fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

ثورة 1919

في مثل هذه الأيّام قبل مئة عام، اندلعت وانتصرت ثورة 1919 المصريّة التي قادها حزب الوفد، وعلى رأسه مؤسّسه سعد زغلول. الحزب – الذي تأثّر بتجربة حزب المؤتمر الهندي الذي أنشأه المهاتما غاندي – كان جبهة عريضة ومرنة تقرن المطلب الاستقلاليّ بمطلب الديمقراطيّة، وتخالف جذريّاً تراكيب الأحزاب اللينينيّة والفاشيّة التي كانت مزدهرة حينذاك في بعض البلدان الأوروبية. أعيان ومتعلّمون وأبناء طبقات وسطى شرعت توسِّعها الإدارة والتعليم، هم الذين قادوا الثورة، بعدما ورثوا الحزب القديم، المتداعي والمتعصّب دينيّاً وقوميّاً للوطنيّة المصريّة، أي الحزب الوطنيّ لمصطفى كامل ومحمّد فريد.

لقد كانت تلك الثورة أحد مداخل مصر والمنطقة إلى العالم الجديد الناشىء بعد الحرب العالميّة الأولى، وأحد مداخل ذاك العالم إلى مصر والمنطقة. الدستور الذي وُضع استوحى دستور 1923 البلجيكيّ. سلطات الملك بدأ العمل على الحدّ منها. الحياة السياسيّة والحزبيّة بدأت تستقرّ. “القاضي” كان الرمز الأبرز لمصر الجديدة. أهمّ من هذا ربّما ما حصل في تلك السنوات الديمقراطية التي افتتحها انتصار الوفد وثورته على صعيدي الحرية والثقافة.

وليُسمح لي هنا بهذا الاستشهاد الطويل نسبيّاً بمقالة للروائيّ المصريّ ابراهيم عبد المجيد:

“نعود إلى ثورة 1919 وأقول حاسما إنه بعدها ظهر جيل جديد في الكتابة والفنون. وكما قلت دائما إن الاجيال ترتبط بالأحداث الكبرى، وليس كما صنفها النقاد المحدثون منذ الستينيات كل عشر سنوات (…) بعد ثورة 1919 انتعشت حركة الفن التشكيلي مع جماعة الخَيَال محمود مختار ومحمود سعيد وراغب عياد وأحمد صبري ومحمد عفت ناجي وغيرهم، ثم جماعة السيرياليين، جورج حنين ورمسيس يونان وأسماء كثيرة لا يكفيها المقال، وبدأت أدوات السينما المصرية تتشكل مثل الاستوديوهات، كما بدأ الإنجاز مثل الأفلام الصامتة ثم الناطقة، وبدأت الرواية تجد لها طريقا أوسع، فلم تكن قد صدرت إلا رواية أو اثنتان. وظهرت في عالم القصة القصيرة أسماء مثل يحيى حقي والأخوان شحاتة وعيسى عبيد، الذين قالوا بضرورة نقاء القصة من الشوائب البلاغية. ولم يكن هناك روائيون مختصون بها فكتب المفكرون روايات لتدشين هذا الفن مثل طه حسين. وانطلق المسرح الشعري على يد أحمد شوقي والمسرح العادي على يد توفيق الحكيم الذي أيضا كتب الرواية ثم ظهر نجيب محفوظ.
وتجدد الشعر مع مدرسة الديوان ثم مدرسة أبوللو، أما الموسيقى والغناء فحدث ولا حرج عن عظمة سيد درويش قبل وبعد الثورة، وأم كلثوم وأسمهان وعبد الوهاب والسنباطي وزكريا أحمد ومحمود الشريف والقائمة طويلة. وانشغل المفكرون بدراسة تاريخ مصر والتاريخ العربي والإسلامي بحثا عن جذور الحضارة والمناطق المضيئة واشتعلت المعارك حول الكتب والأفكار. معركة حول العامية أو الفصحى. معركة حول كتاب في الشعر الجاهلي. معركة حول كتاب فتنة الخلافة لعلي عبد الرازق. معركة حول كتاب «لماذا أنا ملحد» لإسماعيل أدهم. معركة المصرية أم العربية. بالمناسبة لم يتم سجن أحد لإنتاجه الأدبي أو الفني. معركة حول العرب أم البحر المتوسط. وكل هذه المعارك كان يراد منها أن يتسع الطريق ويضيء للشعب”*

بالطبع لم يكن كبار الأعيان الذين احتشدوا في الوفد، كما في الأحزاب الأخرى، هم الطبقة المؤهّلة للانتقال بمصر من المهمّة الاستقلاليّة إلى مهامّ الدمقرطة والتحديث، لا سيّما التعامل مع المسألة الزراعيّة الجائرة، ومع أوضاع الفلاّحين القروسطيّة. لكنّ الحقبة أيضاً – وهي التي اصطُلح على تسميتها “ما بين الحربين” العالميّتين – لم تكن عاملاً مساعداً. ففي تلك العقود القليلة، نشأت جماعة الإخوان المسلمين، وساد في أوساط الشبيبة التأثّر بالحركات الراديكاليّة، الفاشيّة وشبه الفاشيّة، في أوروبا الثلاثينات، كما تعاظمت الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين وصولاً إلى نهاياتها في قيام دولة إسرائيل عام 1948. وفي المقابل، دفعت أجواء الاقتراب من الحرب العالميّة الثانية البريطانيّين إلى التشدّد الذي أملاه الاعتبار الأمنيّ، خصوصاً لجهة التمسّك بقناة السويس. ومن جهة أخرى، تجمّع حول الملك فاروق، وهو خصم الوفد الرافض قضم صلاحيّاته، حلف من القوميّين والإسلاميّين الراديكاليّين (الإخوان، مصر الفتاة، علي ماهر، الشيخ المراغي، عزيز علي المصري…). ولم يكن بلا دلالة أنّ هذا الحلف المناهض للوفد، والمتّهم بممالأة ألمانيا النازيّة، كان البيئة التي حضنت الضبّاط الشبّان الذين نفّذوا انقلاب 23 يوليو 1952.

يومذاك أغلقت الصفحة المضيئة التي افتتحها انتصار ثورة 1919 الوفديّة: أُغلقت في مصر ثمّ أُغلقت في المنطقة العربيّة كلّها.

 

إقرأ أيضاً