fbpx

هنا القصة الثالثة

خولة بو كريم - صحافية تونسية

خولة بو كريم - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

وثائق عن اختفاء آلاف التونسيين عبر البحر بعد أن ‘ابتلعهم” تواطؤ بيرلسكوني والسبسي

عندما هبّت رياح الثورة التونسية في كانون الأول/ ديسمبر 2010، لم تنحت ملامحها على اليابسة فقط، بل كانَ جنوبُ البحر الأبيض المتوّسط مسرحاً لأكبر عمليّة هجرة غير نظاميّة، نفذهَا مواطنونَ تونسيّون، فاق عددهم وفق السلطات التونسية 27 ألف مهاجر، يعاني معظمهم الفقر والتهميش والبطالة. هؤلاء اتجهوا منذ 1 آذار/ مارس 2011 إلى الأراضي الإيطالية، إلا أن جزيرة لامبادوزا، نالت نصيبَ الأسد منهم، أي حوالى 19700 مهاجر.

هذه الجزيرة التي لا يتجاوزُ عددُ سكَّانها 6000، أصابها الهلع والرعب من هول التدفق البشري التونسي الآتي من مسقط رأس “الربيع العربي”.

يكشفُ هذا التحقيق تعمدَ إهمال الحكومات التونسيّة المتعاقبة منذ 2011، ملّف المفقودين في الأراضي الإيطالية، وغياب التنسيق الجدّي مع الجانب الإيطالي، ما تسبب في احتجاز بعضهم من دون جرم يذكر لدى السلطات الإيطالية بلا موجب قانوني وبات مصيرهم مجهولاً.

وحيدة في منزلها قرب صورة ابنها المفقود

وحيدة هي.أحدُ أمّهات المفقودين، أضرمت النارَ في نفسها عام 2013، بعدما أصابهَا اليأسُ وفقدت الأمل بعودة ابنها المغادر بطريقة غير نظامية منذ آذار 2011، على مركب صيد كان متجهاً إلى لامبادوزا الإيطالية.

تقولُ وحيدة إنها ملّت وُعود المسؤولين “بالتدّخل العاجل في الملف”، وإنَّها حين أضرمت النار في نفسها أرادت الخلاصَ من عذاب الانتظار، بالموت.

لم يعد لي أيّ أمل بالحكومات الكاذبة”… تصمتٌ قليلاً ثم تتابع.. “ابني مهدي أتمَّ اليوم 28 سنة، لقد غادرَ وهو لم يُكمل العشرين عاماً، رأيتهُ على شاشة قناة أجنبية وهو حيّ يُرزق. كيف يُقنعونني بأنه مات؟”. وحين نسألها عن دور السلطات في البحث عن ابنها ترتفع نبرة صوتها: “السبسي، قابلتهُ عام 2013 في جهة البحيرة في مقرّ حزبه نداء تونس، قبيل الانتخابات الرئاسية بفترة، وعدني بمتابعة الملف وكشف مصير ابني، لكنّه للأسف لم يعُد يهتمّ لملّف المفقودين”.

رد وزارة العد الايطالية

مع انزعاج السلطات الإيطالية من التدفق البشري التونسي بطريقة غير نظامية منذ آذار 2011، وقع الباجي قائد السبسي الرئيس الحالي للجمهورية التونسية والوزير الأول في الحكومة اتفاقية ثنائية مع رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو برلسكوني، في الخامس من نيسان/ أبريل 2011، على هامش زيارته تونس برفقة وزير داخليته وقتها روبرتو ماروني. هذه الاتفاقية نصت على تسهيل تنقل المهاجرين التونسيين غير النظاميين في المجال الأوروبي بمنحهم إقامات موقتة لمدة 6 شهور، وقدّرَ عدد هؤلاء بـ22 ألفاً. لكن على رغم ذلك، فإنه يبدو أن عدداً كبيراً من التونسيين قد فُقدوا في ظروف غامضة وغير مفهومة، على رغم تأكد وصول عدد منهم إلى الأراضي الإيطالية خلال عامي 2011 و2012، والبالغ عددهم 504 مفقودين.

ويؤكد في هذا السياق أيوب غدامسي، محامي عائلات المفقودين ورئيس فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في محافظة منوبة، أن هناك أكثر من 500 تونسي، فقدوا في إيطاليا منذ آذار 2011، وقد تأكَّد احتجازُ بعضهم لدى السجون الإيطالية وآخرين في مراكز إيواء، ويبقى مصير كثيرين منهم غامضاً.

