fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - موقع آسو

ترجمة - موقع آسو

مقالات الكاتب

جدار طهران الكبير

لم نكن معتادين، ولسنوات طويلة، أن نرى سكان طهران في أيام الجُمع بالقرب من جامعة طهران وميدان الثورة (ميدان انقلاب)، لكنه أصبح أمراً عادياً الآن.

حتى عندما كان المصلّون يقصدون صلاة الجمعة في جامع طهران، فإنّهم كانوا – كما في السابق – يذهبون مشياً على الأقدام لإقامة صلاة الجمعة، بحيث لا يمرّون من شارع الثورة (شارع انقلاب) على رغم أنّه لم يعد مغلقاً.

ليس من المتوقّع أن يعتاد سكان مدينة ما، أن يتم إعلامهم بإغلاق شارع رئيسي في توقيت أو تاريخ معيّن، وأنّه ليس بالإمكان المرور من هذا الشارع، لكن في مدينة مثل طهران، تعتاد على كلّ شيء. فعلى سبيل المثال أنت معتاد على تلقّي رسائل مساء الأربعاء تفيد بأنه وفي الثاني عشر من أيلول/ سبتمبر المتزامن مع الثالث عشر من شهر محرّم، هناك 150 شهيداً مجهولو الاسم سيتم تشييعهم من جامعة طهران، تستنتج عندها بنفسك أنّ شارع الثورة سيُغلق بواسطة الرافعات وسيارات الشرطة والأمن. بالطبع إن لم تصل إلى هذه النتيجة فهذه مشكلتك، ولا يُفترض أن يجيبك أحد.

بالطبع قرّرتُ أن أخرج من المنزل باكراً حتى يتسنّى لي الوصول إلى ميدان الثورة قبل الساعة العاشرة، لكن لم يكن هذا التدبير كافياً وعلقتُ في الزحمة، وعندما رأيت الازدحام على تقاطع ولي عصر أدركت للتو أنّ الطريق كانت مغلقة، وكان على السيارات أن تذهب إلى شارع ولي عصر من الطرف الشمالي.

تأفّف السائق واستدار بالسيارة إلى اليمين، وسط الازدحام ووسط الشارع، نزلتُ من سيارة الأجرة لأكمل طريقي سيرا، لكن حتى المسير على الرصيف لم يكن أسهل من السير في الشارع، وكانت هناك حشود كبيرة تمشي، وكان هناك الكثير من المشيّعين متفاوتي الأعمار ومختلفي الوجوه، وبين الحشود كان كبار السن بلحاهم البيض أو النساء في منتصف العمر ملتفحات بالجادور والحجاب، لكن الفتيات كنّ يلبسن المعاطف والشباب كانوا بلباس عصري وأنيق.

حاولت معرفة عدد الناس في هذا الحشد، لكن الجمع كان كبيراً، ونظرتُ إلى الناس، فبدا لي جدار عالٍ غير مرئي بيني وبينهم، وكانت المسافة الفاصلة جرّاء هذا الجدار غير المرئي تزداد في كلّ خطوة.

جاءت إليّ سيدة عجوز متلفحة بجادور وحجاب أسود واقتربت ناحيتي خطوة خطوة وشرعت بالبكاء، كما لو أنّها فقدت حواسها بأطرافها وكأنها لا ترى أحداً، ويبدو أنّ الأشخاص الأصغر سناً كانوا ينظرون إلى المرأة العجوز عن كثب. حاولت ألا أنظر إلى عينيْ أحد، حتى لا أحوّل غضبي من الازدحام في الشارع إلى غضب على أولئك المحتشدين.

