fbpx

هنا القصة الثالثة

عبدالله حسن

عبدالله حسن

مقالات الكاتب

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (4): سوريا الأسد الأب و«الطليعة المقاتِلة»

في المقال السابق، انتهت مرحلة البداية التي استعرضنا فيها نشأة فكرة التغيير الإسلامي لواقع المجتمعات العربية، ثم الطريقة التي اتخذتها تلك الفكرة للتعبير عن أطروحاتها بمنحًى متطرف حين تعرّض أتباعها للقمع والتعذيب… بدأت القصة مع «سيّد قطب» في مصر (قبل السجن، وبعده)، ثم «مروان حديد» في سوريا (قبل احتجاج 64 وبعده) وموقفه إلى جانب الإخوان من حزب البعث، ثم أيمن الظواهري (قبل السجن، وبعده).

في هذا المقال ستبدأ المرحلة الثانية (حيّز التطبيق) والتي سنرى خلالها كيف ستعمل بشكل منسجم ثنائية الإسلام الراديكالي الدموي مع الديكتاتورية العسكرية، حيث كل منهما يقدّم نفسه كبديل حتمي للخلاص لابد منه ولا ثانيَ له، لأن: الآخرين هم الجحيم، بدليل كذا وكذا …

سوريا الأسد الأب و «الطليعة المقاتِلة»

هيمن الأسد الأب على سوريا مدعوماً بالجيش عام 1971، ونال استحسان الجماهير التي كان قد أرهقها «البعث» قبله، حيث قام ببعض الإصلاحات الاقتصادية (لم يكن يملك رؤية اقتصادية خاصة، إنما تابع مشاريعاً كان قد بدأها قبله صلاح جديد)، بنى الجيش السوري المدمّر عبر مساعدات خليجية كان الغرض منها إنقاذ الاقتصاد السوري عقب خسارة 67، اشترى بها أسلحة سوفييتية، ليحقق نصراً في حرب أكتوبر 1973 حتى باتت البلاد تعجّ بصورهِ وتماثيله التي تمجّده في كل مكان من أرجائها، علماً أنها كانت قريبة جداً من الوقوع في مجاعة مدوّية آنذاك.

كان الأسد وحشياً لا يرحم منذ البداية، يقتل ويسجن كل من يشتبه في كونه يمثّل تهديداً، حتى أنه وفي العام 1964 إبان الاحتجاجات المسلحة للإخوان في حماة (أحداث جامع السلطان) قال: «سنصفّي خصومنا جسدياً»، كما أنه اعتقل «صلاح جديد» ولم يُفرج عنه رافضاً كل الوساطات العربية والسوفييتية لإخراجه ليموت في السجن عام 1993؛ لكنه في الوقت نفسه كان يؤمن بأن هذا العنف هو لغرض «نبيل»، إذ كان يسعى آنذاك لإيجاد طريقة توحّد العرب، واستغلال قوة الوحدة في الوقوف بوجه الغرب؛ بمعنى آخر، كان الأسد في بداية تسلّمه يضع نصب عينيه السياسة الخارجية كأولوية، مديراً ظهره للحِكمة في التعامل مع ما يجري في الداخل السوري على كافة المستويات، كان رجلاً ديكتاتورياً عنيداً بليداً بعقليّة ضابط، لا أكثر من ذلك.

حافظ الأسد وهنري كيسنجر

في المقابل، لم يكن وزير الخارجية الأمريكية «هنري كيسنجر» يقل قسوة ووحشية عن حافظ الأسد، كان قد بزغ نجمه في الخمسينيات كأحد خبراء نظرية الاستراتيجية النووية، التي كانت تسمى آنذاك «توازن الرعب الدقيق» وتُدَار بموجبها الحرب الباردة، فمن خلالها كان الطرفان (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي) يُدركان أن هجوم أحدهِما على الآخر سيترتب عليه في التو هجومٌ نووي مضاد وإبادة لهما؛ كان كيسنجر بمثابة تجسيد حي لشخصية الدكتور «سترانجلوف» في فيلم المخرج «ستانلي كوبريك».