وعلى رغم المحاولات المتكررّة للجنة الدفاع عن عائلات المفقودين قصد زيارة هذه المراكز إلا أنها لم تنجح في ذلك. يضيف الغدامسي، “احتجاز مواطنين تونسيين لأكثر من 8 سنوات هو إجراء مخالف تماماً للقوانين والمعاهدات الدولية الخاصة بالهجرة وحقوق الإنسان، تتخذهُ السلطات الإيطالية من دون ردّ فعل واضح من الدولة التونسية، في تقاعس جليّ من هذه الأخيرة عن حماية مواطنيها الذين لم يرتكبوا أي جرم”.

تقول فاطمة كسراوي، والدة رمزي الولهازي أحد المفقودين منذ آذار 2011، ورئيسة جمعية أمهات المفقودين:

“بعد سماعنا من بعض العائلات التي سافرت إلى إيطاليا بحثاً عن مصير أبنائها، أن القنصليات التونسية علقت قوائم صور لمفقودين وتواريخ ميلادهم، توجهنا فوراً إلى وزارة الشؤون الخارجيّة التي بدورها علّقت هذه القوائم”.

“بعض الأهالي تعرّفوا إلى أبنائهم وتأكّدنَا أنهم على قيد الحياة، لكن بعد أقل من شهر، عند عودتنا إلى الوزارة فوجئنا بسحب القوائم وإبلاغنا بأنّ عدداً من أبنائنا غرقوا، وفق شهادة شخص يدعى محمد الهادي الغريبي، في حين أن اسمه الحقيقي هو يسري الحناشي”.

تفيدُ الوثيقة التي حصلنا عليها، بأن سفارة الجمهورية التونسية في إيطاليا خاطبت رؤساء البعثات القنصلية التونسية في البلد نفسه، ومدتهم بقوائم المفقودين منذ آب/ أغسطس 2010 وطالبتهم بتعليقها في مقر قنصلياتهم حتى تتمكنَّ العائلات من التعرف إليهم.

وهذا يعني أن الدولة أو أطرافاً فيها على علم بأن بعضاً من الذين غادرُوا الأراضي التونسية منذ آذار 2011، ما زالوا على قيد الحياة.

بعد أقل من شهر ونصف الشهر من تاريخ المراسلة المذكورة، تخاطبُ قنصلية تونس بباليرمو وزارة الشؤون الخارجية، مبلّغة إياها بأنه تم التأكد من هوية بعض المفقودين من قبل شخص منتحل صفة (كما وصفته في خطابها) وهو يسري الحناشي، و تعلمها أنَّ هذا الأخير قد تعرّفَ إلى بعض الأشخاص وصرّح في شهادته، أثناء ترحيله بأن من ذكرهم غرقوا جميعهم، من بينهم محمد الجبالي.

لكن الوثيقة التالية تثبتُ عكسَ ما جاءَ في شهادة المدعو يسري الحناشي بأن محمد الجبالي لم يغرق وهو لا يزال على قيد الحياة

تخبرنا فاطمة كسراوي أنّ هناك صحافييّن اثنين تتحفظُ عن ذكر اسميهما، وهمَا تونسي وإيطالية، قاما بزيارة مركز الإيقاف في تراباني بإيطاليا، وتعرّفا إلى ابنها رمزي الولهازي، وهو ما لا يترك مجالاً للشّك بالنّسبة إليها بأن ابنها على قيد الحياة. كما تؤكد أن الصحافي التونسي وعدها بتقديم شهادته لقاضي التحقيق المتعهد بالقضية المرفوعة منذ 2011، إذا أعادَ فتح البحث فيها.

فاطمة الكسراوي وعائلة محمد الجبالي والكثير من الشهادات التي وثقها التحقيق، يؤكدون أن أبناءهم ما زالوا على قيد الحياة وهم محتجزونَ لدى السلطات الإيطالية. وحيدة الفضيلي التي ذُكرت في مطلع هذا التحقيق هي الأخرى تؤكد أنها شاهدت ابنهَا على شاشة القناة الإيطالية “تي جي 5”، محاصراً بالشرطة الإيطالية مع بقية رفاقه، في اليوم الذي وقع فيه السبسي وبرلسكوني الاتفاقية الثنائية المذكورة أعلاه.

