fbpx

هنا القصة الثالثة

خولة بو كريم - صحافية تونسية

خولة بو كريم - صحافية تونسية

مقالات الكاتب

تونس: الانتخابات التشريعية تطيحُ باليسار وتضع “قلبهَا” وإسلامييّها وجهاً لوجه!

إنها ليلة السقوط الأعظم، ألقى خلالها الشعب التونسي للمرة الثانية في عرض البحر سياسيين وأيديولوجيات لطالما علا صوتها وارتفع في البرلمانات السابقة. كتب الناخبون التونسيون في الانتخابات البرلمانية الأخيرة سيناريو شبيهاً بالدور الأول من الانتخابات الرئاسية، إلا أن سيناريو الانتخابات التشريعية كان أشدَّ قسوة. فبعد سقوط “السيستم”، وهنا نقصد النظام في الدور الأول من الانتخابات الرئاسية، سقط هذه المرة اليسار التونسي وسمعَت دويّ سقوطه أرجاء الجمهورية التونسية.

بحسب النتائج الأولية التي نشرتها “الهيئة العليا المستقلة للانتخابات”، فإن اليسار التونسي سيكون الغائب الأبرز عن البرلمان الثالث بعد الثورة التونسية.

فللمرة الأولى منذ ثورة 2011، يتشكل برلمان تونسي من دون نواب يساريين، أو ربما سيكون مقعد وحيد من نصيب المنجي الرحوي، خصم حمّة الهمامي اللدود، ومؤسس “الجبهة الشعبية” الجديدة. حمة الهمامي والمنجي الرحوي هما قياديان يساريان كانا منذ 2012 تحت مظلة الائتلاف اليساري الأضخم، لكن هذا الائتلاف انقسم وتفرق اليوم إلى جماعات وأحزاب، وهو ما يفسر ربما هزيمة اليسار المدوية في هذه الانتخابات التشريعية.

التفكك والتشتت اليساري استفادت منهما الأحزاب الفائزة اليوم في الانتخابات التشريعية وعلى رأسها “حزب قلب تونس” لمؤسسه نبيل القروي و”حركة النهضة” ذو التوجه الإسلامي، و”التيار الديموقراطي” الحزب الوسطي، و”الحزب الدستوري الحر” لمؤسسته عبير موسي، المعروفة بعدائها للإسلاميين ووفائها لنظام ما قبل ثورة 2011، وأخيراً “ائتلاف الكرامة” الذي وصفه مراقبون بالأشد خطراً على البرلمان المقبل، بسبب مواقف قياداته من قضايا الحقوق والحريات، والتي وصفت بالمتطرفة. ناهيك بفحوى بعض برامجهم الانتخابية الدالة على الطريقة التي يرغبون بها تسيير البلاد على المستوى الاقتصادي في حال وصلوا إلى الحكم.

النتائج الأولية للانتخابات التشريعية التونسية لم تثبت أن الشعب التونسي قد أخرج اليسار من البرلمان فحسب، أو بالأحرى عاقبه وفق مراقبين، بل إن الذين صوتوا في داخل الجمهورية وبلغت نسبتهم 41.3 في المئة من نسبة المسجلين قد “عاقبوا” أيضاً أحزاباً أخرى حكمتهم منذ 2014 وتحالفت مع “النهضة” ضد مصلحتهم، كما صرح بعض المواطنين لـ”درج”، بعيد عملية التصويت. ونقصد هنا “حزب نداء تونس” الذي أسسه الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، الذي بدا وكأنه قضى ودُفن إلى الأبد في ليلة الأحد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، تماماً كما دُفن جسد مؤسسه.

 

أحد العوامل المؤثرة سلباً على صورة “النهضة: بروز ملف الاغتيالات السياسية لقائدي اليسار التونسي شكري بلعيد ومحمد الابراهيمي، بعدما نشرت هيئة الدفاع عنهما أثناء الحملة الانتخابية وثائق تؤكد تورط بعض قيادات “حركة النهضة” في هذا الملف

 

أيضاً “آفاق تونس” و”المشروع” و”أمل” وغيرها من الأحزاب التي تصنف نفسها في “العائلة الوسطية الحداثية”، هي الأخرى لم تجنِ سوى بعض الأصوات التي لا تؤهلها حتى لبلوغ ثلاثة مقاعد في البرلمان لكل منها. ياسين إبراهيم رئيس “حزب آفاق تونس”، اعترف بالهزيمة وأعلن استقالته، مع بروز النتائج الأولية التي بينت خسارة حزبه واندثار قاعدته الانتخابية.
المرشح نبيل القروي أظهر في السنوات الخمس الماضية شغفاً بتسلم زمام المسؤولية وتحديداً موقع الرئاسة. قد يكون خطابه يناقض حقيقة أهدافه لكن الأكيد أن القروي يقف خلف “حزب نداء تونس” وجلباب الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي. من المعلوم أن القروي هو أحد من ساهموا في إيصال السبسي للرئاسة في 2014، لذلك كان من السهل عليه أن يستثمر إمكاناته الإعلامية والمالية لمصلحته ومصلحة حزبه حديث التكوين، “قلب تونس” الذي اكتسح ونافس الحزب الأكثر جماهرية في تونس، أي “حركة النهضة”.

