fbpx

هنا القصة الثالثة

خولة بو كريم - صحافية تونسية

خولة بو كريم - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

تونس: يوسف الشاهد وقفزة صعوده من الفلاحة إلى الرئاسة 

يستعد التونسيون للانتخابات الرئاسية المقررة منتصف هذا الشهر لاختيار رئيس خلفاً للراحل الباجي قائد السبسي.

رئيس الحكومة يوسف الشاهد هو أحد المرشحين لهذا المنصب، فمن هي هذه الشخصية التي اعتبر دخولها الحياة السياسية مصادفة؟

هوَ أصغرُ رئيس حكومة تونسي تولى هذا المنصب منذ تاريخ الاستقلال وحتى اليوم. يلقّبه محللون بـ”رجل المصادفة”، تلك التي أوصلته أبعدَ بكثير من حدود طموحاته… مصادفة أهداه إيَّاها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي وعاهدَ الشاهد نفسه أن يستغلَّ ثمارها حتى آخر رمق.

بدأ يوسف الشاهد مشواره العملي بعدما حصل على شهادة مهندس في الاقتصاد الفلاحي من المعهد الوطني للعلوم الفلاحية في تونس عام 1998 وسرعان ما نالَ درجة الدكتوراه في العلوم الفلاحية، من “المعهد الوطني الفلاحي” في باريس في 2003.

فرنسا التي عملَ الشاهد في سلك تعليمها العالي أستاذاً في اختصاصه حتى 2009، تنازلَ أخيراً عن جنسيتها، معللاًّ ذلكَ بأن على الذين يسعون إلى تحمل مسؤولية رئاسة الجمهورية ألا ينتظروا الفوز في الانتخابات حتى يقوموا بذلك“، داعياً المرشحين إلى القيام بالإجراء ذاته، وهي خطوة بدت حتمية لا سيما بعدما نشرت الجريدة الرسمية الفرنسية قائمة تضم المتخلين آليّاً عن جنسيتها.

كانت لحظة تخلي الشاهد عن الجنسية الفرنسية ذات دلالة، ففي لحظة مكر سياسي استبق الشاهد الأقلام الاستقصائية وأعلنَ تنازله عن جنسيته الثانية مانعاً عن نفسه حرجاً قد يحاصره بعدما أخفى أمر جنسيته الثانية عن التونسيين أكثر من ثلاث سنوات.

إضافةً إلى علاقته الاستراتيجية القوية مع فرنسا، كان للشاهد علاقة مشابهة مع الولايات المتحدة الأميركية، إذ يحظى رئيس الحكومة المفوض موقتاً لمهماته طمعاً في كرسي الرئاسة، بمكانة قيّمة لدى هذا البلد.

فلطالما لقّبه خصومه بــ”فتى السفارة” خلال السنوات الأخيرة. وذلك لعمله مع سفارة الولايات المتحدة الأميركية في تونس، مكلّفاً بمهمات في قسم الخدمة الزراعية الخارجيّة وخبيراً دوليّاً في السياسات الفلاحية.

يوسف الشاهد مع الرئيس التونسي الراحل الباجي قايد السبسي

وتولى في تلك الفترة وضع تخطيط لسياسات التعاون في ميدان الأمن الغذائي وتطوير الشراكة الفلاحية الاستراتيجية بين تونس والولايات المتحدة الأميركية. جانب من سيرة الشاهد الذاتية كان مخفيّاً عن أنظار الصحافة التونسية حتى نشرت منصة نواة التونسية في الثاني من آب/ أغسطس 2016، وثيقةً عن موقع “ويكيليكس” بتاريخ 13 كانون الثاني/ يناير 2010، تتحدث عن الدور الحيوي الذي أدَّاه الشاهد لمصلحة الولايات المتحدة الأميركيّة حتى تمضي السلطات التونسية قدماً في تبنّي التكنولوجيا الحيويّة في الزراعة وتسويقها.

في الرابعة والأربعين بدأ مشواره السياسي وتحديداً بعد سنة من الثورة، كأحد مؤسسي “الحزب الجمهوري” الذي أعلن في التاسع من نيسان/ أبريل 2012 وسرعانَ ما انضمَّ إلى “حركة نداء تونس”، التي أسَّسها السبسي في 16 حزيران/ يونيو 2012، ليصبح الشاهد في ما بعد أحد أهمّ قيادييها وعضواً بارزاً في مكتبها التنفيذي.