مع تزايد ضغط عائلات المفقودين على السلطات التونسية قامت هذه الأخيرة، عبر سفارتهَا بروما، في الخامس من نيسان عام 2012 بإرسال طلب رسميّ إلى وزارة الداخلية الايطالية، قصد الاستعلام عن مصير مواطنين تونسيين دخلوا الأراضي الإيطالية بطريقة “غير شرعية” ويبلغ عددهم 164. وأرفقت خطابها بقاعدة لبياناتهم وبصماتهم، وتبيّن وفق الوثائق التي حصلنا عليها، أن المعلومات المرسلة من السلطات التونسية إلى الجانب الإيطالي منقوصةً ولا تتطابقُ في جلّها مع المهاجرين الذين غادروا التراب التونسيّ بطريقة غير نظامية عام 2011.

وإن كان ردّ الإدارة المركزية للهجرة وشرطة الحدود التابعة لوزارة الداخلية الإيطالية بتاريخ 30 نيسان 2012، على سفارة تونس في روما، يفيد بأنّ القائمة التي تم إرسالها لم تكن منقوصةً فحسب، لأنها لم تتضمن بطاقات استعلامات 75 شخص من أصل 164، بما لا يتطابق وهذا العدد الأخير المذكور في الطلب الرسمي. بل تؤكد الإدارة المركزية المذكورة أن ما وصلها فقط هو 89 بطاقة استعلامات وأن المعلومات الواردة في بعضها تعودُ إلى مهاجرين غادروا التراب التونسي بين 16 آذار 1998 و5 آذار 2010، وآخرين مدرجين في قائمة الإرهابيين لتنظيم القاعدة منذ 2002.

لكن يبقى السؤال كيف تبررُ السلطات التونسية إرسال معلومات غير متطابقة عن مواطنين تعلمُ أسماءهم الكاملة وتواريخَ ميلادهم وبصماتهم وتواريخَ عبروا فيها الأراضي التونسية نحو إيطاليا، وصولاً إلى تحاليلهم الجينية وفق شهادات وثَّقها هذا التحقيق؟

وردّاً على المعلومات المذكورة، اتصلنَا بوزارة الداخلية التونسية التي أكدت لنا على لسان الناطق الرسمي باسمها سفيان الزعق، أن المعلومات التي قدمتها الوزارة في السابق كانت بطلب من وزارة الشؤون الاجتماعية المشرفة على متابعة ملف المفقودين، وأن اللجنة في حال طلبت معلومات إضافية من الوزارة أو توضيحات حول معلومات منقوصة أو غير متطابقة فإن وزارة الداخلية كانت ستستجيبُ لذلك.

تؤكدُ الجريدة الرسمية للبرلمان الإيطالي بتاريخ 17 أيلول/ سبتمبر 2012، أن النائب الإيطالي ريناتو فارينا أرسل بطلب رسمي لوزيري العدل وشؤون الخارجية الإيطاليين، للبحث في وضعية سجناء يحملون الجنسية التونسية، يمرُّون بحالة نفسية متدهورة، جرَّاء تقاعس القنصل العام لتونس في ميلانو، الذي لم يبين تعاونهُ مع السلطات الإيطالية المختصة للسماح للسجناء بالاتصال بعائلاتهم وذلك على غرار السجين أسامة اللواتي.

ويؤكد أن هذه الممارسات مخالفة للاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، لا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الديبلوماسية عام 1961 واتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية المؤرخة في 24 نيسان 1963.

تقول فاطمة الكسراوي إنها تنام وتصحو على صورة ابنها، ولم تتوانَ للحظة منذُ تاريخ اختفائه في البحث عنه بكلّ الطرائق والسّبل حتى أنّها وصلت بملفه إلى المكسيك،”لم أعد قادرةً على الصمت، ولن أخشى قولَ إن الباجي قائد السبسي رئيس الجمهورية هو الذي بيده حل الملف، هو من تفاوضَ على أبنائنَا. هو من وقَّع الاتفاقية مع برلسكوني في 2011، لكنّهُ اليوم يرفضُ لقاءنَا بعدما جلسَ على كرسيّ الرّئاسة… هو يعرفُ حقيقةَ مصير أبنائنا لكنّه لا يحرك ساكناً”، تقول فاطمة…

على رغم مرور كل هذه السنوات، تؤكد أمهات المفقودين “سنواصل البحث عن أبنائنا مهما كلفنا ذلك”.

