fbpx

هنا القصة الثالثة

عبدالله حسن

عبدالله حسن

مقالات الكاتب

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (2):  سوريا «البعث» و “الإخوان المسلّحون”

في المقال السابق، بدأت القصة بسيّد قطب، مفتّش المدرسة الذي تصوَّرَ نوعاً مُبتكّراً جديداً من المجتمعات الحديثة، مجتمعات تتمتع بمزايا الدولة العصرية، على أن يلعب الإسلام الدورَ الرياديّ السياسي والاجتماعي فيها، وذلك لـ «كبح جماح الأنانية الفردية» التي جلبها الغرب على حد تصوّره. رأينا كيف أن التعذيب الذي تعرّض له ذاك الرجل من قبل جمال عبد الناصر دفَعَه إلى أن يكون هو نفسه (قطب) أنانياً، لدرجة أنه أفتى بوجوب قتل القادة، مصرّاً على أن يكون للإسلام دورٌ في المجتمع حتى لو بالقوة؛ كما رأينا أن قطب اعتقد بأن الديموقراطية الغربية تعني وحشيّة الإنسان واستبداده وقمع معارضيه.

وقد بدأت القصة بـ قطب ولم تبدأ من مكان آخر لأن مفتّش المدرسة ذاك كان أوّل من سعى في العصر الحديث إلى بلورة فكرة إسلامية تنظيمية الهدف منها إدارة الحياة الاجتماعية والسياسية برمّتها في العالم العربي … شيء يشبه السلطة الكنسيّة في عصور أوروبا ما قبل النهضة والتنوير.

في هذا المقال سنتحدث عن أثر سيد قطب في مكان آخر، وهو سوريا، حيث حزب «البعث» الذي سيدفع فكرة التغيير الإسلامية تلك لتكون تصوّراً راديكالياً وسيلتهُ القوة، تبيح للسلطة كذلك بأن تستخدم القوة.

سوريا «البعث» والإخوان المسلّحون:الاحتجاج المسلّح.. أكثر أشكال الرفض بدائيّة

قبل أن يستولي حزب البعث على السلطة في سوريا عبر انقلاب عام 1963 كانت مجموعة من الأُسَر الإقطاعية في مدينة «حماة» وأُسر أخرى تابعة لها في الريف تشكّل تكتّلاً سياسياً واجتماعياً وانتخابياً في مواجهة الاشتراكيين العرب؛ يَذكر السياسي السوري البارز «أكرم الحوراني» في مذكراته أن «الإخوان المسلمين» كانوا قد انضمّوا إلى ذاك التكتّل، وخاضوا انتخاباتٍ في عهد انفصال سوريا عن مصر، لكن النجاح لم يكن من نصيبهم. وظلت أحداث التوتّر قائمة بين الأطراف حتى 7 نيسان 1964 حين قام الإخوان باحتجاج مسلح في مدينة «حماة» ضد الحزب، ستكون تبِعاتهُ سلسلة من الأحداث الدموية مع مرور الوقت، والتي مِن شأن الوقوف عندها أنْ يضعنا أمام فهم موضوعي لما جرى فعلاً في سوريا خلال الآونة الأخيرة.

كانت الأسباب البعيدة لانتفاضة الإخوان المسلحة في حماة إعلان البعث بشكل استفزازي الاستيلاء على مئات قطع الأرض قال إنها زائدة عن الحد الأعلى للملكية الزراعية بموجب قانون إصلاح زراعي آنذاك، وتأميمه شركات جديدة في حلب واللاذقية….