يرى كيسنجر نفسه واقعياً حد النخاع، ولا يملك الوقت لإضاعته على فوضى آيديولوجيات السياسة الانفعالية، كان مؤمناً بأن التاريخ طالما كان ساحة للصراع على السلطة ما بين الأمم والمجموعات المختلفة، وما استفاده كيسنجر من تجربة الحرب الباردة هو رؤيته للعالم باعتباره نظاماً مترابطاً، وأن مهمّته الحفاظ على توازن هذا النظام وحمايته من السقوط في الفوضى، يقول في مقابلة معه: «أؤمن أنه يُصاحب كل التغيرات التي نشهدها الآن فرصة استثنائية لتكوين -للمرة الأولى في التاريخ- مجتمعٍ عالمي قائم على مبدأ الاعتماد المتبادل، وأننا إذا تصرفنا بحكمة وبصيرة أعتقد أنه سيأتي اليوم الذي ننظر فيه لكل تلك الفوضى باعتبارها آلام المخاض لنظام جديد أفضل وأكثر إبداعية، وأننا إذا فوّتنا تلك الفرصة فسنسقط في الفوضى لا محالة».

شرع كيسنجر في فرض رؤيته هذه على السياسة الشرق أوسطية الفوضوية، مدركاً أنه في سبيل ضمان تطبيقها عليه الالتفاف على الرئيس السوري.

كان الأسد مقتنعاً بأن السبيل الوحيد لسلام دائم وحقيقي بين العرب وإسرائيل لن يكون إلا بالسماح لمئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في سوريا ولبنان والأردن بالعودة إلى وطنهم، وكأنه لم يكن يفكّر سوى بردّ الاعتبار لنفسه، وتقديمها كشخصية بطوليّة في العالم العربي؛ لكن كيسنجر من جانبه كان يرى أن خطوة كهذه ستعزز قوة العرب، وستخلخل توازن القوى في العالم، لذلك لم يكن يلقي لها بالاً؛ ليبدأ كيسنجر لعبة مزدوجة أسماها «الغموض البنّاء».

بعد سلسلة من الاجتماعات، أقنع كيسنجر السادات مثلما أسلفنا بتوقيع اتفاقية منفردة مع إسرائيل، وفي الوقت ذاته استدرجَ الأسد ليصدّق بأنه كان يعمل أيضاً على اتفاقية سلام أشمل تتضمّن عودة الفلسطينيين، لكنه في الواقع كان قد تجاهل الفلسطينيين كلياً، حيث كانوا بالنسبة له لا يمثلون أية أهمية في بنية توازن النظام العالمي، ضارباً بالأسد ومراهقته السياسية والفلسطينيين عرضَ الحائط…. ستعتبر المجتمعات العربية لاحقاً أن تلك عداوة للإسلام والقدس، عوضاً عن اعتبارها عداوةً للإنسان بالدرجة الأولى!

هنري كيسنجر

تتميز رؤية كيسنجر فيما يخص السياسة العالمية بالسمة البنيويّة، كل شيء في ذهنه مترابط في وحدة متكاملة، لكن أفكاره الرئيسية دائماً ما تكون في إطار بنية التوازن العالمي للقوى، بمعنى أنه حين كان يتعامل مع مسائل كالكرامة والبقاء والحرية تأتي إلى ذهنه هذه القضايا كمسائل جانبية تتمخّض عن لعبة صراع الأمم على السلطة.

عندما اكتشف الأسد أن كيسنجر هَمَّشهُ ولم يلقِ له بالاً، كان قد فات الأوان؛ وقد عبّر عن غضبه العارم خلال سلسلة من اللقاءات معه في دمشق، وأخبره أن ما اقترفه سيفتح أبواب الجحيم في العالم العربي؛ وصف كيسنجر تلك اللقاءات قائلاً: «بدا غضب الأسد المكظوم مثيراً للإعجاب، لأنه بالرغم من غضبه الشديد إلا أنه تكلّف على هيئة باردة وهادئة غاية في الغرابة».

اضطر الأسد للتراجع أمام مخطّطات كيسنجر، وشرع في بناء قصره العملاق المطلّ على دمشق كـ خطوة دفاعية، وبدا إيمانه بإمكانية تغيير وجه العالم العربي يذوي مع الوقت؛ وقد كتب أحد الصحفيين البريطانيين الذين كانوا على صلة به آنذاك: «لقد توارى الأسد المتفائل الواثق بالمستقبل، وحلّ محلّه أسد وحشي، حاقد، لا يفكر بشيء سوى الانتقام».