استجابت السلطات التونسية لضغوطات عائلات المفقودين عبرَ تشكيل لجنة مكلفة بمتابعة ملف التونسيين المفقودين لجمع كل المعطيات والمعلومات المتعلقة بهم. وصدرَ قرار في الرّائد الرسمي للجمهورية التونسية (الجريدة الرسمية التونسية) في عدده الـ45 بتاريخ 5 حزيران/ يونيو 2015 بإنشاء اللجنة تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية بعدما تخلت وزارة الشؤون الخارجية عن الملف…

ولعلّ أهم أدوار هذه اللجنة، هو التنسيق مع عائلات المفقودين ومختلف المصالح الإدارية الإيطالية ومكونات المجتمع المدني الإيطالي، من طريق القنوات الديبلوماسية في إيطاليا.

لكن هذه الأخيرة سعت إلى إبعاد أي طرف ممثل من العائلات، وفق شهادات وثقها التحقيق. وطالبت بتفويض محام واحد عن لجنة الدفاع المكلفة بملف المفقودين حتى يرافقها في رحلة البحث إلى إيطاليا. وكان لأيوب غدامسي ذلك بتفويضه من العائلات، لكن حلمي التليلي ممثل وزارة الشؤون الاجتماعية، قال إن بعض العائلات يرفضون سفر أيوب غدامسي وقد أوكلوا المهمة للمحاميين فتحي المولدي ومنير بن صالحة، ما جعل اللجنة “تلجأ إلى إجراء قرعة عام 2016 حتى يتم اختيار محامٍ واحد من الثلاثة، طالما لم تتفق العائلات على محامٍ واحد يمثلها”.

قنصلية تونس تؤكد وجود مفقودين

وعلى رغم أن نتيجة القرعة أفضت إلى اختيار أيوب غدامسي، وهي موثقة في محضر جلسة، التي أجريت في مقر المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إلا أن اللجنة تجاهلت النتيجة. وسافر أعضاؤها بطريقة مفاجئة إلى إيطاليا، وقابلوا مسؤولينَ إيطاليين، من دون إعلام العائلات ومحاميهم، أو حتى مدّهم بنتائج المحادثات مع الجانب الإيطالي.

على إثر شهادة أيوب غدامسي التي وردت في التحقيق بخصوص تجاهل نتيجة القرعة القاضية بسفره مع لجنة البحث عن المفقودين، إلى إيطاليا واستبدال اسمه بمحامٍ آخر، اتصلنا بممثل بوزارة الشؤون الاجتماعية السابق في اللجنة المذكورة، حمدي التليلي، لسؤاله عن هذا الأمر ومنحه حق الرّد، لكنه “رفضَ الإدلاء بأي تصريحات في خصوص ملف المفقودين في إيطاليا”، كما أكّدَ لنا أنه “ليس مطلعاً على هذا الملف”، على رغم مباشرته له في السابق. كما أكدت لنا مصادر متطابقة داخل وزارة الشؤون الاجتماعية أن اللجنة عملها مجمَّد منذ أوائل 2017. 

 أما في خصوص مستجدات ملف المفقودين في إيطاليا ككل، قمنا بالتواصل مع رضوان عيارة الوزير المكلف بالهجرة والتونسيين بالخارج، والذي أبلغنا أن وزارته تعملُ جاهدةً على استرداد الملف من وزارة الشؤون الاجتماعية، وقد تمَّ عرض هذا الطلب بالفعل على اجتماع مجلس وزراء في وقت سابق، في انتظار الموافقة عليه.

ويؤكدُ عيارة أنه نظراً إلى تولّيه منصبَ كاتب الدولة لدى وزير الشؤون الخارجية في السابق، فإنه على إطلاع بحيثيات كثيرة في خصوص ملف المفقودين، وأن التحرك لحلحلته سيبدأ فورَ إحالة الملف رسميّاً إلى وزارته ومدّه بكل المعطيات اللازمة من وزارتي الشؤون الاجتماعية والشؤون الخارجية.

مع تقاعس السلطات التونسية في المضيّ قدماً لحلحلة ملف المفقودين وإعادتهم إلى ذويهم، كان نشطاء المجتمع المدني بمعيّة لجنة الدفاع، يُقارعون السلطات الإيطالية ويبحثونَ عن الحقيقة. ففي الثالث عشر من شباط/ فبراير 2018، قامت رئيسة الحزب التونسي والناشطة بالمجتمع المدني في أوروبَا، مريم منوّر، بمراسلة مدير سجن تراباني بإيطاليا للاستعلام مرّة أخرى عن أحد المفقودين وهو محمد جبالي (الوارد في قائمة الحكومة التونسية السّالف ذكرها في هذا التحقيق، ثم ذكر أنه غرق وفق المدعو يسري الحناشي).