صعود “حزب قلب تونس” في الانتخابات التشريعية كان متوقعاً بعدما تعالت أصوات منظمات المجتمع المدني التونسي خلال السنوات الماضية وهي تحذر من استغلال القروي قناته التلفزيونية من أجل الدعاية السياسية.

“الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري” المعنية بتنظيم قطاع الإعلام في تونس، فرضت الكثير من العقوبات المالية الضخمة ضد قناة “نسمة”، بسبب اتهامها باستغلال منبرها من قبل مؤسسها الأصلي نبيل القروي في الدعاي،. علاوة على استغلاله العمل الخيري لإشهاره في القناة ذاتها.

منظمة “أنا يقظ” التي بسبب الدعوى التي رفعتها يقبع القروي الآن في السجن، حاولت هي الأخرى اقتفاء أثره، ونشرت بعض المعطيات التي تتهمه في قضايا تبييض أموال وتهرب ضريبي.

إلا أن كل ما ذكر سابقاً، لم يؤثر في توجه الناخب التونسي إلى الارتماء في أحضان القروي وحزبه الجديد، لا سيما بعدما اشتهرت حملاته الانتخابية بتوزيع المساعدات الغذائية والأموال.

كان يُتَوقّع تراجع شعبية “حركة النهضة” لدى الشارع التونسي، لا سيما بعد الإخفاقات الكبيرة على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وهي التي كانت وما زلت شريكة في الحكم لأحزاب نجحت في تدميرها نهائياً كحزب النداء.
أحد العوامل المؤثرة سلباً على صورة “النهضة: بروز ملف الاغتيالات السياسية لقائدي اليسار التونسي شكري بلعيد ومحمد الابراهيمي، بعدما نشرت هيئة الدفاع عنهما أثناء الحملة الانتخابية وثائق تؤكد تورط بعض قيادات “حركة النهضة” في هذا الملف، وأخرى تؤكد وجود جهاز أمني سري للحركة.
كل هذه الأمور ساهمت بشكل كبير في توجيه ضربة قاسمة للقاعدة الانتخابية لـ”حركة النهضة”، علاوة على عدم نجاح مرشحها في الدور الأول للانتخابات الرئاسية عبد الفتاح مورو.
رئيس الحركة راشد الغنوشي استقبل النتائج الأولية غير الرسمية بسجدة على الأرض ومعه قيادات الحركة، وقال في ندوة صحافية: “نحن الیوم أثبتنا من خلال جمیع المعطیات التي وصلتنا أن النھضة قد حققت فوزاً لا غبار علیه”، مضيفاً: “إن النصر لم يكن سھلاً ولسنا مسرورين ببقاء نبیل القروي في السجن”. 

مغازلة الغنوشي القروي وقواعد حزبه لم تُثمر بعدما أعلن أعضاء المكتب التنفيذي لحزب القروي كأسامة الخليفي وسميرة الشواشي قرار عدم تحالف حزبهم مع “حركة النهضة”، لتشكيل الحكومة المقبلة.

فرصة للمتطرفين؟
لعلّ مفاجأة هذه الانتخابات التشريعية هو صعود ائتلاف الكرامة بقيادة المحامي مثير الجدل سيف الدين المخلوف، كيف لا وهو الذي دافع عن صاحب المدرسة القرآنية الشهيرة في سيدي بوزيد، والذي وجهت له تهماً باستغلال الأطفال جنسياً والاتجار بهم.

وذهب البعض إلى وصف المخلوف بـ”محامي الإرهابيين”، بسبب دفاعه عن بعض المشتبه في تورطهم في قضايا إرهابية. لكنه ليس وحده، إذ هناك راشد الخياري وماهر زيد اللذان اشتهرا بمواقفهما الحادّة ضد الحقوق والحريات وأيضاً مؤسس “حزب الرحمة السلفي” سعيد الجزيري، المطرود وفق تقارير صحافية دولية من كندا، بعدما كان إمام الجالية الإسلامية هناك.

صعود “ائتلاف الكرامة” شكَّل صدمة كبيرة لبعض المراقبين للشأن التونسي وطرح تساؤلات عدة عن شكل الحكومة المقبلة، هذا في حال نجح الفائزون في تكوينها، وعن طرح إمكان إعادة الانتخابات التشريعية برمتها في حال لم تتحقق الأغلبية المطلوبة لتشكل الحكومة. كيف لا وقد انهالت التصريحات من بعض الفائزين وعلى رأسهم عبير موسي، بعدم التحالف مع “حركة النهضة” و”ائتلاف الكرامة”. أما “التيار الديموقراطي” بقيادة محمد عبو مرشح الانتخابات الرئاسية السابق، فقد اشترط الحصول على وزارات السيادة حتى يوافق حزبه على التحالف.

المصنع: من أرسل التونسيين إلى سوريا؟

إقرأ أيضاً