fbpx

هنا القصة الثالثة

عبدالله حسن

عبدالله حسن

مقالات الكاتب

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (5): سياسات الرّعب والخوف

في المقال السابق هيّمن حافظ الأسد على السلطة في سوريا عقب انقلابه عام 1971، وشرع عملياً بالاعتناء بأكثريّتها المسلمة، بنى آلاف المساجد وشيّد دور علم شرعي ووظف الخطباء ووحّد خطابهم ضمن مكنته الدعائية، في الوقت الذي كانت جماعة الإخوان والطليعة تقع في دوامة من العنف وهي تحاول تقديم نفسها حين فشلت مجتمعيّاً وسياسياً وعسكرياً، ما مكّن حافظ الأسد من السلطة أكثر بقمعها وقمع المعارضين على مختلف أطيافهم وأشكالهم، ليتفرّغ لخصومه الخارجيين محوّلاً سوريا لمصنع للإرهاب.

في هذا المقال سنستعرض القسم الثاني المندرج تحت عنوان  (حيّز التطبيق) حيث إسلام أشد تطرّفاً أخذَ هذه المرة منحىً عالمياً، في مقابل ديكتاتورية عسكرية لا تقل خبثاً ومكراً عن طريقة استفراد حافظ الأسد الفريدة بالسلطة، وحيداً بلا معارضة على الإطلاق.

الانتصار الوهميّ في أفغانستان   

في العام 1982 قام الرئيس الأمريكي رونالد ريغان بإهداء عملية إطلاق المكوك الفضائي «كولومبيا» لأعمال المقاومة في أفغانستان، يقول: «مثلما يمثّل مكوك كولومبيا في اعتقادنا أسمى طموحات الإنسان في مجال العلم والتكنولوجيا، كذلك يمثّل صراع الشعب الأفغاني أسمى طموحات الإنسان إلى الحرية… أُهدي نيابة عن الشعب الأمريكي عملية إطلاق المكوك كولومبيا في 22 مارس إلى شعب أفغانستان».

منذ العام 1979 (قبل اغتيال السادات وسجن الظواهري بعامين) و«المجاهدون» الأفغان يخوضون حرباً ضارية في أفغانستان ضد الغزو السوفييتي، وفي ذلك الوقت كانت مجموعة صغيرة في البيت الأبيض ترى في أولئك المقاتلين وسيلة لتحقيق رؤيتهم في تغيير العالم ضد «إمبراطورية الشر/ الاتحاد السوفييتي»، لم يكونوا بالنسبة لهم وطنيين فحسب، إنما مقاتلين من أجل الحرّية، وأن بإمكانهم هزيمة السوفييت، وتعزيز انتشار الديموقراطية في العالم.

كانت الولايات المتحدة بالفعل ترسل كميات محدودة من المساعدات للمقاتلين الأفغان، إلى أن قرر رئيس المخابرات الأمريكية آنذاك «ويليام كيسي» إرسال مندوب إلى أفغانستان وتشكيل تحالف مع «مقاتلي الحرية»، وإعطائهم كل ما يريدون من المال، إضافة إلى الأسلحة الأكثر تطوراً لإيقاع الهزيمة بالقوات العسكرية السوفييتية.

بدأت الأموال والأسلحة الأمريكية تتدفق عبر الحدود الباكستانية إلى أفغانستان، وقد قام عملاء المخابرات الأمريكية بتدريب المقاتلين على أساليب الاغتيال وتفجير السيارات، ووفّروا لهم صوراً بالأقمار الصناعية لأماكن تواجد القوات السوفييتية.

في الوقت ذاته، بدأت مجموعة جديدة بالتوافد إلى أفغانستان للقتال في صفوف (المجاهدين)، وقد كانوا عرباً من مختلف أنحاء الشرق الأوسط، أخبرهم قادتهم الدينيّون بأن واجبهم يقتضي الذهاب لتحرير الأراضي الإسلامية من الغزاة السوفييت.

في تصريح له يقول القائد العام للعرب الأفغان آنذاك «عبدالله أنس» إنه رأى الفتوى التي تقول بأنه «من الواجب على كل مسلم أن يساعد الأفغان على تحرير أرضهم… لكن لم تكن لدي أدنى فكرة عن موقع أفغانستان على الخريطة ولا كيفية الذهاب إلى هناك، ولا حتى الطريقة التي أستطيع بها الحصول على الفيزا…. إلى أن قابلت (عبدالله عزام)».