سطعَ نجم السياسي المغمور فجأة عندما كلَّفه السبسي في أول كانون الثاني 2016 تشكيل حكومة وحدة وطنية. حظوته عند السبسي التي تعود أسبابها إلى صلة مصاهرة وقرابة من الدرجات الدنيا، لم ترق كثيراً لحافظ (نجل السبسي)، ما عقَّد الأمور بين القصر والحكومة وظهرت الخلافات على السطح، وأصبحت منابر الإعلام التلفزيوني التونسي ساحةً للسجال السياسي. وانقسمَ الندائيون (مناصرو حزب “نداء تونس”) وانشطروا إلى جماعات، بين مؤيدين لابن الرئيس وآخرين لرئيس الحكومة.

نجل الرئيس الذي تمادى في الضغط على أبيه حتى يستبعد الشاهد من رئاسة الحكومة، لم يهدأ ولم يستكن حتى خرج الشاهد ملقياً كلمة شهيرة في التلفزيون الرسمي، مؤكداً أن نجل الرئيس أصبح يعطل عمل الحكومة والحزب أصبح يعرقلها لا يساندها.

وطُلب من الشاهد فعلاً باعتراف منه تقديم استقالته طوعاً بدلَ أن “يهان”. لكنه بقي في منصبه، على رغم غضب قرطاج وتقلص عدد اللقاءات بينه وبين السبسي، حتى مرت فترة لم يظهر فيها الرجلان معاً، وكثرت الأقاويل عن قطيعة بين “الرئيسين”.

ويمكن القول إن صمود الشاهد استقواء غير نابع من شجاعته وحسب، بل بدعم خفي ومضاعف من “حركة النهضة” التي رأت مصلحة كبرى في تفكك “حركة النداء”. وقوف الشاهد في وجه تيار نجل السبسي الذي أراد أن يجرفه بعيداً من رئاسة الحكومة، أكده مرة أخرى خلال لقاء تلفزيوني حديث، بتاريخ 30 آب/ أغسطس 2019، قائلاً: “لقد صمدت أمام محاولات ابن الرئيس لتنحيتي، كما نجح في إقناع أبيه بتنحية سلفي، السيد الحبيب الصيد”. هذا “الصمود” ردّ عليه نجل الرئيس الراحل مستفيداً من نفوذه كمدير تنفيذي لـ”حزب نداء تونس” فجمّد عضوية الشاهد فيه، يوم 14 أيلول/ سبتمبر 2018، ليبدأ الشاهد بعد هذا التاريخ مرحلة جديدة في مشواره السياسيّ.

يلقّبه محللون بـ”رجل المصادفة”، تلك التي أوصلته أبعدَ بكثير من حدود طموحاته… مصادفة أهداه إيَّاها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي

وكأنَّ تجميد عضوية الشاهد من قبل حافظ قائد السبسي منحه فرصةً ذهبية لــلتحرر من سلطة الرئيس وابنه في آن واحد. بقي الشاهد لشهور مجمَّداً ظاهرياً، ومستبعداً من نشاطات “حركة نداء تونس”، لكنَّه استغلَّ الفرصة لتكوين حزب جديد بقيادات ندائية، غاضبة من نجل الرئيس، واستئثاره منفرداً بتسيير “حركة نداء تونس”.

أعلن هؤلاء في  4 آذار/ مارس 2019، وفقاً لمقتضيات المرسوم عدد 87 لسنة 2011، المتعلّق بتنظيم الأحزاب السياسية، تأسيس حزب سياسي جديد أُطلق عليه اسم حركة “تحيا تونس“. وأكد في التاريخ ذاته أمينه العام سليم العزابي أن الشاهد سيلتحق قريباً بهذا الحزب الجديد.

في 10 نيسان 2019، أي بعد شهر واحد تقريباً من انبعاث “تحيا تونس”، تم رفع التجميد عن عضوية الشاهد في “نداء تونس”، لكن الشاهد لم يهمه كثيراً هذا الأمر، وتم انتخابه في الثاني من حزيران 2019 رئيساً لحزب “تحيا تونس”. وانتخب كمال مرجان، المسؤول السابق في نظام زين العابدين بن علي، والمفوّضة له صلاحيات رئاسة الحكومة حاليّاً، رئيساً للمجلس الوطني للحزب.

حرب على الفساد أم تصفية للخصوم

“إما تونس وإما الفساد واحنا اخترنا تونس”، شعار رفعه الشاهد أثناء حملته الشهيرة ضد الفساد ورموزه، “أسوة بـ”الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد”. وأعلن من أمام قصر الحكومة بالقصبة في 24 أيار/ مايو 2017 أنه “عازم على القضاء على الفاسدين وأنه لن يتهاون في تقديم هؤلاء للعدالة خدمةً لمصلحة تونس العليا”.