لكنّ رد مدير سجن تراباني في الثالث والعشرين من شباط 2018، كان مفاجئاً بعدما رفضَ إعطاء أيّ معلومات جديدة عن هذا “السجين”، على رغم تأكيد إدارة سجنه في مراسلة سابقة، أي في آب 2014 أن الشخص المستعلم عنهُ محمد الجبالي “قد أنهى عقوبته وقاموا بترحيله إلى تونس من طريق مصالح السجن”. كما أن رد مدير سجن تراباني كان مناقضاً لرد وزارة العدل التي أفادت في مراسلة أخرى بأن محمد الجبالي غادر السجن أواخر 2012. وما نخلص إليه هنا ليس فقط تناقض ردود جهتين رسميتين إبطاليتين، بل هو تأكيد واضح ومباشر منهما، أن الشخص المستعلم عنه على قيد الحياة.

تؤكد ربح كريم رئيسة جمعية الخضراء، والناشطة الحقوقية في إيطاليا، أنها تتابعُ هذا الملف منذ آذار 2011، وأنَّها شاهدة عيان على إهمال الدولة التونسية، لملف المفقودين، بتمثيليتها الديبلوماسية في إيطاليا ومؤسساتها في الداخل التونسي.

وتضيفُ كريم أن مؤسسات الدولة التونسية، “ترفض التعاون مع جمعيتها على رغمَ حوزتها وثائق من شأنها أن تيسر مسار البحث عن المفقودين”.

من جهة أخرى، يقول مسعود الرمضاني رئيس المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إن السلطات التونسية لم تتعامل بالجدية الكاملة مع ملف المفقودين في آذار 2011، وحتى مع موجات الهجرة غير النظامية التي تلتها، ما عمَّق مأساة العائلات. كما يؤكد الرمضاني أن انسحاب المنتدى من اللجنة جاء نتيجة تقاعس الدولة عن أداء دورها تجاه قضية حساسة بهذا الحجم.

قامت عائلات المفقودين برفع قضية ضدّ كلّ من الباجي قائد السبسي ورئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي ورئيس الوزراء الإيطالي السابق سلفيو برلسكوني وكل من سيكشفُ عنه البحث.

لكن هذا الملف ما زالَ إلى تاريخ اليوم محطَ أنظار القضاء، لم يُحفظ ولم يصدر فيه أي حكم نهائي، على رغم استدعاء الباجي قائد السبسي، رئيس الوزراء السابق ورئيس الجمهورية الحالي، في السادس من أيار/ مايو 2013 كشاهد وفق الوثيقة التي تحصلنا عليها. وحتى مع وجود قرائن على إهمال مسؤولين تونسيين وتقاعسهم عن القيام بواجبهم تجاهَ مواطنيهم المشكوك في احتجازهم لدى الجانب الإيطالي من دون موجب قانوني.

تجدرُ الإشارة إلى أن كل من يحرض ويساعدُ على اعتقال مواطنينَ يحملونَ الجنسيّة التونسيّة واحتجازهم وتعريضهم لممارسات غير لائقة وغير قانونية، يضعُ نفسه تحتَ طائلة القانون الجزائي بخاصة الفصل 307 مكرر من مجلة الإجراءات الجزائية، والفصل 29 من المجلة الجزائية، وغير ذلك من الجرائم المعاقب عليها وفق اتفاقية الأمم المتحدة عام ،1984 الخاصة بمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة. هذه الاتفاقية مصادق عليها من طرف البلاد التونسية بمقتضى القانون عدد 79 لسنة 1988 المؤرخ في 11/07/1988.

وفق تقارير حقوقية وشهادات وثقتها أعمال صحافية استقصائية دولية، فإن كثراً من المهاجرين غير النظاميين إلى إيطاليا، والذين يتحدرونَ من جنسيات أفريقية مختلفة، عادةً ما تحول وجهتهم في ظروف غامضة ولا يتمُّ ترحيلهم إلى بلادهم ولا العثور عليهم، ويبقى مصيرهم مجهولاً، لتقاعس سلطات بلادهم في البحث عنهم.

 

 

إقرأ أيضاً:

فيروز التونسية حلمت بالمسيح فخسرت حضانة ابنها

إقرأ أيضاً