إليك القصة:

لدينا في البداية مشكلة تكمن في أن حكم البعث لسوريا جاء بانقلاب عسكري؛ هذا الانقلاب العسكري تُعارضه فئات عديدة من الشعب لأنه (انقلاب أصلاً)، تعارضه فئات سياسية، يعارضه المحامون، وتعارضه الجبهة الوطنية الديموقراطية الدستورية (مجموعة من المثقفين، محامون، أطباء، مهندسون، صيادلة) …. هذا الانقلاب يحمل المشروع (الاشتراكي الراديكالي) كنظام حكم، يعارضه التجار والإقطاعيون لأنه اشتراكي (تعلمون كيف تسير الأمور الاقتصادية داخل هذا النوع من الأنظمة)، ويعارضه الإخوان لأنه -حسب اعتبارهم- (ملحد، وقياداته من الأقلّيات) ولأنهم يريدون حيازة السلطة منه أصلاً…. نتجَ عن هذا (الانقلاب) (الإشتراكي) وضع اقتصادي مُزرٍ (يعارضه الجميع)، وتسبّب هذا الوضع الاقتصادي باحتقان لدى السوريين كلهم لا سيما الإخوان في حماة، الذين كان بالنسبةِ لهم ذلك (السببَ البعيد للاحتجاج المسلّح).

أما السبب المباشر فقد كان حادثاً طلابياً تعاملت معه السلطات البعثية بصورة استفزازية، حيث كتب أحد طلاب مدرسة «عثمان الحوراني» على اللوح عبارة «لا حُكم إلا لحزب البعث»، فشتم طالبٌ آخر الحزب وكتب «لا حكم إلا لله»، فاعتقلت السلطات الطالب، وجرت مداخلات كثيرة لإطلاق سراحه لكنها لم تثمر، بل أصدر «شبلي العيسمي» وزير التربية والتعليم آنذاك قراراً بنقل عدد من مدرسي مادة الديانة في المدينة إلى أماكن أخرى، فأضرب طلاب المدارس الرسمية والخاصة احتجاجا على ذلك. وبعد يومين من الحادث خرج المصلون من صلاة الجمعة بمظاهرة احتجاج قمعها الجيش بقسوة، سقط على إثرها قتيل وبعض الجرحى، فأضربت المدينة إضراباً عاماً اشتركت فيه جميع فئاتها، وعندما حاولت السلطات فتح بعض المتاجر بالقوة اصطدمت بمقاومة مسلحة مما أدى إلى دخول الجيش إلى المدينة ولا سيما أحياءها القديمة، وعزَلَها عن الخارج تماماً.

تظاهرة اسلامية في دمشق عام 1959 ضد الشيوعية

سِن المراهقة

لم تخجل جماعة الإخوان المسلمين ولا مرة في التعبير عن موقفها الساذج من البعث، إذ تعبِّر في أدبيّاتها عن موقفها منه بكونِه، «استولى على السلطة فاتحاً بذلك الباب أمام الأقليّات الطائفية لتمسك بمفاصل القوّة والسّلطة في سورية، لأن معظم أعضاء اللجنة العسكرية البعثية المشرفة على نشاطات التنظيم العسكري كانوا من الأقليّات؛ وتكوّنت اللجنة العسكرية في البدء من خمسة ضباط، من بينهم ثلاثة علويين وهم: محمد عمران، وصلاح جديد، وحافظ الأسد، وإسماعيليّان هما: عبد الكريم الجندي، وأحمد المير؛ وبعد انقلاب الثامن من آذار وسِّعت اللجنة، وبقيت العناصر الفعّالة فيها من النصيريين (العلويين)، ولذلك سُميت هذه اللجنة بلجنة الضّباط العلويين؛ ومن المعروف أن حزب البعث العربي الاشتراكي ليس حزباً علمانياً بالمفهوم الغربي للعلمانيّة فحسب، بل هو حزب مُعادٍ للإسلام في منطلقاته ومنهاجه».

وهذا الموقف هو لبّ الكارثة برمّتها لأنه:

أولاً: ينم عن فِكر قاصر لأبسط مفاهيم (الدولة)، (الأرض)، (الشراكة)، (العلمانية)، (الديموقراطية)، و(الدستور)… فالدولة عندهم ينبغي أن تكون دينية، بمعنى أنهم يميّزون مواطني تلك الدولة على حسب عقائدهم وانتماءاتهم الدينية بشكل شمولي أخرق، ويبتغون تعميم عقيدة معينة لتكون قانوناً على الجميع؛ والأرض بالنسبة لهم هي العالم كله، بمعنى أن مشروعهم لا يقتصر فقط على حدود الدولة، إنما يؤمنون بمبدأ الثورة العابرة للقارات (لينين)، وهذه نظرة شمولية أخرى للعالم والتاريخ؛ والشراكة بالنسبة لهم هي مشاركة المسلمين في بناء الدولة بشكل أساسي، وهذا فهم مغلوط للديموقراطية نفسها أيضاً، والتي هي بالنسبة لهم (وسيلة وليست غاية) وتعني «الشورى/ أي شورى المسلمين خصوصاً». كما تَعني بالنسبة لهم حُكم الأكثرية (عوضاً عن حكم الشعب) لأن هذه الأكثرية هي الشعب!، وهذا أيضاً إخلال في العقد الاجتماعي الذي تُسَن بموجبه قوانين الدولة. لو أن أحداً فقط نبّه الجماعة إلى أن التعريف الذي تحمله للديموقراطية ساذج وقبيح ويعكس مدى هزليّة ما يبتغون الوصول إليه، حيث يجب أن تكون الأخيرة ضامناً لعدم تعدّي محصّلة الأصوات الكثيرة على القليلة، وأنها ليست كما يُقال في الأوساط الشعبية «9 ذئاب وخروف يُجرون تصويتاً لتحديد من سيتناولون على طعام العشاء»، إنما هي تضمن في بُنيتها عدم المساس بحقّ المساواة التام بين قيمة الأصوات مؤيّدة كانت أم معارضة، وأن الخروف يجب ألا يكون مشمولاً ضمن قائمة الطعام؛ أما العلمانية فتعني بالنسبة لهم «الإلحاد» في إشارة إلى أن الحكم الديني عادل بالضرورة، والحكم غير الديني ظالم قطعاً!

(الحاكم المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك، والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك/ ابن تيمية)، كما يعتبرون حزب البعث (علمانياً غربيّاً ملحداً معادياً للإسلام)، عوضاً عن اعتباره (انقلابياً، قومياً، ديكتاتورياً، معادياً للإنسان كله)؛ أما الدستور بالنسبة للإخوان فهو كتاب المسلمين المقدّس، وليس كتاب فئة دينية أخرى!، يا للسخرية!، ألا يوجد كتاب آخَر يستطيع التوفيق بين الفئات جميعها دون تحيّز وبغض النظر عن أديانهم وأشكالهم وألوانهم وأعراقهم وأجناسهم ويتيح للجميع المشاركة في بناء الدولة؟.

ثانيا: موقف الإخوان المنغلق والفقير هذا (موقف حزب ديني من نظام عسكري ديكتاتوري) يضع حداً لمحاولات أخذه على محمل الجد، ويقف عائقاً أمام إقامة علاقات دولية معتَبَرة خارج إطار المجتمع الدولي الإسلامي بشكل خاص؛ مَن سيساند حزباً دينياً لإقامة مشروعه كـ بديل عن ديكتاتورية «البعث» التي تجد أصلاً مَن يساندها في ديكتاتوريات أخرى شبيهة تُعادي العالم كلّه مثل كوريا الشمالية والصين وروسيا؟.

ثالثاً والأهم: هو أن موقف جماعة الإخوان المُبيَّن أعلاه يَتّخِذ (في منهجيّتها القرآنية) من الطرح المسلّح إحدى الوسائل لتطبيق مشروعها (مثل اعتبارها الديموقراطية وسيلةً أيضاً، ما يعكس جهلَها بها وبالسياسة على حد سواء)؛ حتى وإن أصرّت الجماعة على العمل السياسي السلمي في بداية نشأتها إلا أن احتماليّة لجوئها إلى العنف المُفرط واردة بنسبة عالية جداً، وهذا ما سنراه لاحقاً، كما سنرى أن الأطروحات الإخوانية المسلّحة التي تعمل وفق مبدأ «ردّ الصائِل/ الباغي» وتستند إلى القرآن هي في الوقت نفسه مَجال واسع للأخذ والرد، وتحمل في طيّاتها بذور التطرف بنسبة عالية وغير محدودة ولا قابلة للضبط؛ باختصار: إننا أمام حزب يميني، ذي مرجعية دينية (إقصائية حتماً) يُغالط في المفاهيم السياسية والتعريفات الأوّلية للدولة والنُظُم، يؤمن بأن الناس الذين يدينون بدينه هم وقود لتحقيق مشروع عقائدي، يؤمن بالكفاح المسلّح، وتعجز منهجيّته عن ضبط وتنظيم أشكال ذاك الكفاح… إننا ببساطة أمام قنبلة موقوتة سيكون الديكتاتور سعيداً بها للغاية.. تعلمون أن الديكتاتورية تخطو خطوتها الأولى بتحديد الأعداء، إبرازهم، ثم تعاقب الجميع مؤيدين ومعارضين.