الطليعة المقاتلة 

كان تنظيم «الطليعة المقاتلة» أول تجربة جهادية في سوريا تَتخذ من العنف سبيلاً وحيداً للتغيير، إذ أدّت مساعي «مروان حديد» طوال سنوات الستينيات إلى نمو شبكة من المتشدّدين الذين كانوا يرغبون في دفع جماعة الإخوان إلى خوض المواجهة المفتوحة مع النظام بعد تشكيل ذراع عسكرية للجماعة، حيث كان (حديد) دائم الدعوة إلى تنفيذ الجملتين الأخيرتين من شعارها «الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهادُ سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا»، ولما لم ينجح في ذلك توجَّه مع تلاميذه للإعداد للقتال من خلال العمل المسلح مع حركة «فتح» الفلسطينية في غور الأردن بين العامي (1968 – 1970) داخل معسكرات/ قواعد «الشيوخ»، وهناك تمكّن من إعداد «النخبة» الأولى لتنظيمه الجهادي (تنظيم الطليعة المقاتلة).

في عام 1973 أصدرَ الأسد دستوراً مؤقتاً للبلاد، وطرحه للاستفتاء، وبدت عليه -حسب أدبيات الإخوان- معالم «العلمانية» إذ كان يخلو آنذاك من تحديد دين رئيس الدولة (ما علاقة دين رئيس الدولة؟)، ولهذا لعب «مروان حديد» و المنظّر الحموي لجماعة الإخوان المسلمين آنذاك «سعيد حوى» دورَ الاعتراض عليه، حيث كتب الأخير فتوى برفضه، جامعاً عليها تواقيع معظم مشايخ دمشق، حلب، حماة، وحمص، الأمر الذي أدى لاعتقاله. أما (حديد) فقد ألقى خطبة كفّر فيها حافظ الأسد ودستوره، وأفتى بوجوب الجهاد ضده، ليتوراى بعدها عن الأنظار، متفرّغاً لإعداد طليعته.

في ذلك الوقت، كان حافظ الأسد ومنذ بداية حكمه قد مدّ يده السخيّة إلى علماء الدين، ولم يفوّت فرصة لتكريمهم والعناية بهم؛ في عام 1973 قدّم تبرعات شخصية كبيرة للمدارس الشرعية والمؤسسات الخيرية في محافظتي حماة وحمص، وفي العام الذي يليه (1974) رفعَ تعويضات أئمة سوريا الـ 1138 ومدّرسي العلوم الشرعية الـ 252 وخطباء المساجد الـ 610 والمؤذّنين الـ 1038 وقرّاء القرآن الـ 280، ثم زاد تعويضاتهم عام 1976 ومرة أخرى عام 1980، وخصص عام 1976 مبلغ 5.4 ملايين ليرة سورية لبناء مساجد جديدة بتوجيهات مباشرة منه، وكان في كل عام يتناول الإفطار في يوم معين من شهر رمضان مع أهم «العلماء»؛ سيصرّح الأسد الابن بدوره في خطابه عام 2013 خلال ذكرى الجلاء الفرنسي بأن سوريا منذ عام 1970 بنت 18 ألف مسجد، و220 مدرسة شرعية. ألم يسأل أحدٌ نفسه (لماذا؟).

الدولة التي ما إن اعتبرها أحد الأطراف عدوّاً حتى يقع في حرب طائفية مع البقيّة… الدولة التي يتم سجن المعارضين العلمانيين فيها داخل سجون الإسلاميين وفي زنزانة واحد

ردّاً على الاعتراض على دستور الدولة، أدخل الأسد تعديلاً يقول إن «دين رئيس الجمهورية هو الإسلام» مصرّاً على رفض «كل تفسير متخلف للإسلام يكشف عن تزمت بغيض، وتعصب مقيت، فالإسلام هو دين المحبة والتقدم والعدالة الاجتماعية، وهو دين المساواة بين الناس»، ولمواجهة التهم التي كان يلقيها بوجهه المتعصبون من الطليعة والإخوان بانتمائه إلى طائفة «من أصحاب البدع/ طائفة أخطر من اليهود (حسب ابن تيمية)» أمَر الأسد 80 من رجال الدين العلويين آنذاك بإصدار بيان رسمي يؤكدون فيه أن كتابهم المقدس هو القرآن، وأنهم مسلمون شيعة من الاثني عشرية، وقد صادق على بيانهم المفتي الجعفري الممتاز في لبنان «عبد الأمير قبلان»، وأكد الإمام «موسى الصدر» رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان من جانبه على «الوحدة المذهبية» للعلويين مع الشيعة، واشْتغلَ أئمة المساجد وعلماء الدين جنباً إلى جنب في التأكيد على وحدة المسلمين تحت لواء القائد المفدّى حافظ الأسد.