عبدالله عزام

كان عبدالله عزام (فلسطيني الجنسية/ أحد روّاد معسكرات الشيوخ أيضاً) قائداً دينياً ذي كاريزما قد بدأ في تنظيم المتطوعين العرب في أفغانستان، قام بتأسيس ما أسماه مكتب الخدمات في «بيشاور» على الحدود الأفغانية، والذي أصبح فيما بعد مقر القيادة لكتيبة دولية من المقاتلين العرب، سرعان ما أصبح عزام أحد أقوى الشخصيات في المعركة ضد السوفييت، لُقّب بـ «أمير المجاهدين العرب»، وقد سُمح له بزيارة أمريكا في مناسبات عديدة لجمع الأموال وتجنيد متطوعين (للجهاد)، وقد كان مدعوماً من الأمريكيين والسعوديين والباكستانيين وغيرهم، ممن كانوا يريدون إذلال السوفييت (أو التخلّص من متطرّفيها المحليين، مثلما تفعل السعودية عادةً)، كانت القضية الأفغانية هي القضية التي كان الجميع سعداء بمساندتها، وقد أدّى هذا إلى انخراط أعداد هائلة من العرب ومن بيئات وثقافات مختلفة.

لم تكن الولايات المتحدة آنذاك تضع في حسبانها معنى أن يُسمى قتال السوفييت (جهاداً) ولا المدى الذي يمكن أن يتطور فيه هذا المفهوم «الجهاد» ليأخذ أبعاداً أُخرى قد تنقلب عليها في أي وقت، كان كل ما يهمّها إيقاع الهزيمة بالسوفييت؛ لكن عبد الله عزام كان يرى الصراع ضد السوفييت مجرّد خطوة أولى في ثورة أشمل وأعمّ، كان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، وكان يعتقد أن بإمكان العرب في أفغانستان أن يشكّلوا نواةً لقوة سياسية جديدة بأن يعود المجاهدون إلى بلادهم ويحثّون الناس على رفض النظم الاستبدادية الفاسدة التي تسيطر على الشرق الأوسط، لكنه في الوقت نفسه كان يصرّ على أنه يجب الإطاحة بهذه الأنظمة عبر الوسائل السياسية.

في العام 1985 وصل «أسامة بن لادن» إلى أفغانستان وبجعبتهِ أموال طائلة، كان عبد الله عزام فقيهاً قادراً على توحيد العرب هناك لكنه لم يكن يملك المال، لذا عندما وصل أسامة قام بسد الفجوة، واقتصرت مهمته في ذلك الوقت على إنفاق الأموال فقط.

في العام نفسه، بدأت قوة جديدة تصل إلى أفغانستان، لتتحدّى أسلوب عزام في الإدارة، وقد تمثّلت بالإسلاميين المتطرفين الذين طُردوا من السجون في كافة أنحاء العالم العربي؛ كانت معظم حكومات الشرق الأوسط -بهدوء شديد- تعمل على إفراغ سجونها من (الأشرار) وترسلهم للجهاد على أمل أن يُقتلوا هناك، وقد كانت الفئة الأكبر منهم هي من المصريين الذين لم يُعدموا عقب اغتيال السادات، وقد كان «الظواهري» أحد أقوى الوافدين الجدد آنذاك.

قلنا في مقال سابق أن الظواهري كان على قناعة بأنه وجماعته (الجهاد الإسلامي) هم الإسلاميون الحقيقيون «نحنا هنا، الجبهة الإسلامية الحقيقية، والمعارضة الإسلامية الحقيقية ضد الصهاينة، والشيوعية، والإمبريالية» هكذا قال في السجن بالإنكليزية؛ وقلنا كذلك أنه كان أحد أتباع (سيد قطب) الذي يرى بأن الليبرالية أفسدت عقول المسلمين وأطلقت العنان لأكثر الجوانب الوحشية والأنانية في الإنسان على حد تعبيره، وأن الظواهري قام بتفسير تلك النظريات على أنها تعني أن هذا الفساد يشمل أيضاً النظام الديموقراطي الغربي، فالديموقراطية حسب الظواهري قد شجّعت الساسة على اعتبار أنفسهم مصدر كل السلطات، وبذلك أنكروا القرآن، وبذلك أيضاً لم يعودوا مسلمين، ولهذا يجوز شرعاً قتلهم ومن يساندهم، لأن ما سينجم عن هذا من خوف سيثير صدمة الجماهير لتدرك الحقيقة.