سيد قطب

سِن «الرُّشد» !

في ذلك الوقت (لانزال في العام 1964) كان شابٌ متشدد من جماعة الإخوان المسلمين يُدعى «مروان حديد» قد تأثّر بأفكار (سيد قطب) ويرغب بتطبيقها في سوريا، كان حديد مقتنعاً بأنّ «الجهاد» هو (الطريق الوحيد) للتخلص من «بلاء كحزب البعث الملحد» ولهذا كان يبشّر بذاك الجهاد للإطاحة به والتنظيمِ ضده في حماة، انطلاقاً من جامع «البحصة» ثم جامع «السلطان» الذي يتوسّط المدينة، ليحتلَّ مكان الشيخ «محمد الحامد» الذي كان يديره، ويجعل من ذاك المسجد مُنطلَقاً للدعوة إلى «الثورة» المسلحة ضد حزب البعث، ولما دخَل الجيش «حماة» وعزلَها عن الخارج تماماً اعتصم (حديد) وأنصاره داخله، ظناً منه أنه يستطيع استخدام المسجد كورقة يؤلّب فيها الرأي العام السوري (المسلم بشكل خاص) على البعث أكثر؛ لم يكن يعلم أن مزيداً من العناد واستخدام الرموز الدينية للحشد البدائي ضد سلطة عسكرية مستبدّة سيدفع البعث (المستعدّ) من جانبه إلى استخدام المزيد من العنف لضبط فوضى السلاح تلك في المدينة.

حاصرت الدبابات (حديد) وأنصاره داخل مسجد «السلطان» وقصفته بالمدفعية، وقتلت الأشخاص الذين نزلوا إلى الشوارع احتجاجاً، إلى أن توقّف إطلاق النار في 16 نيسان بعد وساطةٍ من بعض رجالات المدينة، وذلك بعد أن حوّل نظام البعث المحافَظة المتمردة إلى نموذج يشير فيه إلى المدى الذي هو على استعداد للذهاب إليه لترويض/ الإستفادة من هذا الاحتجاج.

في اليوم الذي يليه (17 نيسان 1964) كانت السلطة تحتفل بعيد «الجلاء»، حينها ألقى اللواء «أمين الحافظ» كلمة حافلة بالتهديد وردَ فيها: «نحن نقول للمتآمرين ومن خلفهم، ما هي إلا أيام قليلة حتى نسحقهم ومن معهم ومن خلفهم، وسيعلم المتآمرون أي منقلب ينقلبون»؛ وعندما ذهب إلى حماة واجتمع بلجنة المدينة تابع تهديداته قائلا :«سنحكم بالموت على من يستحق الموت، ونعاقب بالسجن المشاغبين، وسنسوقهم إلى (سجن تدمر) مشياً على الأقدام، حيث يبقون حتى يتحولوا إلى أناس طيبين، ولسوف نمشط المدينة لمصادرة السلاح، ولن نترك فيها غير سكاكين المطبخ….. إن ما جُمع من السلاح غير كاف، ولهذا لن تنسحب القوات من المدينة، ولن يُرفع حظر التجول عنها حتى يقدّم ممثلوها كمّيات أخرى من السلاح نعتقد أنها موجودة ومخبأة».