كان الأسد يدرك أن الطريق إلى قلوب السوريين يبدأ من العقيدة الدينية، وينتهي عندها، شعوب أيّدت الاحتلال العثماني وارتضت به وبخوازيقه لأنه جزء من (الخلافة الإسلامية)، ورفضت الانتداب الفرنسي ليس لأنه انتداب بل لأنه لا يمثل الإسلام؛ كان الأسد يعلم مثلما يعلم ديكتاتوريون عدة على مر التاريخ أن شعوباً لا ترى الخير والشر إلا من منظور ديني سيَجعل منها لقمة سائغة لكل من يبني المساجد ويحفظ الآيات والأحاديث ويُجيد التلاعب بها.

في العام 1975 كان (حديد) قد وضع خطة للعمل من أربع مراحل تتضمّن (التعريف الفكري، الاستيعاب التنظيمي، الإعداد والتدريب، الصدام مع النظام) قبل أن يتم كشف مخبئه وإلقاء القبض عليه ليموت داخل السجن في حزيران 1976، ويتسلّم «عبد الستار الزعيم» (أحد روّاد معسكر الشيوخ) قيادة الطليعة الحموية (حماة)، وفي عهد هذا الأخير ستأخذ الطليعة شكل التنظيم السري الصارم، وستتبنى استراتيجية حرب عصابات المدن طويلة الأمد، وتبدأ عملياتها بشكل طائفي يستهدف العلويين تحديداً، وسيصدر الزعيم بيانه الأول باسم «الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين».

يحاول كثيرون من الكتاب والباحثين المناصرين لجماعة الإخوان القول بأن هذا الاسم الذي اختاره عبد الستار الزعيم «الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين» هو لتحديد (المرجعية الفكرية) للطليعة دون ارتباط تنظيمي. وهذا عذر أقبح من ذنب، إنه اعتراف بأن الطليعة تنتمي للإخوان فكرياً؛ والحقيقة أن جماعة الإخوان مسؤولة عما فعلته الطليعة، وهي كذلك لم تتخذ موقفاً حاسماً منها ولا من مراون حديد، إنما اكتفت طوال تلك السنوات بنفي علاقتها بكل عملية دموية تقوم بها، عوضاً عن التبرّؤ من حديد نفسه وأتباعه؛ لكن كيف لها أن تتبرأ من حديد أو غيره في الوقت الذي يَربطهم ويجمعهم دستور وشعار واحد؟ «الجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا»…. إن كان الموت أسمى الأماني، فأي مستقبل ينتظر دولة يقودها الإخوان سوى الموت؟.

في العام 1976 بدأ تنظيم الطليعة بتنفيذ عمليات الاغتيال في حماة، واستهدف من استطاع الوصول إليه من مسؤولي نظام الأسد، العلويين بشكل خاص، إذ كانت ترى الطليعة أن الشخصيات التي هي من أسرة «سنّية» «غير ثابتة في السلطة، وهي عُرضة في أي لحظة للتغيير والتبديل»، والحق هو أن الجماعة كانت عاجزة آنذاك عن تكفير «السنة» في نظام البعث، إذ لم تكن تفسيرات الظواهري لفتاوى قطب قد بلغت في سوريا هذا الحد، وإن كانت سوريا السبّاقة في الدعوة إلى انتهاج هذا الفكر الدموي طريقاً.

شدد النظام السوري عملياته الأمنية في حماة إثر الاغتيالات المتكررة التي كانت تنفّذها الطليعة، ما اضطر أكثر العناصر الفاعلة فيها إلى الانتقال لدمشق حيث كان فرع التنظيم يتوسع ببطء، وهناك افتَتحت الجماعة نشاطاتها باغتيال رئيس جامعة دمشق الدكتور «محمد الفاضل» مستشار حافظ الأسد للشؤون القانونية، وأحد «العقول المدبرة في الطائفة النصيرية» حسبما تقول أدبيات الإخوان…. وهكذا استمر التنظيم في تنفيذ استراتيجية «إضرب واهرب»، بالاغتيالات والعبوات المحدودة، محاذراً الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة في ظل الاختلال الكبير في ميزان القوى، وذلك حتى صيف 1979 حين كانت ظروف الملاحقة والاعتماد على المراسلين الشخصيين وصعوبة اللقاءات بين أعضاء التنظيم قد دفعت (عبد الستار الزعيم) إلى إعطاء الفروع صلاحية واسعة في اختيار الأهداف والتنفيذ، فكان من قيادة الطليعة في حلب أن نفّذت «مجزرة مدرسة المدفعية» التي ستظل واحدة من أسوأ الجرائم التي ارتكبها التنظيم في سوريا على الإطلاق، علاوةً على جريمة أنه موجود أصلاً.

