fbpx

هنا القصة الثالثة

عبدالله حسن

عبدالله حسن

مقالات الكاتب

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (6):  الأكثرية السنّية بوجهيها الخائف والمُخيف

في المقال السابق، رأينا كيف دخلت الفكرة الدينية للتغيير حيّز التطبيق السياسي في مصر والجزائر، الأمر الذي أفضى إلى حكم الديكتاتورية العسكرية، ورأينا كيف أن التيار الإسلامي التابع للظواهري كان قد تأكّد له من خلال (انهيار الاتحاد السوفييتي، وجلاء قواته عن أفغانستان) أنه يمكن إقامة دولة إسلامية بالقوة، وأن استحواذ الديكتاتورية العسكرية على السلطة في العالم العربي وقمعها للإسلاميين السياسيين كانا بالنسبة له دليلاً على «كذبة الديموقراطية»، ما دفع أتباعه إلى العنف المفرط بحق (المسلمين أنفسهم) بحجة أنهم يدعمون الديكتاتور ويتعاملون معه، الأمر الذي ثبّت بدوره حُكم الأخير أكثر (باعتباره ضحيّة ذاك العنف)، على الأخص سوريا، مصر، الجزائر، والسعودية حتى، التي واجهت «جهيمان» في السبعينيات، وواجهت تنظيم القاعدة في التسعينيات.

في هذا المقال نعود إلى سوريا، حيث حافظ الأسد يجني ثمار كرهه لـ كيسنجر ونظريّته لخلق عالم متوازن، والتي استبعدَت –مثلما أسلفنا– الأسدَ آنذاك منها؛ حصارٌ اقتصادي خانق تقاسيه سوريا جراء سياسته الخارجية الرامية إلى إثارة الفوضى ونشر الإرهاب وعناد كيسنجر قبل كل شيء، وفقرٌ وفساد داخلي تسببت به سياساته الاقتصادية (نصف الاشتراكية ونصف الرأسمالية)، علاوةً على ما باتت تتمتع به بلاده من سمعة سيئة على الصعيد الدولي…

كان الأسد نموذجاً لعنجهيّة القائد ذي المرجعيّة العسكرية، ومثال الحماقة على المستويين الداخلي والخارجي.

قوة غير قابلة للضبط أطلقَها الأسد وباركتها الشريعة الإسلامية

خارجيّاً لم يكن حافظ الأسد يرغب بالاستقرار أبداً، إنما كان يسعى للانتقام وردّ الاعتبار إلى نفسه، واستخدام ذلك كورقة يبرّرُ بها حُكمَه وفَقرَ شعبه، لكنه في الواقع لم يكن ممسكاً بزمام الأمور… لقد أطلقَ الرجل قوىً لن يتمكن أحدٌ من كبح جماحها، تلك القوة التي كان قد جَلَبها قبل عشرة أعوام من إيران لمهاجمة الغرب والمتمثّلة بـ «قنبلة الفقراء الذرية» كانت في ذلك الوقت (مطلع التسعينيات) بصدد أن تنتقل عَدواها بشدة من الإسلام الشيعي إلى الإسلام السني.

مبعدو مرج الزهور

في ديسمبر 1992 اختطفت جماعة «حماس» الفلسطينية المسلّحة حارس حدود إسرائيلي وقتلته طعناً، ليأتيَ الردُّ الإسرائيليُّ كاسحاً، حيث اعتَقَلت القوات الإسرائيلية 415 عضواً من حماس، واصطَحَبتهم في حافلات إلى قمم أحد الجبال الضخمة في جنوب لبنان، وتركَتهم هناك في منطقة تتبع لـ «حزب الله»، رافضةً عبور أية مساعدات إنسانية إليهم.

أمضى أعضاء حركة حماس قرب قرية «مرج الزهور» جنوب لبنان ستة أشهر، تعلّموا خلالها من حزب الله مدى القوى التدميرية الهائلة للتفجيرات الانتحارية، وقد أخبرهم الحزب كيف أنه كان قد استغلّ تلك القوة في إقصاء الإسرائيليين حتى الحدود.

