fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

تونس في ظل الرئيس الضعيف

في ردها علينا نحن زملاءها الآتين إلى تونس عشية الانتخابات الرئاسية فيها، والمحتفلين في يوم جديد من الحرية في البلاد، قالت حنان زبيس، مديرة الفرع التونسي لمكتب “اتحاد الصحافة الفركوفونية”، إن والدتها قالت لها إنه لم ينلها من هذه الحرية إلا الانتخابات. في كل سنة تنتخب تونس تقريباً، على المستوى البلدي والتشريعي والرئاسي، وهي انتخابات حرة ونزيهة، إلا أن الحرية هي مؤشرها الوحيد، والأخيرة لم تؤد وظيفتها التصويبية على المستويات الأخرى! لم تفضِ الحرية إلى مكافحة الفساد أو تحسين مستوى التعليم أو إلى طبابة مجانية. 

وحنان المفجوعة بنتائج الانتخابات الأخيرة، تقول “وضعتنا النتائج أمام مرشحين، الأول أنارشي (قيس السعيد) والثاني فاسد (نبيل القروي)، والاختيار بينهما يبدو مستحيلاً”. أما أيوب جويدي، وهو مسرحي ومدير الحملة الانتخابية للمرشح اليساري حمة الهمامي، فيشير إلى أن الثورة حملت ثلاثة شعارات، الشغل والحرية والكرامة. الشعار الأول لم يتم التقدم به خطوة واحدة، لا بل بالعكس، فقد ارتفعت معدلات البطالة، ومعها ارتفعت مؤشرات الفساد وتدني مستويات الخدمات العامة.

في مقابل قناعة حنان وأيوب بحال الاستعصاء الذي كشفت عنه نتائج الانتخابات، اقترع لقيس السعيد ونبيل القروي نحو 35 في المئة من التونسيين الذين توجهوا إلى صناديق الاقتراع يوم الأحد الفائت، وهؤلاء ليسوا كتلاً تصويتية يمكن ضبطها وفق مشهد الاستقطاب التقليدي في تونس. ليسوا جمهوراً حزبياً، ولا ناخبين يمكن فرزهم وفق مناطقهم أو طبقاتهم. وفي الوقت الذي رُصد فيه مزاج شبابي في حركة الاقتراع للمرشح الأكاديمي قيس السعيد، رُصد أيضاً استنكاف شبابي عن الاقتراع عموماً، وهذا ما يضعف افتراض تمثيل السعيد شرائح الشباب.

 

 الاعتقاد الشائع بأن تونس انخرطت في موجة شعبوية هي امتداد لشعبويات أوروبية وأميركية فهو اعتقاد يبقى مضبوطاً في حدود صلاحيات الرئيس وفي حقيقة ضعف موقعه في ظل ضعف تمثيله النيابي. “السيستم” سيستيقظ في الانتخابات التشريعية والأرجح أن يحاصر الرئيس الضعيف

 

سائق سيارة الأجرة التي أقلتنا إلى قُمرت وهو اقترع للسعيد، لفت إلى أنه لا يعرف الكثير عن هذا المرشح، وهو اقترع له فقط لأنه من خارج الطبقة السياسية التي أنتجتها الثورة. وأضاف: “نحن التونسيين صار بإمكاننا أن نحاسب الرئيس. بعد خمس سنوات إذا لم يعجبنا أداءه سننتخب غيره”. سائق أجرة آخر قال إنه اقترع للسعيد لأنه تلميذه في الجامعة، وتلامذة السعيد شكلوا قاعدة تصويتية ليست محدودة له، ذاك أن الرجل أمضى في التدريس الجامعي نحو 30 سنة، كان في أثنائها مرجعاً في القانون الدستوري، فيما مثل منافسه رجل الأعمال نبيل القروي نموذجاً مختلفاً لجهة اعتماده على شبكة إعالة واسعة في المدن والأحياء الفقيرة، وهو نال اسماً شعبياً هو “نبيل معكرونة” بسبب توزيعه أكياس المعكرونة مجاناً.

لا تشعر في تونس عشية الانتخابات بأنك حيال ماكينات انتخابية تمسك بمزاج الشارع. الناخب خارج ضغط الماكينات، وهذا ليس بسبب ضبط النشاط الانتخابي بقوانين تحد من الضغوط على الناخبين، إنما بسبب ضعف هذه الماكينات. ومن نتائج هذه الظاهرة تشتت الأصوات ونيل مرشحين مغمورين نسباً لا بأس بها من الأصوات. فالشعر الانتخابي يمكن أن يستجاب له لمجرد أن صاحبه جاهر به. كثيرون قالوا مثلاً إنهم اقترعوا للمرشح الصافي سعيد لأنه ضد التطبيع مع إسرائيل. هذا الشعار الفضفاض والبعيد من الهموم اليومية للناخب التونسي، أفضى إلى أن ينال صاحبه نحو 7 في المئة من الأصوات، وهي نسبة لم ينلها مرشحون مكرسون من أمثال حمة الهمامي الذي تمكن في الانتخابات التشريعية من أن يكون القوة الثالثة في البرلمان، لكنه نال في هذه الانتخابات أقل من 2 في المئة من الأصوات. علماً أن الهمامي ضد التطبيع مع إسرائيل، وهو جاهر كما منافسه الصافي سعيد برغبته في إعادة العلاقات مع النظام السوري.

“إنها ليلة سقوط السيستم”، قالت لنا زميلتنا خولة، ما أن بدأت نتائج الانتخابات تظهر، ذاك أن المرشحين المنتقلين إلى الدورة الثانية هم من خارج الطبقة السياسية. سقط في هذه الانتخابات رئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزيران آخران. وسقط أكبر حزبين تونسيين هما “نداء تونس” و”حركة النهضة”. 

هذا الكلام كان سيبدو صحيحاً لو كان النظام السياسي التونسي نظاماً رئاسياً، لكن الرئيس إذا لم يكن محصناً بكتلة نيابية كبيرة ستبقى قدرته على التأثير محدودة بالصلاحيات التي أعطاه إياها الدستور، وهي ليست مطلقة. للحكومة دور أكبر، لا سيما في إدارة الحياة الداخلية، وأن يكون قيس السعيد ضد قوانين إنصاف المرأة على ما هو شائع عنه، فهذا لن يفضي إلى إلغاء قانون المساواة في الإرث، أو تعطيل مشاريع قوانين تشريع زواج المسلمة من غير المسلم وغيرها من القوانين المشابهة. 

القوى السياسية الكبرى سيبقى لها دور وحضور في الحكومة وفي البرلمان، وسيضطر الرئيس إلى التعايش مع خصوم سبق أن أكد أنه لن يشاركهم في الحكم. فـ”حركة النهضة” مثلاً، وهي أحد الخاسرين في هذه الانتخابات، ومن المرجح أن يتراجع حضورها في الانتخابات التشريعية المقبلة، لن تفقد تأثيرها، وكذلك القوى غير الدينية التي كانت تشكل حزب “نداء تونس” قبل تفككه في السنوات الأخيرة.

أما الاعتقاد الشائع بأن تونس انخرطت في موجة شعبوية هي امتداد لشعبويات أوروبية وأميركية فهو اعتقاد يبقى مضبوطاً في حدود صلاحيات الرئيس وفي حقيقة ضعف موقعه في ظل ضعف تمثيله النيابي. “السيستم” سيستيقظ في الانتخابات التشريعية والأرجح أن يحاصر الرئيس الضعيف.       

التصويت “العقابي” يوجه مصير تونس نحو الشعبوية؟

إقرأ أيضاً