الاستبداد يُهدِّد بالعنف مستفزّاً … ويثير المخاوف طَمَعاً واستِمَالة

ما إن بدأت أخبار قصف حماة وسفك الدماء فيها تتوارد إلى المدن السورية الأخرى حتى بدأت في 24 نيسان مدن (حمص، دمشق، حلب، واللاذقية) إضراباً واحتجاجاً على سلطة البعث (الانقلابية اللاشرعية)، بادر المحامون في العاصمة إضراباً من جانبهم حتى حين إطلاق الحريات العامة وعودة الحياة الدستورية، وقد جاء في بيان لهم آنذاك: «إن المحامين الذين حَملوا في مختلف العهود عبء الدفاع عن حقوق الشعب وحرياته الأساسية، يرون لِزاماً عليهم في هذا الظرف العصيب الذي تمر به البلاد أن يعلنوا:

إن هذا الشعب في مختلف العهود أثبت أنه لا يمكن أن يُحكم إلا بالأسلوب الديمقراطي الصحيح، الحُكم فيه فعلاً من الشعب، وأن المجلس الوطني لقيادة الثورة كان أعلن في الثامن من آذار عام 1962 حين أكد في سلسلة من بياناته أنه إنما جاء ليعيد حكم الشعب للشعب وبالشعب، إيماناً منه ومن كل مواطن في هذا البلد أن كل حكم خارج عن هذا البند مصيره الزوال.

لقد مرت بالبلاد منذ ذلك الحين مآسٍ كثيرة ودخلت في تجارب عديدة باعدت بين الشعب والحاكمين، وإذ كنا لا نريد أن نسهب في تعداد صور التباعد وأسباب المآسي الكثيرة، فإن في الأحداث الأخيرة التي وقعت في بعض المدن السورية كحماة، وما أعقبها من إعلان للإضراب الشامل تعبيراً عن استياء الشعب لدليل واضح على فقدان الثقة بين الحكم والشعب، وانعدام التجاوب بينهما، خصوصاً وأن المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان كما أقرتها الشرعية الدولية قد انتهكت وهُدرت بشكل مفضوح، فلقد اعتُقل عدد من المحامين ورجال القانون، إلى جانب مئات المواطنين، وعذبوا وأُهينوا بصورة هُدرت فيها كرامة الإنسان على وجهٍ أدى إلى عزل الحكم عن الشعب، وإلى تعريض أمن البلاد الداخلي والخارجي للخطر». مطالِبين بـ «إطلاق الحريات العامة، إلغاء حالة الطوارئ، وإعادة الحياة الديموقراطية للبلاد فوراً دون إبطاء، وتشكيل حكومة انتقالية محايدة تُشرف على انتخابات حرة نزيهة».

أمين الحافظ

وفي اليوم ذاته الذي صدر فيه بيان المحامين (24 نيسان)، وفي هذا الجو المشحون بالغضب الشعبي، عقد اللواء «أمين الحافظ» من جانبه مؤتمراً صحفياً ألقى فيه بياناً مكتوباً ثم أجاب بعد ذلك على أسئلة الصحفيين، ما يهمّنا هنا إجابته عن أحد الأسئلة بالقول: «إن الأهداف الأساسية للاستعمار تفرقة أبناء الوطن الواحد إلى كتل وشيع، وإثارة كتلة على كتلة، ومذهب على مذهب، ودين على دين، هذا هدف رئيسي من أهداف الاستعمار، ولكن لا يخلو الأمر أيضا من وجود عناصر بريئة طيبة قصيرة النظر لا تقدّر الأمور حق قدرها يمكن أن تنساق بمثل هذا التيار المخرب، وإن العصبية العنصرية والطائفية قد استغلها الأتراك والفرنسيون أوسخ استغلال… فنحن كلنا خمسة ملايين، ونعمل لتحقيق جمع تسعين مليون عربي، فإذا بدأنا نفكر أن الطائفة الفلانية غير صالحة، والطائفة الفلانية أصلح، ومدينة حلب أحسن من الشام، وحماة أحسن من حمص، والعايش في المدينة أحسن من العايش في الريف، والبدوي أحسن من الحضري فهذا لا يجوز، وإذا كان الأمر كذلك فلا يتطلب غير تنكة بنزين نحرق هؤلاء ونأتِ بشعب جديد».

