fbpx

هنا القصة الثالثة

عبد الرشيد الفقيه - باحث حقوقي يمني

عبد الرشيد الفقيه - باحث حقوقي يمني

مقالات الكاتب

ثلاث سنوات على الحرب في اليمن: ماهي أولويات المبعوث الدولي الجديد؟

مع طول أمدها، استقرت الحرب في اليمن على حال من الكمون، استنفذ خيار الحسم العسكري فرصه، ووصلت مختلف الأطراف إلى حال من توازن الضعف، وبرزت التباينات الحادة داخل مربعات الحلفاء لتعبر عن نفسها على شكل مواجهات عسكرية في صنعاء وعدن وتعز، مع إخفاق الأطراف كافة في تقديم نموذج ناجح بعد أن باتت تبسط سيطرتها على كنتونات اليمن الذي مزقته الحرب وقوضت دولته، وصنعت فيه أكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم، وبرزت بشكل واسع الكثير من التساؤلات حول مبررات الحرب وأهدافها الحقيقية وعدميتها.
ومع المتغيرات المحلية، ثمّة متغيرات إقليمية ودولية، من انفراط عقد التحالف واندلاع الأزمة الخليجية، وطرد قطر من التحالف، وبروز إشكاليات وتباينات مع السودان، الأردن، الكويت، وبروز ملفات وإشكالات إقليمية أخرى تلقي بظلالها على ملف الحرب في اليمن، وتزايد المواقف الدولية ضد الحرب، والإعلانات المتوالية بوقف تزويد السعودية والإمارات بالأسلحة من عدد من الدول، والتطورات في أروقة الأمم المتحدة، المتمثلة بإعلان قائمة العار متضمنة التحالف الذي تقوده السعودية والإمارات وجماعة الحوثيين وبقية أطراف الحرب، ونجاح إنشاء فريق خبراء للتحقيق في انتهاكات كافة أطراف الحرب، وارتفاع أصوات المنظمات الأممية ومسؤولوها والمنظمات الإنسانية الأخرى بشأن الآثار المهولة للحرب على المدنيين.
وسط كل ذلك يتسلم المبعوث الأممي الثالث إلى اليمن، مارتن غريفيث، الذي أعلنت الأمم المتحدة الجمعة 16 فبراير/ شباط 2018 تعيينه خلفاً لإسماعيل ولد الشيخ، ملفاً ثقيلاً مليئاً بالتعقيدات والإشكاليات والتحديات، ويحمل بالمقابل الكثير من الفرص لخلق قصة نجاح حقيقية لآليات بناء السلام في الأمم المتحدة ومجلس الأمن وللأدوار الإيجابية والبناءة للمجتمع الدولي بشكل عام.
إضافة إلى الخبرات العلمية والعملية اللازمة التي يُفترض أن تتوافر في المبعوث المناطة به مهمة كهذه، والتي يبدو أن السيرة الذاتية للسيد مارتن غنية بها، فهناك محددات يجب أن يُحكِمها الوسيط الجديد وهو يباشر مهمته، فأي لبس حول أي من هذه المحددات، سينعكس سلباً على جهوده ونتائجها، وقد تكون هذه المحددات بحكم البديهيات في مثل هكذا مهمة في أي مكان آخر، لكنها في التعامل مع حالة مثل اليمن، تتطلب استذكاراً دائماً لها، وحساسية أعلى وصرامة في إنفاذها والتزامها.
وعلى رأس هذه المحددات:

التوازن في الأداء تجاه مختلف أطراف الحرب، ووجود مسافة واضحة من جميع الأطراف.

الفاعلية ووجود آليات متابعة خاصة تستطيع التعامل ومتابعة مختلف العمليات اللازمة بشكل دائم، بسبب رخاوة واضمحلال مختلف الآليات المحلية الحكومية وغير الحكومية وخروجها عن الجاهزية في حدها الأدنى.

عدم الرضوخ لأي قيود تمنع الوصول الدائم لمختلف الأطراف والمناطق تحت أي ظرف.

عدم خفض المعايير الأخلاقية والعلمية والقانونية التي تضمن القيمة الفضلى لعموم اليمنيين في مختلف المهمات والعمليات، ومنهجية خفض السقف تحت مبرر الواقعية والممكن خلال التجارب السابقة أثبتت فشلها وساهمت بإيصال الوضع إلى ما هو عليه.

استعادة ثقة الأطراف واليمنيين بدور المبعوث الأممي وحياديته ونزاهته وفاعليته، والوضوح معها بشأن ما يجب عليها من أجل السلام ومن أجل الصالح العام لعموم اليمنيين.

التشديد الواضح والمتواصل على وجوب التزام كافة الأطراف بالقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان تحت أي ظرف، وتأكيد أهمية المساءلة وإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وحق الضحايا في العدالة والإنصاف.

النظر إلى ملايين اليمنيين الذين سيساندون بوعي كل جهد يساهم في استعادة حياتهم المُختطفة، وتجاوز حواجز أطراف الحرب وخنادقها وسردياتها ومسلماتها، وعدم التسليم بالأساطير حول تعقيدات الوضع في اليمن، فالوضع على رغم صعوبته فيه الكثير من الفرص قد لا تكون متوفرة في أي أزمة مشابهة في المنطقة.