استقر الظواهري وجماعته في (بيشاور)، وبدؤوا بنشر أفكارهم بين المقاتلين في أن كل من يُشارك في أي برلمان، أو حزب سياسي، أو يذهب للانتخاب، أو يدعو الناس إليه هو مُنكر تماماً للقرآن، ويتوجب قتله حسب النص «ومن لم يحكم بما أنزلَ الله فؤلائك هم الكافرون / سورة المائدة»، جاعلين الحركة الإسلامية أكثر تطرّفاً؛ ولم يكن ما فعله الظواهري تحدياً لعبدالله عزام فحسب، لكنه تضمّن أيضاً رفضاً متشدداً لكل النفوذ الأمريكي على المقاتلين، لأن أمريكا (مَصدر كل هذا الفساد) على حد اعتقاده.

في العام 1987 قرر الرئيس السوفييتي ميخائيل غورباتشوف سحب القوات الروسية من أفغانستان، حيث كان مقتنعاً بأن النظام السوفييتي برمّته يواجه الانهيار، مصمماً على محاولة إنقاذه من خلال الإصلاح السياسي، متخلّياً عن سياسات سابقيه، بما فيها احتلال أفغانستان، وقد طلب غورباتشوف من القيادة الأمريكية آنذاك أن تضمن للقوات الروسية خروجاً لائقاً عن طريق تفاوض مع «مقاتلي الحرّية/ المجاهدين» ولما رفضت القيادة الأمريكية ذلك أرسلَ غورباتشوف رسالة إلى ريغان يخبره فيها أن السماح لأولئك المقاتلين بتحديد مستقبل أفغانستان لن يحقق الديموقراطية التي تعتقدها الولايات المتحدة، إنما العكس، إذ ستنهض أكثر أشكال الإسلام تطرفاً، وستنتصر على كل من دعمتهم الولايات المتحدة. إلا أن الإدارة الأمريكية لم تلقِ لغورباتشوف بالاً.

مع جلاء القوات السوفييتية أفغانستان، اعتقد الأمريكيون والإسلاميون على حد سواء بأنهم لم يكسبوا المعركة فحسب، بل أسسوا أيضاً لانهيار الاتحاد السوفييتي كله، لكن في واقع الأمر كان انتصارهم وهماً على عدوّ وهميّ، فالنظام السوفييتي كان أصلاً متهالكاً يتآكل من الداخل؛ كما اعتقد الإسلاميون العرب وبالأخص (جماعة الجهاد) أن هذا (النصر العظيم) سيشعل ثورة تجتاح العالم العربي وتطيح بالقادة الفاسدين… لقد كان انهيار الاتحاد السوفييتي بالنسبة للجهاديين قوة محرّكة للإسلاميين في جميع أنحاء العالم في بداية التسعينيات.

في ذلك الوقت، كان انقسام عميق بين المقاتلين الإسلاميين في «بيشاور»، المعتدلون بقيادة عبدالله عزام الذين اعتقدوا بإمكانية تحقيق هذه «الثورة» بالوسائل السياسية، والمتطرفون مثل (أيمن الظواهري) الذين رؤوا أن الثورة العنيفة هي السبيل الوحيد، وقد بدأ الأخير عملياً ببسط نفوذه على الحركة وإضعاف مكانة عزام عن طريق استدراج أسامة بن لادن وأمواله بعيداً عنه، وتعهّد لـ بن لادن أن يكون الأمير على جماعة الظواهري المتطرفة (الجهاد الإسلامي).

رفضَ أيمن الظواهري ومجموعة من المصريين من أتباعه الصلاةَ خلف عبدالله عزام في بيشاور، وقد كانوا يُطلقون الشائعات ضده، يقول «عبدالله أنس» إن «ما أغضَبَنا من أسامة هو أنه وثّق صلتهُ بأولئك الناس»… بالتأكيد، استدرجه الظواهري ليكون أميراً فوافق…. ثم في نهاية العام 1989 تم اغتيال عبدالله عزام في انفجار هائل بسيارة مفخخة في بيشاور.