كانت أولى الدلائل على (تشبّع) حماس بالفكرة هي عندما قامت مجموعة من مُرَحَّليهم بمسيرات احتجاج نحو الحدود الإسرائيلية، يحملون المصاحف، ومرتدين الثياب البيضاء (كناية عن زي الشهداء)، سرعان ما تحوّل الأمر آنذاك إلى أكثر من مجرد استعراض، حيث بدأت في الوقت نفسه حماس بشن سلسلة من الهجمات الانتحارية داخل تل أبيب.

أرسلت حماس الانتحاريين إلى قلب إسرائيل لتفجير أنفسهم وقتل أكبر عدد ممكن، ومن خلال تطبيقها تلك الطريقة ذهبت إلى أبعد مما ذهب إليه (حزب الله) بكثير، حيث استهدفت الجماعة -وللمرة الأولى- المدنيين أنفُسَهم داخل تل أبيب، وهو ما لم يكن يجرؤ عليه حزب الله، وقد أصاب هذا عالَم الإسلام السنّي بالصدمة، إذ كان هذا الأسلوب دخيلاً على تاريخهم، ليس فقط لأن القرآن حرّم الانتحار إنما لأن الإسلام السني يخلو تماماً من أي شعائر تدعو للتضحية بالنفس، على خلاف الشيعة.

شدّدَ أكبر مرجعية دينية في السعودية على تحريم ما فعلته حماس، لكن «القرضاوي» في مصر كان قد اقتنص الفرصة ليُصدرَ فتوىً تُبرز جواز الهجمات الإنتحارية، وأنه مامن مشكلة في أن يُقتل مدنيون، لأن في إسرائيل الجميع بما في ذلك النساء هم جنود احتياط على حد تعبيره وتصوّره، يقول في مقابلة تلفزيونية قديمة: «إنها ليست تهلكة، إنما شهادة في سبيل الله، وقد ناقش علماء وفقهاء الإسلام هذه المسألة…. نساء إسرائيل لسنَ كنسائنا في مجتمعنا الإسلامي، وذلك لأن الإسرائيليات يتم تجنيدهن… كما أنني أعدّ هذه العمليات الاستشهادية من دلائل العدل الإلهي، إن الله سبحانه وتعالى وبحكمته اللامتناهية أعطى الضعفاء سلاحاً لا يملكه الأقوياء، وهو قدرتهم على تحويل أجسادهم لقنابل».

واصلت حماس إرسال الانتحاريين إلى إسرائيل، وفي بعض الأحيان كان الأمر يتمّ بشكل يوميّ، ليسيطر الهلع على المجتمع الإسرائيلي كله، ما دمّر تماماً قدرة السياسة على حل الأزمة الفلسطينية حتى لو نظريّاً، إذ حلّ في مقابل أعمال العنف تلك «بنيامين نتنياهو» (عن حزب يميني) في منصب رئيس الوزراء خلال انتخابات 1996 وانقلبَ على عملية السلام مع الفلسطينيين بتأييد شعبي إسرائيلي أرْعَبَته استراتيجية (حماس)، الأمر الذي كانت تريده الأخيرة بملء إرادتها وبفارغ صبرها وبكل حماقة.

بالتأكيد، ستظل أحزاب اليمين في العالم تنال استحسان الجماهير طالما أحسّت تلك الجماهير بالخوف والتهديد وانعدام القدرة على تصوّر شكل واضح للمستقبل…. على أية حال، منذ تلك الفترة دخل الطرفان في دورات مُريعة لا تنتهي من العنف المتبادل، وثبّتَ كل منهما حُكمه واكتسبَ قاعدتَه الشعبية بفضل عدوّه… لعلّ الشرق الأوسط كله محكوم بهذه الطريقة: البحث عن الأعداء، أو حتى صناعتهم إن اقتضت الحاجة، والبقاء في السلطة كـ ملاذ آمن ووحيد.