في 16 حزيران 1979 شنت الطليعة هجومها على «مدرسة المدفعية» في حلب عبر النقيب «إبراهيم يوسف» الذي كان ضابطاً مناوباً آنذاك، حيث دعا هذا الأخير إلى عقد اجتماع للطلاب، وعندما هرعوا من مهاجعهم تنفيذاً لأمره وأصبحوا داخل القاعة الطلابية، منح الأمر لأعوانه أعضاء الطليعة ممن أدخلهم من خارج المدرسة بفتح النار بالرشاشات والقنابل على الطلبة في القاعة المغلقة، ليُقتل 32 طالباً ويسقط 54 جريحاً معظمهم من الطائفة العلوية؛ أما جماعة الإخوان فقد قالت في بيان لها أنها «فوجئت باتهام السلطات لها بالخيانة»، وأنه «لا عِلم لها بالضالعين خلف الاغتيالات التي تجري في سوريا».

بهذا كانت جماعة الإخوان قد وصمت نفسها بالعار المُطلق (الطائفية)، وأثبتت أنها غير قادرة على ضبط الشذوذ الناجم عن قصور مرجعيّتها الفكرية، وباتت مستعدة لتكون وسيلة بيد البعث الذي سيستغلّ نقاط ضعفها الأيديولوجية والأخلاقية والنزعات المتشددة فيها والتوجهات الطائفية لدى أتباعها، ليفتك بها وبالمعارضين السياسيين على حد سواء، ويؤكّد للمسلمين الذين يعمل علماء الدين على تربيتهم ليل نهار داخل الدولة أن الأسد أكثر ضماناً لحياة (مستقرة).. لن نقول (كريمة) لأن الحفاظ على النفس أقدس من كل ما يأتي بعدها.

سوريا الأسد 

في الحقيقة، تبدأ هذه الحقبة التي يمكن أن نسمّيها (سوريا الأسد) عقب العام 1980، حيث كان الأسد آنذاك يرتّب أوراقه الداخلية بسرعة للتفرّغ لأحقاده الخارجية، وإثبات نفسه على الساحتين العربية والدوليّة؛ رداً على ما فعلته الطليعة، أطلق النظام حملة «تمشيط» واسعة في مدينة حماة عام 1980 فعزلها كلياً عن العالم، وفتش بيوتها بيتاً بيتاً على مدى أسبوع، بحثاً عن السلاح وعن أسماء أعضاء من الطليعة المقاتلة، لكن ذلك لم يقضِ على التنظيم، إذ كان مقاتلوه يخرجون من بيوتهم إلى بيوت الناس الآخرين للاختباء فيها، ولهذا فقد لجأت السلطات بعد ذلك إلى عقوبات جماعية للناس في حماة وحلب، ارتكبت خلالها مذابح اضطرت الأهالي إلى الابتعاد عن عناصر الطليعة، قبل أن يفتك بها «البعث».

في المقابل، أرسل رئيس المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية في المدينة المنورة «عبد العزيز بن باز» رسالة إلى حافظ الأسد قال فيها: «لقد هال المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية المنعقد بالمدينة المنورة، والذي يحضره ممثلون من علماء المسلمين وقادة الفكر في العالم الإسلامي ما جرى ويجري في سورية المسلمة؛ من إعدام وتعذيب وتنكيل بالمسلمين الذين يطالبون بتحكيم شريعة الله في المجتمع.. وذلك تحت ستار حادثة حلب، التي نقلت وكالات الأنباء والصحف العربية والعالمية أنها تمّت بين أجنحة الحزب الداخلية، بسبب ما تشعر به أكثرية المواطنين من عنت وإرهاق وإهدار للقيم في كل الميادين.. على صعيد الممارسات اليومية، ونتيجة الاختلاف في نوع الانتماء والولاء الطائفي.