تجارب التسعينيات في البلاد العربية ونتائجها

قُتل عبدالله عزام، وبالرغم من ذلك بدا وكأن رؤيته للثورة السياسية قد يكون لها الغَلَبَة، ففي أوائل التسعينيات وفي جميع بلدان العالم العربي تقريباً بدأت الأحزاب الإسلامية في استقطاب دعم الجماهير؛ في «الجزائر» حققت «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» فوزاً ساحقاً في الانتخابات المحلية، وبدت واثقة من الفوز في الانتخابات العامة، لا تزال مقاطع فيديو موجودة على الإنترنت تُظهر كيف ينادي فيها الآلاف من المتظاهرين بإقامة دولة إسلامية؛ وفي الوقت نفسه بدأ الإخوان المسلمون في مصر بكسب دعم الجماهير والحصول على مزيد من المقاعد في مجلس الشعب… كِلا الحزبين كان يشقّ طريقه إلى السلطة مستنداً إلى رؤية مثالية للواقع والحياة، إذ يأملان في استخدام الإسلام بطريقة سياسية لخلق نمط جديد للمجتمع الحديث بشكل سلميّ.

في تصريح له آنذاك يقول «سيف البنا» وهو ابن (حسن البنا/ مؤسس جماعة الإخوان): «نحن نستطيع أن نغير الشعب بالتربية، والتوعية، والاقتناع، وببناء قاعدة شعبية تؤمن بالمبادئ التي ندعو إليها، وهذا هو الطريق الصحيح الناجح والسليم، نحن لا نريد ثورة، ولا نريد انقلاب عسكري، ولا نريد العنف، نحن نريد حقنا الطبيعي في أن ندعو الناس إلى ما نؤمن به، فإن آمن الناس فقد اتخذونا حكومةً بناءاً على رغبتهم».

لكن سرعان ما واجهت الحكومتان في مصر والجزائر معضلةً ومأزقاً خطيراً، وهي أنه في جوهر الرؤية الإسلامية تَكمن فكرة أن «القرآن» يجب أن يكون المرجعيّة السياسة للمجتمع والدولة بشكل حصري عبرَ مجموعة ثابتة من القوانين والنُظم غير القابلة للجدل (قد يكون الجدل فيها دموياً)، والتي ينبغي على كل الساسة اتّباعها، ما يعني ضمناً أنه لن يكون هناك ضرورة للأحزاب السياسية فيما بعد.

كان الناس على وشك التصويت لأطراف قد تستخدم شعبيّتها لإنهاء العملية الانتخابية والديموقراطية برمّتها، صوتٌ واحد، لرجل واحد، ولمرة واحدة فقط… ولا خيارات لاتّخاذها إلا:

  1. أن يتدخل الجيش ليعطّل العملية الانتخابية
  2. أن تستمر العملية الانتخابية فتستولي على السلطة جماعة ستضع بدورها حداً لتلك العملية وتستفرد بها، جماعة تعتبر الديموقراطية كفراً… وتستخدمها كوسيلة.

خياران أحلاهما مر، الديكتاتور العسكري، أو الديكتاتور الديني، وفي الحالتين: لا ديموقراطية.

سنرى لاحقاً أن هذا الثنائي الفانتازي العجيب (الديكتاتور العسكري – الديكتاتور الديني) ينسجمان مع بعضهما البعض بشكل مثالي جداً، إذ سيُثبت كل منهما عن طريق الآخر أنه على حق، سيعطّل الديكتاتور العسكري الانتخابات ليُقصي كل أشكال المعارضة بحجّة الإخوان، وستظل جماعة الإخوان تعتبر (العلمانية) هي (الجيش)، وتنادي بالمظلوميّات، وتتهم العالم بأسره بالتآمر على الإسلام، عوضاً أن تتهم الديكتاتور بالتآمر على الشعب والدولة…. يا للحمقى!

بالفعل، أمام هذا المأزق الكبير، قرر الجيش في الجزائر أن يتدخّل، وفي حزيران 1991 دبّر انقلاباً عسكرياً، وألغى الانتخابات على الفور، وتم قمع احتجاجات الجماعات الإسلامية بشكل عنيف، واعتقال قادتها…. وفي مصر كذلك قامت الحكومة أيضاً بفرض سيطرتها، اعتَقَلت المئات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين، ومُنعت الجماعة من ممارسة أي نشاط سياسي، وتم إيقاف الانتخابات الحرة في كافة مؤسسات الدولة. وهكذا فُتحت أبواب الجحيم.

ردود أفعال   

عززت تلك الأحداث في مصر والجزائر بشكل صارخ قناعة أيمن الظواهري بأن الديموقراطية ماهي إلا خدعة فاسدة… وبالتالي كانت مجموعات من الإسلاميين المتشددين الذين طوّروا نظريات الظواهري إلى أشكال أكثر تطرفاً قد شَرَعُوا عملياً في محاولة إشعال ثورات عنيفة في الجزائر ومصر، ستكون «بدايةً للجهاد الذي سيحرر العالم الإسلامي» من الفساد على حد زعمهم.