لقد دمّرت «القنبلة البشرية» المسعى الأساسي الذي كان يريده حافظ الأسد في البداية، والمتمثّل آنذاك بحلّ سياسي «حقيقي» للمسألة الفلسطينية، وفي المقابل أشاع الرجل الفوضى إسلامياً، عربياً، وعالمياً بالمحصّلة… لقد كانت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 من نوعية التفجيرات الانتحارية ذات النطاق الواسع، وهي دليل واضح على مدى القوة المرعبة لهذا السلاح الذي جلبه حافظ الأسد من إيران والذي وقع بيد المسلمين السنة في نهاية المطاف، ودليلاً على مدى قدرته على اختراق جميع الدفاعات، إذ أفضى عن مقتل الآلاف من الأمريكيين في عقر دارهم، وانعكس ذلك سلباً على العالم بأسره، والعربي المسلم بوجه خاص.

قبلها بعشرين عاماً كان الرئيس ريغان يواجه أولى التفجيرات الانتحارية التي كان حافظ الأسد قد أطلق عنانها لإجبار الأمريكيين على مغادرة لبنان والشرق الأوسط، لكن بدلاً من مواجهتها لتعقيدات المسألة السورية والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، تنحت الولايات المتحدة جانباً تاركةً قائد سوريا الضابط المُهان وأتباعَه والتفجيرات الانتحارية تتخذ أشكالاً جديدة، ووجّهت أنظارها إلى القذافي بوصفه الإرهابي العالمي الأكثر شراً والأضعف نفوذاً آنذاك (يدّعي الكثير من الإسلاميين والمسلمين بأن أمريكا والغرب هم من ثبّتوا حكم الأسد لسوريا، والحق أن أحداً لم يرتضِ الخوض مع الأسد في مستنقعه الآسِن المليء بالتعقيدات).

توفّي حافظ الأسد في العام 2000 تاركاً خلفه شعباً متآكِلاً من الداخل، مُتواكِلاً، حالماً، مُتهالكاً، بدائياً في أبسط سُبل تحصيله للمَعارف والتأثّر بها، خائفاً من أقرب الناس إليه، عُقوبة سَفرهِ إلى العراق الجار على أقل تقدير قد تعني الخيانة والموت، جاهلاً عما يدور حوله، جائعاً يشعر بأن العالم بأسره يتآمر على لقمة خبزه وزوجته وبناته، مُرهَقاً على كافة الأصعدة.

داخليّاً كانت سوريا في ذلك الوقت مثلما أسلفنا مصنعاً للإرهاب، تحتضن آلاف الإسلاميين المتطرفين في سجونها وتربّيهم بعناية لتستخدمهم فيما بعد، سجن «صيدنايا» الشهير مثلاً كان يُعرف بكونه (أكاديمية إسلامية) أكثر منه معتقلاً، آلاف القابعين داخله كانوا من جماعة الإخوان المسلمين بشقّيها السياسي والعسكري (الطليعة المقاتلة)، إضافة إلى السلفيين الجهاديين، ومعتقلي الرأي، يجمعهم مكان واحد، وفي كثير من الأحيان زنزانة واحدة.

خارجَ السجن كانت الدولة تغذّي دين الأفراد بآلاف المساجد والخطباء والمئات من دُور العلم الشرعي ضمن مكنة دعائية واحدة تدعو «الله» بالتوفيق لقائد البلاد والعباد إلى ما يحبّه ويرضاه، وتحذّر من تآمر الآخرين على سوريا قلب العروبة النابض… كبار مشايخ سوريا كانت السلطة تغدق عليهم من «خيراتها» وتمنحهم مناصب قيادية في المجتمع، حتى أن بعضهم كانوا أعضاء شبه دائمين في مجلس الشعب (البرلمان).

في كل أسبوع كان «محمد رمضان البوطي» يطلّ على السوريين عبر شاشة التلفزيون ليحدّثهم عن القرآن وعلومه، وعن الصبر والرضى والقبول بقضاء «الله» وتقديراته، ويحذّرهم من الحسد والغيبة والنميمة؛ وفي برنامج آخر أسبوعي كذلك بعنوان «الشرطة في خدمة الشعب» يقدّمه أحد الضباط كان السوريون في عموم البلاد يشاهدون استجوابات لبضعة لصوص وغيرهم من الفُقراء يُبدون الندم على تفريطهم بمستقبلهم المجهول ويذرفون الدموع على شاشة الكاميرا… كان البعث يُزاوج بين الخطاب الديني والأمني القومي والعسكري بأكثر الأشكال انسجاماً، باثّاً الرعب في قلوب حوالي 22 مليون سوري آنذاك، وَداعياً إياهم للخنوع والتشبّث باللحظة القائمة والخوف والتضرّع لله والقائد، لأن المستقبل غير مضمون أبداً.