فرق موسيقية ضخمة تملأ المكان، مع شاحنات تفصلها مسافات قصيرة، ونواح عالٍ يملأ المكان؛ طبعاً النواح هذه المرة كان على شهداء “المدافعين عن الحرم”، وهذا مصطلح يُطلق على مجموعة ميليشيات شيعيّة من المُفترض أن تذهب تطوّعاً للدفاع عن مراقد أهل البيت في العراق وسوريا وتشتمل جنسيات متعدّدة من إيران وسوريا وأفغانستان، ولكن الأغلبية الساحقة هم من اللبنانيين والعراقيين.

كان صوتهم أعلى حتى من النواح أثناء تشييع شهداء حرب الـ8 سنوات مع العراق والذين جلبت رفاة 150 جندياً منهم.

لبضع خطوات قبل الوصول إلى تقاطع ولي عصر كان ثمة رجل يحمل المايكرفون وهو واقف في السيارة وينوح بصوت عال يختلط مع نواح المشيّعين، فيتعذّر فهم الأصوات من صخبها. هذا الصوت والموسيقى العالية المزعجة والرثاء، جعلتني أغضب أكثر.

حامل الماكريفون ذكّر ب”شهداء” الطاقة النووية والمدافعين عن الحرم ورجال الإطفاء الذين قضوا في إخماد النيران التي التهمت برج بلاسكو التجاري في منطقة تجمع السفارات بطهران في كانون الثاني/ يناير 2017.

في مراسيم تشييع جنازات رجال الإطفاء في مبنى بلاسكو بكانون الثاني/ يناير 2017 عندما وصل الناس إلى المصلّى رجالاً ونساء احتراماً لستة عشرة رجل إطفاء وتعاطفوا مع عائلاتهم، كنت فخورة حينها بأبناء وطني، لكن بعد دقائق شاهدت نفسي محاصرة بين النساء وقوات الأمن والباسيج، الآتية إلى المصلّى، وأعلن قادتها أنّ هذه القوات ستتمركز هنا، لكن عندما دقّقت في الأمر لاحظت أنّ أعداد النساء اللاتي لم يُسمح لهنّ بالدخول إلى المصلّى كانت معدودة.

شبكة الجوالات لم تكن متاحة، لذا لم أستطع إخبار أصدقائي الذين ذهبوا إلى مراسم التشييع بأنّي لا أستطيع القدوم. في وقت لاحق أدركت أنّ القلة ممن حاولوا الدخول كانوا في الشوارع الفرعية بسبب الازدحام أو الازدحام المتقصّد.

مع السماح بالحركة خرجت من الزحام وذهبت باتجاه ميدان هفت تير، وكنتُ قلقة وغاضبة من هذا الأسبوع الأسود القاتم، ومشيت حتى ساحة هفت تير ورأيت كيف أنّ الشوارع مفتوحة، فلم أصدّق بالكاد، وعلى جانبي الشارع كان ثمة قوات الشرطة وقوات الأمن باللباس المدني.

بالطبع، لم يكن من الصعب فهم سبب كلّ هذه الإجراءات الأمنية وخوف الحكومة من غضب الناس والفوضى والاضطراب. الآن وبعد مضي 20 شهراً على تلك الحادثة، وحين أسمع عبارة “شهداء رجال الإطفاء” إلى جانب عبارة “شهداء مدافعي الحرم” أتذكر ذلك اليوم المرّ.

حيث أنّه وحتى الآن لا يتم إدراج أسماء شهداء الإطفاء ضمن مؤسّسة الشهداء، وذلك حتى يتمكن ذووهم من الاستفادة من التسهيلات والمساعدات على أقل تقدير.

بحسب مؤسّسة ومجلس الشهداء وبحسب القانون في الجمهورية الإسلامية (فإنّ إيثاركر/ المضحي هو الذي دفع حياته ثمناً من أجل الحفاظ على مُنجزات الثورة الإسلامية ودافع عن كيان الجمهورية الإسلامية الإيرانية واستقلالها ووحدة أراضيها، وذلك ضدّ التهديدات والتجاوزات الداخلية والخارجية، ومن استشهد أثناء القيام بأحد هذه المهمات أو فُقد أو كان من الجرحى أو معلولي الحرب “حرب الـ8 سنوات ضد العراق” أو أُسر أو كان من المحاربين القدامى أو خرج من الأسر) فضحايا الحوادث المختلفة يُطلق عليهم شهداء فقط في هذا الإطار الموضّح أعلاه.