صحيح أن هذه “الحرب” المعلنة على الفساد تمَّ القبض خلالها على 22 شخصية، منهم رجال أعمال تحوم حولهم شبهات فساد كشفيق جراية وياسين الشنوفي، علاوة على أنها أطاحت بقيادات أمنية كصابر العجيلي بموجب قانون الطوارئ، لكن هذه الحرب بدت استعراضية أكثر منها حقيقية وفق حقوقيين كثيرين، بسبب عدم ثبوت الجرائم على أصحابها بشكل دامغ وفراغ ملفاتهم من الأدلة والتباطؤ المتعمد في تنفيذ الإجراءات القانونية لا سيما في خصوص القيادات الأمنية.

حرب يوسف الشاهد على الفساد انتقدها أيضاً صحافيون ونشطاء في المجتمع المدني واعتبروها انتقائية ومزدوجة المعايير، لا سيما بعدما كشفت منظمة “أنا يقظ” التونسية أن الشاهد توَّسط لمروان المبروك صهر الرئيس السابق زين العابدين بن علي لدى الاتحاد الأوروبي، حتى يرفع التجميد عن أمواله. المبروك المدان لدى القضاء التونسي بشبهات فساد وتبييض أموال، تدخل من أجله رئيس الحكومة وقتها واستغل صفته ونفوذه لرفع التجميد عنه. وذهبَ البعض إلى أن هذا الغطاء السياسي للمبروك هو جسر عبور لتمويل حزب الشاهد وحملته الانتخابية في ما بعد.

أيادٍ خفية فككَّت “ائتلاف الجبهة الشعبية”

تجمعات الائتلاف اليساري الأكبر في تاريخ الجمهورية التونسية والذي ضمّ مجموعة من الأحزاب اليسارية والقومية والبيئية ومستقلين، تفكك فعلياً في 22 تموز/ يوليو 2019 تم تأسيس حزب سياسي جديد أطلق عليه “حزب الجبهة الشعبية”، أيضاً، أي يحمل اسم الائتلاف ذاته بتسهيل من الحكومة ما اعتبر خطوة لشق صفوف اليساريين!

شاهد: ورحل “عجوز” تونس الباجي قايد السبسي

الناطق الرسمي باسم “ائتلاف الجبهة الشعبية” حمَّة الهمامي صرَّح وقتها بأنّ الحكومة منحت تأشيرة لحزب جديد يحمل اسم “الجبهة الشعبية”، حتى تقسم الجبهة وتضعف اليسار، مشدداً على أن الحكومة “فشلت في ضرب الجبهة من الداخل عبر إثارة الخلافات فسعت الى تدميرها نهائيّاً عبر منح هذه التأشيرة”.

ووجّه الهمّامي في تلك الفترة اتهامات إلى الشاهد والوزير المكلف بالعلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان محمّد الفاضل محفوظ، “بإقصاء الجبهة الشعبية من الاستحقاقات المقبلة وتدميرها”، مؤكّداً أنّ الهدف من تكوين هذا الحزب الذي مُنِح التأشيرة في أقل من 48 ساعة هو ضرب الجبهة الشعبيّة.

رجل الأعمال نبيل القروي المرشح للانتخابات الرئاسية التونسية

إزاحة القروي من سباق الرئاسة إرضاءً للشاهد؟

أثار القبض على رجل الأعمال نبيل القروي ومؤسس قناة “نسمة” التلفزيونية موجة استنكار، بسبب ما اعتبره بعض الحقوقيين “خللاً في الإجراءات القانونية”. وطالبت “الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان “المجلس الأعلى للقضاء، ووزير العدل، بـ”فتح تحقيق جدي” في ملابسات القرار الذي اتخذته دائرة الاتهام في محكمة الاستئناف في تونس، بحق أحد المرشحين للانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها، ومدى مطابقته القانون.
ورأت الرابطة في بيان لها، أن “ما حصل، وتونس على أبواب انطلاق الحملة الانتخابية الرئاسية، وفي ظروف عطلة قضائية صيفية، من إيقاف مستعجل، في زمن قياسي، لأحد المرشحين للرئاسة، يثير الكثير من الريبة والشك، ويسيء إلى السلطة القضائية، لما يوحي به من توظيف سياسي، بغاية إقصاء أحد الخصوم في المنافسة على الرئاسة”، بحسب نص البيان.

وعلى رغم أن الشاهد أثبت في مرات عدة أنه استغل نفوذه خدمةً لمصالحه، يبقى السؤال هل سيختاره الشعب التونسي من بين 26 مرشحاً رئاسياً، لا سيما أنه اختبرَ أداءه في رئاسة الحكومة لمدة ثلاث سنوات؟

تونس : ماذا لو”حكمت” عبير أو سلمى؟

إقرأ أيضاً