بدأ بن لادن والآخرون منذ تلك اللحظة في ممارسة الجهاد بطريقتهم الخاصة: لا تنازلات، لا محاولة للتفاهم مع الجماعات المعتدلة التي ترتضي بالديموقراطية، إنما اعتبار الطلائع المسلّحة هي الضمانة الوحيدة لتحكيم الشريعة الإسلامية.. كانوا على قناعة بأن بإمكانهم استنساخ «النصر» الذي حققوه في أفغانستان، وتأسيس دولة إسلامية في الجزائر ومصر وغيرها… اعتقدوا أنهم بهذا سيأسرون قلوب وعقول الجماهير المسلمة، وأن الناس ستدرك أن النصر إنما يأتي به المجاهدون حصراً.

في أوائل التسعينيات، الجزائر، مصر، السعودية، ودول عربية أخرى عانت معاناة شديدة من موجة مروّعة من الإرهاب الإسلامي، كان المجاهدون العائدون من أفغانستان يحاولون قلب أنظمة الحكم في بلادهم، وقد كان محور استراتيجيّتهم فكرةً لقّنهم إياها (أيمن الظواهري) وآخرون أن «من يعملون في السياسة يحلّ قتلهم شرعاً»، لم تكن تلك فكرةً بعيدة الاحتمال، إنما حقيقةً وفعلاً، الكثير من الحكّام والعلماء والمثقّفين والساسة في العالم العربي تم قتلهم بسبب هذه الفكرة فقط: لأنهم نبذوا القرآن عبر المشاركة في الانتخابات.

وعلى الرغم من ذلك، ظلّت الأنظمة العربية الديكتاتورية في الحكم، ليقوم الإسلاميون المتطرفون بتوسيع عملياتهم الإرهابية، ويُصبح مَنطِقهم أكثر وحشيّة، إذ لم تقتصر عند تلك المرحلة عملياتُهم على العاملين في السياسة، إنما الناس العاديون الذين يساندونهم، حيثُ رَفْضُهم للتمرّد أثبتَ أيضاً أنهم فاسدون مثل حكّامهم، وبذا حَكَموا على أنفسهم بالموت؛ وهكذا كانت الديموقراطية بالنسبة للإسلاميين خدعة، باعتبار حكام المنطقة «علمانيين ديموقراطيين» لا ديكتاتوريين، والمسلمين المعتدلين المنصاعين إلى الوسائل الانتخابية هم كفرة: نهاجم القادة، من يرتبطون بهم، وفي النهاية نهاجم أولئك الذين ارتضوا وجود مثل هذا القائد المستبد حتى لو على طريق دعمه سلبياً عبر الصمت، ثم نبدأ فنهاجم المؤسسات الاقتصادية، والسياح لأن أموالهم ستصب في جيوب القادة الفاسدين..إنها عملية لا حصر لها ولا نهاية.

لقد سقط الإسلاميون في دوامة مخيفة من العنف والإرهاب وهم يحاولون إقناع الناس باتّباعهم، ولقد حكَمت الشعوب العربية (الأكثرية تحديداً) على نفسها بالموت لجهلها بأحكام دينها الداعي أصلاً إلى القتل والعنف… حَكَمت على نفسها بالموت على يد الإسلاميين المتطرفين، وعلى يد الديكتاتور أيضاً في الوقت نفسه.

في مصر (شهر حزيران 1997) هاجم إسلاميون متطرفون سائحين غربيين عند آثار «الأقصر» وقتلوا 58 منهم خلال 3 ساعات، ليصاب المصريون بصدمة مروّعة، وفي الجزائر بات منطق الإسلاميين خارج السيطرة تماماً، فقد قامت الجماعات الإسلامية الثورية بقتل الآلاف من المدنيين، نعم، الآلاف منهم، ليقوم الجنرالات الذي يحكمون البلاد باختراق تلك الجماعات، وطلبوا من عملائهم داخلها بالدفع أكثر تجاه منطق العنف هذا، وحثّهم على التطرف أكثر وقتْل المزيد، إذ من شأن ذلك أن يَخلق من الرعب في قلوب الناس ما يُفقد الجماعات الإسلامية ما تبقّى لها من دعم، ويتيح للجنرالات أن يستغلّوا الخوف والكراهية في إحكام قبضتهم على السلطة.. تذرّعوا بالإرهاب والعنف، لإيقاف الحركة السياسية والاقتصادية في المجتمع، وزَعموا أمام العالم بأنهم يواجهون الإرهاب؛ إنها استراتيجية ناجحة للغاية -يقول الحاضر العربي والتاريخ- وهكذا كانت الديكتاتورية مصيراً حتميّاً طالما أن الإسلاميين يحاولون الوصول إلى السلطة.