الشفافية وخلق أدوات اتصال فعالة مع عموم اليمنيين، فالمفاوضات وما يدور فيها شأن يخصهم ولا يخص أطراف الحرب فقط، وبالشفافية يمكن أن يساهم عموم الناس بدعم جهود السلام والضغط العام على الأطراف.

الفصل بين مشكلة الأطراف اليمنية وعناصرها، وبين مشكلة السعودية والإمارات في اليمن وتصميم مسارين مختلفين لبحث كل مسار بشكل مستقل عن الآخر.

وفي المسار الأول، مشكلة الأطراف اليمنية، ثم خطوات تصحيحية لازمة لتختلف نتائج هذه الجهود عن سابقاتها ومنها:

إعادة تعريف طاولة الحوار لتمثل كافة الأطراف اليمنية بشكل سافر وواضح وحقيقي، وفتح النقاشات على كل الإشكالات التي قادت إلى انفجار الأوضاع بدون أي فيتوهات أو خطوط حمراء.

العمل على إصدار قرار جديد من مجلس الأمن الدولي يؤسس لمرحلة سلام حقيقية، متوازن وحساس لنتائج القرار 2216، الذي عزز خيار الحرب وأدواتها، ولخطورة الوضع الذي صار إليه اليمن، ولتعطيل الغطاء الذي استخدم لحزمة من الفظاعات وانتهاكات القانون الإنساني الدولي والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وصناعة أكبر كارثة إنسانية في العالم.

وضع الأطراف كافة أمام اختبارات الجدية والالتزام من خلال إقرار حزمة خطوات إجرائية لازمة لتحسين حياة ملايين المدنيين اليمنيين، منها وقف التصعيد العسكري، وفتح الطرق والممرات والمنافذ الطبيعية والمطارات، وإطلاق المعتقلين المدنيين من دون استثناء، وإطلاق المحتجزين من المقاتلين (الكل مقابل الكل)، التزام جميع الأطراف بعدم عرقلة وتقييد وصول المساعدات الإنسانية وأي أعمال للمنظمات الإنسانية والمدنية، والاتفاق على آلية عاجلة لتسليم المرتبات والأجور في مختلف المناطق.

العمل على ألا تكون التسوية المنشودة وآلياتها التنفيذية تسوية مغلقة على أطراف الحرب (صناع المشكلة)، وأن تكون تسوية مفتوحة على أجيال جديدة من الكفاءات اليمنية لتساهم في صياغة اليمن الجديد (يمن ما بعد الحرب).

التفريق بين مطالب الأطراف اليمنية وقضاياها، وبين مطالب عموم اليمنيين وحقوقهم واحتياجاتهم، التي تحميها الاتفاقات والمواثيق الدولية.

في المسار الثاني، مشكلة السعودية والإمارات والتحالف الذي تقودانه في اليمن، لا بد من محدد أساسي، أن الدول تناقش إشكالاتها مع دول، ممثلة بالحكومات والهيئات المفوضة وذات المشروعية، ولهذا فهذه مهمة منوطة بالصيغة التي ستخلص إليها التسوية الشاملة، كبديل لإشكالية تواصل دول مع جماعات وأطراف سياسية في ملفات سيادية، وهي إحدى الإشكاليات التي ساهمت في انفجار الأوضاع ومفاقمة تعقيداتها وتداخلاتها.
إن استغلال حال وهن أي بلد من قبل أي بلد آخر، تحت أي مبرر، لتقويض كيانه والهيمنة على مصيره والتغيير في هويته أو إعادة صياغتها سلوك مغامر وخطير، يمثل تلغيم للمستقبل يصعب توقع كنه آثاره ومداها، ويُفترض بجهود السلام مراعاة ذلك، إضافة إلى إشكالية مشروعية تلك الأدوار والتدخلات وحقيقة دوافعها ومدى خدمتها لجهود السلام واستعادة الدولة أو نقائضها.
وكما المسار الأول، يحتاج العمل على المسار الثاني إلى محددات واضحة يمكن تقييم جهود السلام عليها، ليتأكد عموم اليمنيين أن لا أهداف كامنة وخفية لهذه الجهود غير استعادة دولتهم المخطوفة وبناء سلام دائم.
خلال ثلاث سنوات من عمر هذه الحرب، ومع متابعة مجرياتها والتباساتها وتداخلاتها وتعقيداتها، يثير الكثير من اليمنيين أسئلة عن أدوار السعودية والإمارات والتحالف في اليمن، وعن التزامهما بما أعلن من أهداف للعملية العسكرية في بداياتها، أهدافهما الحقيقية، الطموحات الاستعمارية، تفتيت اليمن وإضعافه، وأدوار المجتمع الدولي والأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي في كل ذلك، وستبقى أنابيب اختبار اليمنيين، وذاكراتهم، متحفزة، يقظة، تترقب النتائج التي ستقدم الإجابات الحاسمة لعلامات الاستفهام تلك.
*عبدالرشيد فقيه – حقوقي يمني

إقرأ أيضاً