والمفروض أن يُقضى على الأسباب الجذرية للفتنة.. لا أن يسار في تعميق تلك الأسباب.. كما أن الواجب أن يشجع الشباب المخلصون لدينهم ولأمتهم، ويوقف ما يتخذ ضدهم وضد أسرهم من إجراءات منكرة.. تفويتاً لفرصة الكيد اليهودي، وضماناً لوحدة الصف، والإفادة من كل الطاقات الخيرة في معركة المصير مع العدو المتربص، وحرصاً على أن تؤدي سورية المسلمة المعروفة بأصالتها دورها كاملاً غير منقوص في جهاد أعداء الإسلام.. وقد بات هذا الأمر آكد وآكد بعد ما ارتكبته العصابات اليهودية الحاقدة وأعوانها صباح مساء في جنوب لبنان، لأغراض معروفة.

إن المجلس الأعلى للجامعة الإسلامية يأسف أشد الأسف لما يجري في هذا البلد الغالي من سفك دماء الذين ينشدون ما هو واجب على كل حكومة تؤمن بالله ورسوله، من تحكيم شرع الله -تعالى-، والعودة إلى ما كانت به عزيزة قوية مرهوبة الجانب.. حين قامت للدنيا أسمى حضارة عرفها الإنسان.. ويستغرب المجلس الأعلى أشد الاستغراب أن تكون هذه الدعوة في بلد إسلامي عريق جرماً يستوجب أهله الاعتقال والإيذاء والقتل.. دون أن يسمح للمتهم بأدنى قدر من الحرية لجلاء الحقيقة.

وإننا لنهيب بكم، وبكل المسؤولين في كل البلاد العربية والإسلامية أن يجمعوا الصفوف على كلمة الله، وتطبيق شريعته، ويعدوا العدة، ويوحدوا القوى.. في ظلال العقيدة الإسلامية، وحب الجهاد والاستشهاد.. فذلك طريق النصر والفلاح. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

في مطلع عام 1982 اكتشف النظام وجود تنظيم عسكري للإخوان داخل الجيش، فوُجهت إليه ضربة قاضية، حيث أعدم خلالها العشرات من الضباط، واعتقل المئات منهم؛ وفي الثاني من شباط عام 1982حدثت مجزرة حماة الشهيرة، التي اشتركت فيها سرايا الدفاع، والجيش، والقوات الخاصة، والمخابرات، وفصائل حزبية مسلحة، حيث أعمَل هؤلاء بالمدينة قصفاً وهدماً وحرقاً وإبادة جماعية، فقُتل آلاف السوريين، وهدمت أحياء بكاملها على رؤوس أصحابها.

لم يتعامل النظام مع الطليعة المقاتلة على أنها جسم منفصل عن الإخوان المسلمين، فحجته كانت أن الكثير من الإخوان يتعاطفون مع الطليعة ويدعمونها، حتى إذا نجحت تلك الطليعة في عملها المسلح تبنّته القيادة السياسية، وقد كان محقّاً في ذلك.

لقد منحت الطليعة حافظ الأسد حجّة استخدام العنف والإفراط فيه بلا هوادة على طبق من ذهب، مثلما منحته مبرر قمع الإخوان بشقها السياسي، والمعارضة العلمانية ككل.. لقد ثبّت حافظ الأسد حكمه عبر استغلال طائفية الطليعة وإجرامها ليتابع إقصاءه أشكال المعارضة كلها، ويستمر في تقديم نفسه كبديل أمثَل سيحافظ على النسيج السوري ويضمن بقاءه موحَّداً، وبذلك أيضاً ضمن الأسد وقوف الأقليات كلها إلى جانبه (مرعباً إياهم من احتماليات بطش الأكثرية بهم داخلياً، وبطش أعداء سوريا بهم من الخارج)، كما ضمن مساندة «السنة» المسالمين والمستفيدين له على حد سواء، فشرع أكثر بالاعتناء بهم دينياً كي لا يفكروا مستقبلاً بالتمرد عليه، ويبدأ حافظ الأسد بعدها هندسته المجتمعَ السوري (بالدين، والبروباغندا، وإثارة المخاوف،  وبالقمع الديكتاتوري لكل الخصوم) ليتفرّغ لاحقاً لما كان يشغله.