لا عجب أن يتحول المجتمع السوري كـ نتيجة إلى مجتمع حالم غير واقعي يؤمن بالحسد ويخشى نظرات الآخرين إليه، يؤمن بالأسحار والشعوذة وطلاسم الحروف وأسرار الكلمات وبقدرات خارقة لبشر خارقين قادرين على شفاء الأمراض التي تعجز عن علاجها مشافي الدولة الفاسدة…. ولا عجب أن يكون (الخوف) هو العنوان الأكثر تعبيراً عن المجتمع السوري خلال التسعينيات إبان حصار إقتصادي ناتج عن سياسة الأسد الداخلية والخارجية؛ ولا عجب كذلك أن يتجلى ذاك الخوف في أبسط تعاملات الأفراد فيما بينهم، وضمن أضغر دوائر علاقتهم ببعض: الخوف على الصحة، على النفس، على المال، الخوف على الزوجة، ومنها، وعلى الأبناء، ومن تخلّيهم عن أهلهم إذ يكبرون، والخوف على البنات الإناث، والخوف من أن يَجتلبن العار، الخوف من الغرباء، ومن أفكارهم ومعتقداتهم وعاداتهم وتقاليدهم، الخوف من المستقبل ومن كل ما هو مجهول، الجميع خائف ضمن داوئره الصغيرة من جهة، وضمن الدولة من بطش الآخرين المتآمرين الذين تتحدث عنهم السلطة بأجهزتها ليل نهار من جهة أخرى…. والأسد باقٍ في السلطة كـ محصلّة، وكـ ضرورة لا بد منها أيضاً.

كان لانعدام الثقة هذا الذي زرعه حافظ الأسد في قلب المجتمع السوري نتائج لايمكن حصرها بسهولة، جميعها يمكن التعبير عنها بكونها سايكولوجيات لأُناس تم قهرهم على مدى عقود… ما يهمنا من نتائج ذاك القهر هو ما خلّفه من إشكال على المستوى المفاهيمي والفكري، ففي ظل غياب أشكال المجتمع المدني ونشاطاته، ونتيجة لتجاهل السلطة المتعمَّد له، إلى جانب الهجوم المباشر عليه أحياناً بحجّة أنه لا يتناسب مع تركيبة المجتمع السوري (المتنوّع – المنغلِق – المحافِظ) كان الأخير يعاني تراكمات طويلة الأمد ستعيق حركته في المستقبل مثلما سنرى، وهو ما يفسّر على بعض النحو تحوّل سوريا فيما بعد إلى ساحة حرب أهلية دينية طائفية وعرقية أيضاً، بانقسامات على مستوى الولاء والتبعيّة، بلا حوامل مشتركة.

بصورة أوضح: مفهوم «الدولة» لربما كان يعني (الجيش) على وجه التحديد، و «الشعب» (السوريون العرب ممَن ارتضوا بالأسد أباً قائداً ومؤسِساً)، تجدر الإشارة هنا إلى أن السلطة ومعارَضتها المسلّحة بعد الـ 2011 اختلفوا اختلافاً دموياً في تعريفهم للشعب مثل اختلافهم على الكثير من المفاهيم الأخرى إن لم يكن جميعها، ففي حين سَلبت الأولى الجنسية عن كل من عارض النظام وكانت قبل ذلك (إبان عهد الأسد الأب) قد منعتها عن معظم الأكراد، حكمت الثانية على الموظفين ممن لايزالون يعملون أو يتقاضون معاشاتهم من مؤسساته بأنهم «أعوانٌ له» أو حتى «جواسيس»، وحكمت على الأكراد بأنهم أعداء، لا يمثّلون الشعب بالمُطلق، وأطلق المتشددون عليهم لقب «الأكراد الملاحدة».  

