى الجسور وانتصر على الحرب في 17 تشرين وحتى اليوم.
مع الرينغ، أظهرت بيروت سردية جديدة لعمرانها، ذاكرتها تتجدد وتحيا، من دار الأوبرا إلى الرينغ، سردية جديدة وذاكرة جماعية واحدة جامعة ومتصالحة مع الماضي وأخطائه.

انتفاضة لبنان… أصلها وفصلها

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.
باسكال صوما – صحافية لبنانية
“راتبي لا يتعدّى الـ800 دولار، فكيف أعيش الآن؟”
زهير جزائري – كاتب عراقي
اللعبة بين بلدين هما أيران والعراق، وبينهما حدود طولها 1400 كيلومتراً. والجيرة لا تحمل علاقات الألفة وحدها, فالحرب وجهٌ من وجوه العلاقة. مراقبة لعبة كرة القدم في ساحة التحرير، تحمل ألفا من المعاني والرموز
ترجمة – New York Times
مئات الوثائق الإيرانية المُسربة تكشف صورة تفصيلية عن كيفية سعي طهران الدؤوب لترسيخ نفسها كأحد الأطراف الفاعلة في الشؤون العراقيّة، وعن الدور الفريد الذي اضطلع به اللواء قاسم سليماني
عبداللطيف حاج محمد – صحافي سوري
“بعدما ضربت ابنتي كان الأمر طبيعاً حيث أكملنا يومنا، وفي اليوم الثاني ذهبت الطفلة إلى المدرسة وأبلغتهم بذلك وما كان من المدرسة إلا أن أبلغت السوسيال، ليتطور الأمر إلى خلاف، ما أدى إلى قرار سريع من السوسيال بسحب الفتاة”
ترجمة – Foreign Policy
يقول الخبراء إن أردوغان نجح في خداع ترامب مرة أخرى فيما يتعلق بقضية منظومة إس-400