على الصعيد الخارجي، لم يكن الأسد قادراً على نسيان ما فعله كيسنجر به؛ كانت إسرائيل في ذلك الوقت قد عزمت على تدمير قوة الفلسطينيين داخل لبنان بالكامل، بعثت في العام 1982 بجيش عرمرم لتطويق مخيماتهم، واكتفت بعدها تلك القوات المحتشدة بمشاهدة الفصائل اللبنانية المسيحية وهي ترتكب مجزرة «صبرا» تحت عينها وبموافقتها، الأمر الذي روّع العالم بأسره، ليجد الرئيس الأمريكي ريغان نفسه مضطراً للتدخل لمواجهة ذلك الرعب والفوضى المتنامية، الأمر الذي سيضعه في استراتيجية متضاربة مع كيسنجر الرامي إلى خلق عالم أكثر أمناً واستقراراً على حد تصوّره.

أعلن ريغان عن إرسال قوات مارينز إلى بيروت لقيادة قوات حفظ السلام هناك، مشدّداً على حيادية تلك القوات، لكن الأسد كان مقتنعاً بأن ثمة نوايا خفية وراء ذلك، حيث كان يرى أن تلك القوات هي جزء من مؤامرة (أمريكية-إسرائيلية) هدفها تحويل الشرق الأوسط إلى فرق متناحرة، ليعقد عزمه على إخراج الأمريكيين من البلاد العربية والانتقام من كيسنجر، وللقيام بذلك عقدَ حلفاً مع «آية الله الخميني»، الذي قدّم للأسد -من بين ما قدّمه- سلاحاً فريداً وجديداً كان قد ابتكره للتو، أطلق عليه اسم «قنبلة الفقراء الذرّية».

كان الخميني قد اعتلى السلطة قبل عامين كقائد للثورة الإيرانية، لكن في ظل سلطته المحفوفة بالمخاطر، طوّر هذا الرجل فكرة جديدة تمكّنه من محاربة أعدائه والذّود عن الثورة الإسلامية في بلاده، إذ أجاز لأتباعه قتل أنفسهم لحمايتها، شرط أن يقتلوا معهم أكبر قدر ممكن من الأعداء.

كانت هذه فكرة جديدة تماماً على العالم الإسلامي، خاصة مع تحريم القرآن الواضح للانتحار، لكن الخميني حوّر هذا المفهوم بالعودة إلى شعيرة محورية في الإسلام الشيعي…. ففي كل عام يخرج «الشيعة» في مسيرات حاشدة ينتحبون ندماً على خذلانهم (للحسين) الذي ضحّى بحياته من أجلهم، إلا أن الخميني صرّح آنذاك أن «إبداء الندم الحقيقي لا ينحصر في جلد الظهور، لكن عبر التضحية بالنفس»، شرط أن يتم ذلك في سبيل الخير الأسمى للثورة، وقد قام فعلاً باستخدام تلك القوة خلال الغزو العراقي لإيران، حيث اصطحب (الثوريون) الإيرانيون الآلاف من طلبة المدارس صغار السن في حافلات إلى الجبهة العراقية للخوض داخل حقول الألغام، مفجرين أنفسهم بشكل متعمّد لفتح ثغرات لمرور الجيش الإيراني عبرها. وقد كان ذلك بمثابة عملية انتحار جماعية منظمة على نطاق واسع، سيقتبسها الأسد من الخميني ليُقحمها في صراعاته الخارجية.

كانت تلك الأعوام وما سيأتي بعدها شاهدة على تحوّل سوريا إلى مصنع للإرهاب، وحضانتها ورعايتها للكثير من الجماعات الإرهابية في الداخل والخارج

في أكتوبر/ تشرين الأول عام 1983 فجّر انتحاريان يقودان شاحنتين نفسيهما داخل ثكنات قوات المارينز الأمريكية في بيروت، لتتسبب الانفجارات بمقتل 241 جندي أمريكي، وقد كان الانتحاريان عضوين في مجموعة مسلّحة جديدة لم يسبق لأحد أن سمع بها آنذاك، أطلقوا على أنفسهم اسم «حزب الله»، وقد كان الكثير من أعضائها إيرانيين، يتبعون بشكل مباشر للمخابرات السورية، وقد كان الأسد يستخدمهم في مجابهة الولايات المتحدة بالوكالة… كانت زعزعة الاستقرار هي استراتيجية الأسد الشرق أوسطية لتذكير العالم أنه لا يصح إقصاؤه عن أي خطط تتضمن مستقبل المنطقة… كان الرجل يفكّر كضابط قد تعرّض للإهانة. لا أكثر.