ظلت الجزائر على هذا المنوال حتى العام 1997 حيث تداعت فيها الحركة الإسلامية، إذ عمّت مظاهرات حاشدة ضدها في عموم البلاد، واقتتل الإسلاميون فيما بينهم مستخدمين نفس المنطق الذي دفع بثورتهم إلى نهايتها القصوى (النص القرآني العقيم والمثير للجدل الدموي).

حين ترى مجموعة إسلامية أن على المسلم أن يكون نقياً 100% فلن ترى ذاك النقاء إلا في نفسها، وسيصبح كل من يختلف معها عدوّاً خارج الإسلام يتوجب قتله.

وقَعَت الجماعة الإسلامية الرئيسية في الجزائر تحت قيادة «عنتر زوابري»، وقد كان مربياً للدواجن يَقتل كل من يختلف معه، أصدرَ بياناً ختامياً أعلن فيه أن المجتمع الجزائري بأكملهِ يجب أن يُقتل، باستثناء العدد الصغير المتبقّي من زمرته الإسلامية، فهُم الوحيدون الذين فهموا الحقيقة. !

 

ظلّت الأنظمة العربية الديكتاتورية في الحكم، ليقوم الإسلاميون المتطرفون بتوسيع عملياتهم الإرهابية، ويُصبح مَنطِقهم أكثر وحشيّة، إذ لم تقتصر عند تلك المرحلة عملياتُهم على العاملين في السياسة، إنما الناس العاديون الذين يساندونهم، حيثُ رَفْضُهم للتمرّد أثبتَ أيضاً أنهم فاسدون مثل حكّامهم، وبذا حَكَموا على أنفسهم بالموت؛ وهكذا كانت الديموقراطية بالنسبة للإسلاميين خدعة

 

استراتيجية جديدة !

في العام 1997 عاد الظواهري وبن لادن إلى أفغانستان مجدداً بعد أن كانوا يديرون العمليات الإرهابية في الدول العربية من داخل مزرعة في السودان، ودعا الرجلان لعقد مؤتمر صحفي أعلنا فيه جهاداً جديداً، انتهى بإعلان الحرب على الولايات المتحدة الأمريكية، واليهود، والمسيحيين، وأنه لا مشكلة لديهما في التعاون مع كل من يحارب هؤلاء.

كانت جماعة الظواهري قد فقدت ثقتها بمقدرة الجماهير على التحرك تلقائياً، فقررت تغيير استراتيجيتها تماماً، من ضرب العدو القريب (الحكام العرب والمجتمعات الكافرة) إلى حرب العدو البعيد (أمريكا والغرب) لأن ذلك «سيثير إعجاب الجماهير ويدفعها إلى التحرك».

بدأ الظواهري وبن لادن في تنفيذ هذه الاستراتيجية الجديدة في آب عام 1998حيث تفجيران انتحاريان بالقرب من السفارتين الأمريكيتين في (كينيا، وتنزانيا) خلفا أكثر من 200 قتيل، واستمرت تلك العمليات إلى أن جاءت أكبرها (أحداث 11 سبتمبر).

لم يكن الظواهري يشكّ في رؤيته، إنما ألقى باللائمة على الجماهير التي غرّتها القيم الليبرالية حتى باتت فاسدة مثل حكامها على حد تصوّره…. طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات كان الظواهري يحاول إقناع الجماهير بإسقاط الحكام الذين سمحوا لهذا الفساد بأن يلوث بلادهم واستبدالهم بحكم إسلامي، إلا أن الجماهير رفضته لما رأته من صدمة جراء العنف، ولكونه (لا يمثل الإسلام) الذي يعرفونه. حتى الآن على أقل تقدير.

هنا كان الإسلام بالنسبة للعالم دينَ الرعب، دين الفقراء الجائعين الغاضبين الدمويين الذين يحاولون تغيير واقع الأمر في بلادهم عبر استنساخ التاريخ من جهة، ويحاولون تغيير العالم بأسره من جهة أخرى.

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (4): سوريا الأسد الأب و«الطليعة المقاتِلة»

إقرأ أيضاً