كان الحافظ يلتفّ على مشكلة اقتصادية ووضع مأساوي تمر به سوريا نتيجة سياسة البعث الإشتراكية الراديكالية عبر الحديث عن الاستعمار وأدواته، النسيج السوري، الطائفية، يستغل وجود معارضة دينية لانقلاب البعث، و (يهدّد بالحرق مستفزّاً، ويُثير المخاوف طَمَعاً واستِمَالةً)…

سيُثبت التاريخ القادم أن هذه الاستراتيجية ناجحة وفعّالة للغاية في كسب المناصرين، وحشد العداوات للاستفادة منها في حلّ مشاكل أكبر؛ لقد كانت إدارة البعث تتعمّد استخدام هذا الأسلوب الاستفزازي لتفجير النقمة الشعبية واستدراجها إلى نقطة ما قبل النضج، لإجهاضها قبل استعدادها التام، في الوقت الذي تكون فيه السلطة مستعدة تماماً لمواجهة أي انفجار شعبي محتمل.

«النُخبة» البعثيّة والإسلامية

ظلّ الاحتقان الشعبي حاضراً زمن أمين الحافظ، وفي تلك الأثناء كانت تتعالى فعلاً في أوساط جماعة الإخوان المسلمين طروحات المواجهة العنيفة مع النظام أكثر فأكثر مع مرور الوقت، لكن على الرغم من أجواء الجماعة الحانقة بشدة أكثر من غيرها على البعث، إلا أن قرارها كان عدم الانجرار إلى مواجهة عسكرية (مفتوحة) معه، كانت الجماعة تفضّل (في ذلك الوقت – منتصف الستينيّات) طريق العمل السلمي للوصول إلى السلطة على الرغم من الاحتجاج المسلح 64، الأمر الذي لم يَرُق عدداً من أتباعِها الذين سلكوا خطّاً آخر، ليكوّنوا نواة ما سمّيَ لاحقاً (1968 / بعد عامين على إعدام قطب) بـ «الطليعة المقاتلة».

كان تنظيم «الطليعة المقاتلة» أول تجربة جهادية في سوريا تتخذ من العنف سبيلاً وحيداً للتغيير، إذ أدّت مساعي «مروان حديد» طوال سنوات الستينيات وأوائل السبعينيات إلى نمو شبكة من المتشدّدين الذين كانوا يرغبون في دفع جماعة الإخوان إلى خوض المواجهة المفتوحة مع النظام.

تأثّر حديد بأفكار قطب مثلما أسلَفنا، وحاول إقناع التنظيم العام للإخوان المسلمين بالإعداد للمواجهة مع السلطة، وتشكيل ذراع عسكرية للجماعة، ولما لم ينجح في ذلك، توجَّه مع تلاميذه للإعداد للقتال، وذلك من خلال العمل المسلح (في معسكرات الشيوخ/ أسسها ياسر عرفات) مع حركة «فتح» الفلسطينية في غور الأردن بين العامي (1968 – 1970)، وهناك تمكّن من إعداد «النخبة» الأولى لتنظيمه الجهادي (تنظيم الطليعة المقاتلة).

تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه السلسلة ستتورّع عن التطرق إلى «معسكرات الشيوخ» التي أسسها عرفات بإيعاز من الشيخ «أمين الحسيني»، لأن الغرض منها كان يقتصر على (الجهاد) ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، لا العمل على الإطاحة بالأنظمة في المنطقة العربية ولا اتخاذ دور الريادة في إدارة مجتمعاتها سياسياً، علماً أن معسكرات الشيوخ تلك كانت نقطة التلاقي للعديد من الجهاديين في بلاد الشام أمثال (مروان حديد، عبد الستار الزعيم، وعبدالله عزام، وقادة من جماعة الإخوان المسلمين… إلخ).

انتهى الحديث عن سوريا هنا بانقلاب حافظ الأسد وتسلّمه منصب رئاسة الجمهورية في العام 1971 لتبدأ قصة جديدة.

 

ثنائية الإسلام الراديكالي والديكتاتورية العسكرية (1):سيد قطب و جمال عبد الناصر

حين أرسلني أبي الى العلوم الشرعية… فصرتُ ملحداً

إقرأ أيضاً