سحب ريغان القوات الأمريكية من لبنان، واعتبر الأسد هذا الأمر نصراً وإنجازاً للتاريخ، إنه في نظر نفسه الزعيم العربي الوحيد الذي هزم الولايات المتحدة وأجبرها على الرحيل من الشرق الأوسط… سينعكس هذا (النصر المزعوم) إيجاباً وبشكل تدريجي على علاقة السوريين مسلمين وغيرهم بالسلطة، وعلاقة السوريين مسلمين وغيرهم بحزب الله، وسلباً على علاقة سوريا بالعالم، إذ ستتحول فيما بعد لدولة مقيتة، حقيرة، معزولة، مكروهة، متوحشة، تصنع الإرهاب، وتعتبره مجداً للعرب والأمة.

بعدها بعامين (ديسمبر/ كانون الأول عام 1985) هاجم إرهابيون مطارات (فيينا وروما) بشكل متزامن، متسببين بمقتل 19 شخصاً من بينهم أمريكيون، أعلن ريغان أن «القذافي» وراء العملية دون أدلّة (سيتبنّى القذافي ذلك لجلب الأنظار نحوه)، إلا أن أجهزة الأمن الأوروبية أكدت من خلال التحقيق مع الإرهابيين الناجين ضلوع المخابرات السورية فيها بشكل مباشر دون أن يتم اتهامها، لعدم رغبة الولايات المتحدة بالتصعيد مع سوريا التي يقودها ضابط أحمق، والمدعومة من إيران.

وفي العام 1988 انفجرت قنبلة في إحدى طائرات شركة «بان أمريكان» في اسكتلندا، وتم اتهام سوريا الأسد، التي انتقمت رداً على إسقاط طائرة ركاب إيرانية في الخليج قبلها ببضعة أشهر، واتفق العالم على هذه الحقيقة طيلة 18 شهراً، إلى أن غيّرت الولايات المتحدة وبريطانيا الاتهام إلى ليبيا، حيث كانتا تسعيان لكسب الأسد حليفاً لهما في حرب الخليج القادمة ضد صدام حسين.

كانت تلك الأعوام وما سيأتي بعدها شاهدة على تحوّل سوريا إلى مصنع للإرهاب، وحضانتها ورعايتها للكثير من الجماعات الإرهابية في الداخل والخارج… الدولة التي تغذّي دين الأفراد بآلاف المساجد والخطباء ليلتفّوا حول سُلطتها…. والدولة التي تكتظ سجونها بالإسلاميين المتطرفين الذين يمتلكون تفسيرات دينية مختلفة عن (دين الدولة) والذين ستستخدمهم في حروب قادمة وفي زعزعة الاستقرار العالمي للدول…. الدولة التي تربّي (السنة) الخانعين وتتحالف مع مشايخها، وتربّي (السنة) المتمرّدين في سجونها، وتدعم وتتحالف مع (الشيعة) في الخارج… الدولة التي لا تنتمي لأحد، وترتبط بالجميع… الدولة التي ما إن اعتبرها أحد الأطراف عدوّاً حتى يقع في حرب طائفية مع البقيّة… الدولة التي يتم سجن المعارضين العلمانيين فيها داخل سجون الإسلاميين وفي زنزانة واحدة، وتتيح لهم الاطلاع على كتب التطرف الإسلامي، وتمنع عنهم كتب ليو تولستوي… الدولة التي تكتظّ سجونها بكل مَنْ يمكن تحويله -عبر التعذيب وبالآيديولوجيا- إلى أداة تستفيد منها السلطة مستقبلاً، أقصى اليمين كان أم أقصى اليسار… سنرى لاحقاً كيف سيؤيّد (مثقفون) ممن خرجوا من سجون النظام الأطروحات المسلحة والعنيفة وحتى التحالف مع الإسلاميين الراديكاليين والتبرير لهم عقب أحداث العام 2011 التي غلب على طابعها (رد الفعل العكسي غير المنضبط ولا المنظَّم والفاقد لأي تصوّر واضح نحو المستقبل الممكن).

 

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (3): مصر «السادات» وحركة «الجهاد» الإسلامي

 

إقرأ أيضاً