كذلك كلمة «الرئيس» تعني (حافظ الأسد تحديداً، مالك الأرض وخيراتها وراعي نهضتها، المسلم بالنسبة للمسلمين، والأقلّوي بالنسبة للأقليات، العلماني الملحد بالنسبة للمتشددين، والعلماني الضامن لعدم بطش الأكثرية بالأقلية بالنسبة لغيرهم، والمقاوم بالنسبة للمقاومين .. الذي إن غادر سيأكل الناس بعضهم، وستأكل إسرائيل وأمريكا العرب جميعم والسوريين أولاً وستغتصب نساءَهم وبناتهم).

إضافة إلى ذلك، كلمة «الحقوق» لربما تعني (البقاء على قيد الحياة) حتى أن التعليم المجاني نفسه كان يعتبر حتى وقت قريب مِنحة من الحكومة، و «الواجبات» (السمع والطاعة المُطلقة)، و «العدالة» (قوى الأمن والعلاقة الوطيدة بها، أو الحكم الإسلامي بالنسبة للإسلاميين، أو لربّما النقود)، و «المساواة» (للذكر مثل حظ الأنثيين).

أما كلمة «العلمانية» فتعني (الإلحاد من جهة، وكلمةً مجهولة من جهة أخرى)، و«المواطنة» (كلمة جديدة)، الطائفية (الطوائف، بدل التوجه الطائفي)، العرقية (…)، القومية (العربية أو الإسلامية)، ناهيك عن «الحرية» التي كان من المفترض أن تكون المسَلَّمة الأكثر تعقيداً من بين هذه المصطلحات، إلا أنها استُخدمت في بداية الحراك السوري لاحقاً عام 2011 كمطلب بديهي حامل ورئيس ومعلوم لدى الجميع بشكل لا لبس فيه!. ولا أعتقد أنها كانت تعني خلال التسعينات وحتى فترة متأخّرة شيئاً غير (الانفلات) بصورة أو بأخرى، الانفلات عن عباءة الوالد ضمن الأسرة الواحدة على أقل تقدير، ناهيك عن العائلة الكبرى، أو أي شكل من أشكال التمرّد على ما تمّ التعارف عليه كـ ضرورة…. لك أن تتخيل تبِعات إعادة صياغة هذه المفاهيم والتعريفات بصورة أخرى! إنك أمام صياغة قاموس جديد يتواصل به الناس فيما بينهم!

توفّي حافظ الأسد في العام 2000 تاركاً خلفه شعباً متآكِلاً من الداخل، مُتواكِلاً، حالماً، مُتهالكاً، بدائياً في أبسط سُبل تحصيله للمَعارف والتأثّر بها، خائفاً من أقرب الناس إليه، عُقوبة سَفرهِ إلى العراق الجار على أقل تقدير قد تعني الخيانة والموت، جاهلاً عما يدور حوله، جائعاً يشعر بأن العالم بأسره يتآمر على لقمة خبزه وزوجته وبناته، مُرهَقاً على كافة الأصعدة. تَواصُله الوحيد فيما بينه لا يتخطى قدرة الهاتف الأرضي وحدود شاشة التلفاز بقناتيه الرسميتين الأولى والثانية، ولا يَعرف من الحضارة والتقنيّة والتواصل مع الخارج إلا طبق الساتالايت وجهاز الاستقبال بتكلفة تبلغ حتى 250 دولاراً (راتب موظّف حكومي من الدرجة الأولى آنذاك) ببضعة محطات عربية تبثّ الأغاني والمسلسلات والبرامج الدينية على مدار الساعة، وكأنها قد أَرسلت للتو مسباراً لاستكشاف الحياة على المريخ، وهاهيَ ذي الآن.. تَحتفل!.. تشكر الله والقائد على «النهضة»، وتمجّد الأبطال الرجال أينما حلّوا! وتقدّم بالمحصّلة نفسَها وواقعَها (المزري) قُرباناً رخيصاً على مذبح السعادة المُبهمة والمزعومة! .. سعادة أن تظل تكافح للبقاء على قيد الحياة! ألا يكفي هذا؟! ما الذي تريده أكثر من ذلك؟! يُخاطبك الديكتاتور.

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (5): سياسات الرّعب والخوف

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (4): سوريا الأسد الأب و«الطليعة المقاتِلة»

 

إقرأ أيضاً