بعد 20 شهراً من حادثة بلاسكو وحقيقة أنّهم لم يعتبروا رجال الإطفاء شهداء لأنهم لا يساهمون في تثبيت أقدام الحكم والسيادة، فإنّني الآن أكثر غضباً من ذي قبل، بالكاد مررت من خلال الحشد، حتى نظرت حولي ورأيت عدداً قليلاً من الناس ممن هم مثلي يمشون عكس حركة بقية الناس باتجاه الغرب.

هؤلاء القلّة من الناس على ما يبدو كانوا قلقين بشأن تأخرهم عن عملهم ولا يودّون الدخول في الزحام مثلي، فتاة شابة كانت تمشي بمحاذاتي لتشعر بالأمان، قالت لي أثناء عبورنا بالأجهزة الأمنية:

(هؤلاء لا يخجلون من أنفسهم، سنتجاهل أنّنا نعيش وهؤلاء في هذه المدينة) كلامها جعلني أفكّر أكثر فأكثر بنفسي وبهؤلاء الذين جاؤوا إلى الشوارع لتشييع الشهداء في جامعة طهران.

منذ مدة قسّمنا المدينة إلى قسمين “نحن” و”هم”. ما أريده “أنا” هو أمر جيّد، وليس لأيّ أحد عمل مع (أولئك)، نحن نصرّ على عقائدنا ونغضب بإصرار وندين الآخرين الذين لا يفكرون مثلنا، حتى أصبح الأمر عادياً بالنسبة إلينا، كما لو أنّ الأمر منذ البداية جدار عال وكبير بيننا وبينهم.

لا أحد ممن يغلِق الطريق يفكّر بالآخرين، ولا أحد ممن لا يؤمن بارتداء الأسود للحِداد لأجل المقدسات الشيعية يستطيع تحمل (أولئك). في أيام محرّم كثيراً ما رأيت مناقشات مريرة بين مؤيدي الحداد ومعارضيه، وواهبي النذور. أحدهم يتهم الآخر بالفساد الأخلاقي ويرد عليه الآخر بأن يتهمه بالخرافات الدينية.

يبدو أنّ سكان هذه المدينة يقفون على طرفي نقيض ومستعدون للتصادم مع الطرف المقابل. إذ ليس من السهل تحمّل الطرف الآخر مهما كان، فالأمر ليس بسيطا. لا أستطيع عزل نفسي ووضعها جانباً، لا أعرف كم أستطيع التحدث مع شخص مختلف بهدوء هذه الأيام، ولا أعرف إلى أي حدّ يساعدنا علوّ جدراننا.

سوف أتأخر عن الاجتماع! غضبتُ، لكنّني فكّرت لو أنني في موقع المشيّعين، هل كنتُ سأدع أيّ شخص يغضب من سلوكي؟ اتصل بي اثنان من زملائي وقالوا إنّهم ظلوا في الشارع ولم يلتحقوا بالاجتماع أيضاً.

تأسّفنا على هذه الحالة، وأدركنا أنّه لن يكون هناك المزيد من العمل هذا اليوم، لقد تأخرنا! لكن لئلا نضيّع المزيد من الوقت ذهبنا إلى عملنا. لا أعرف إن كان زملائي مثلي يتمنون لو أنّهم يتمكنون من العمل في هذه الأوضاع ويستطيعون تحمّل “الآخر” أكثر، أو أنهم يمنحون أنفسهم الحقّ بأن يدينوا الآخرين.

ترجمة عباس علي موسى

هذا الموضوع تمت ترجمته من موقع assoo.org ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً