fbpx

هنا القصة الثالثة

سامي دورليان- باحث لبناني مقيم في فرنسا

مقالات الكاتب

 تنويعات جزائرية في موضوع التآمر

منطقة القبائل – الجزائر

خلال  رحلة جَماعية إلى محميّة جبال جُرْجُرة الطبيعية  والكائنة في منطقة “القبائل” شرق العاصمة، وقعتُ على كومة من قوارير الجعة  والنبيذ الفارغة والمرميّة قرب سلّة مهملات ممتلئة، فقمتُ بالتقاط صورة لهذا المشهد المعبِّر. وعندما أطلعْتُ أحد معارفي في الجزائر العاصمة عليها، سارع، وهو المتحدّر من غرب البلاد، إلى تنبيهي أنّ تلك التصرّفات “المخلّة باﻷخلاق” – لم يقل بالبيئة – والتي تجري في اﻷماكن الطبيعية النائية، أمرٌ اعتياديٌ جدًّا عند القبائليين…غير أنّ  “تفسيراً” آخرَ كان قد قُدِّمَ لي أثناء الرحلة نفسها. فأمام تعليقي على الكومة المذكورة، سارع أحد المشاركين، وهو المتحدّر من هذه المنطقة، إلى إعلامي أنّ بين القبائليين عدداً مُعْتَبَراً من اليهود والمسيحيين “غير المُعلَنين” …

هكذا، يتمّ التبرّؤ من فئة معيّنة، حقيقيّةً كانت أم وهميّة، ثمّ يجري عزلها عن محيطها قبل تعميم بعض الخصائص على جميع أفرادها. وهي عمليّة كاملة الجهوزية في أذهان أنصار التفسيرات التآمرية الذين  يتمتّعون بحضورٍ ملحوظ في الجزائر ، كما هو الحال في ميادين أخرى في العالم طبعاً

 ولكن، بما أنّ الحديث هنا عن الجزائر، فإليك أيّها القارئ بعض التنويعات التآمريّة التي أبهرتني عندما أقمت في البلاد أشهراً عديدة قبل نحو  ثلاثة أعوام

من نافل القول إنّ التنويعة اﻷكثر رواجاً هي تلك التي تتعلّق بـ”المؤامرة اليهودية”. وتجدر اﻹشارة إلى أنّها تبدو، في بعض الحالات، أقلّ التنويعات إقناعاً للقائلين بها هم أنفسهم. ولعلّ السائق الذي أقلّني من مطار بومدين الدولي إلى مكان سكني المؤقّت،  لخّص ومن حيث لا يدري، حدود تلك التنويعة التي ستتردّد على مسامعي طوال مدّة إقامتي بالجزائر. فبعد الترحيب باﻵتي من لبنان الشقيق، كان لا بدّ من إدانة “المؤامرة اليهودية” – لم يقل الصهيونية – “المتسبّبة بشقاء كلّ العرب” . ولكن، بعد عشر دقائق تقريباً، انتقل هذا السائق إلى كلام أقلّ تعميماً فحصر نطاقه بليبيا المجاورة  وحمّل مسؤولية حاكمها السابق مستوى التعليم المتدنّي في ذلك البلد. وقبيل إطفاء محرّك السيارّة، عاد إلى التعميم… غير أنّه كان تعميماً من نوع آخر وأسلم، إذ أقرّ، بعد تنهيدة طويلة، بأنّ اﻷنظمة العربية ظالمة وفاسدة.

لن أتوقّف عند تاجر الأدوات المنزلية الكهربائية في حيّ “ميسونييه” بوسط العاصمة، الذي “فسّر” لي بنبرة مضطربة غلاء أسعار بضاعته باﻷصل اليهودي المزعوم لمبتكري اﻷجهزة التي لا يجد، في المقابل ووفق “منطقه”، حرجاً في بيعها. إلاّ أنّني سأخصّص أكثر من سطرين للمرشد السياحي الذي بفضله استطاعت مجموعة اﻷجانب التي كنت ضمنها التوغّل في قسم من حيّ “القصبة” التراثي والرمزي سياسياً إذ كان معقلاً مهمًّا للثوار الجزائريين، لم تنجح السلطات الاستعمارية الفرنسية في السيطرة عليه إلاّ بعد عملية قمعية منهجية وصعبة خلّدها فيلم جيللو بونتيكورفو الواقعي تحت إسم “معركة الجزائر العاصمة”.   

في عرضه العام لتاريخ نواة المدينة هذه، أصرّ المرشد السياحي على الهوية اﻷمازيغية “اﻷساسية” التي ينبغي في نظره أن لا تمحوها الهويّات الفينيقية والبونية والرومانية والوندالية والبيزنطية والعربية والاسبانية  والتركية والفرنسية والتعريبيّة المتعاقبة (والمتداخلة في بعض الحالات). هذا الاصرار الذي تخلّله استطرادٌ تمّ فيه إرجاع فضل “فتح” اﻷندلس لأصول جنود طارق بن زياد اﻷمازيغية، لم يُزعج أعضاء المجموعة الفرنسيين بقدر ما أزعجهم اختزال العوامل التي أدّت إلى احتلال فرنسا الجزائر عام 1830 في “مؤامرة حاكها اليهوديان بوشناق وبكري” ..

فلمّا كان غرض المرشد الضمني، عبر مرويّته هذه، التقريب بين الفرنسيين والجزائريين اليوم على حساب اليهود الذين “فرّقوا تاريخيًّا” بين الشعبين، حلّ تعاطفٌ مبدئيٌّ بين أعضاء المجموعة الفرنسيين واليهوديَين المذكورَين… على حساب المرشد. وقد فقد اﻷخير صدقيّته منذ تلك اللحظة إذ لم يعد أحد من فرنسيي الوفد يصغي إلى ما تبقّى من كلامه

طبعاً لم يكن المطلوب من المرشد عدم التطرّق البتّة إلى قضية بوشناق وبكري في سياق الحديث عن احتلال فرنسا البلاد. فلا يمكن عدم ذكر هذين التاجرين ذَوَي اﻷصول التوسكانية  واللذين كانا ناشطيَن في أواخر القرن الثامن عشر والثلث اﻷوّل من القرن الذي تلاه في مجال التجارة الخارجية لإيالة الجزائر العثمانية.

و لا يجوز تغييب ربطهما تسديد دينهما لـ”الداي”، أي للوالي، بتسديد دين الحكومة الفرنسية لهما. كما لا يجوز عدم اﻹقرار بأنّ التسوية المعقّدة بين هذين التاجرين والدولة الفرنسية جرت على حساب “الداي” الذي عبّر أمام القنصل الفرنسي عن انزعاجه من بقاء مراسلاته بلا جواب من قبل سلطات بلاده. و أخيراً، لا بدّ من اﻹقرار بعلاقةٍ ما بين الضربات الثلاث الشهيرة التي وجّهها “الداي”، عن طريق مِِذَبَّتِهِ، للقنصل المتعجرف من جهة،  وقضية بوشناق وبكري من جهة أخرى.

إلاّ أنّ كلّ هذه المعطيات، وبخاصّة المعطى اﻷخير، لا ترفع تلك القضيّة إلى مرتبة “السبب” إنّما تُبقيها في مرتبة “الذريعة” . فخلف ذريعة “ضربات المِذَبَّة” الناتجة على نحوٍ غير مباشر عن قضية بوشناق وبكري، فات المرشد أنّ احتلال فرنسا الجزائر حصل لأسباب أكثر عمومية وأسهل بالتالي للتفسير و للفهم. ومن بينها ما يتعلّق بموازين القوى الدولية كالتنافس مع بريطانيا في المتوسّط، وما يرتبط بحسابات التوظيف الداخلي للحرب وللاحتلال كتحوير اﻷنظار عن المعارضة السياسية أو كترحيل من هم مشاريع عمّال متمرّدين استحالوا بالجزائر فلاّحين لا بل ملاّكاً فساهموا مبدئيًّا في التخفيف من أزمة اقتصاد بلدهم اﻷمّ. هذا فضلاً عن تشجيع بعضهم في سنوات الاستعمار اﻷولى على الانتقام الديني-الحضاري للملك لويس التاسع، قائد الحملة الصليبية الثامنة قبل حوالي ستة قرون  والذي هُزِمَ على أبواب تونس المجاورة..

هذا البعد المسيحي الذي لم يختف طوال حقبة الاستعمار،  وحتّى بعد استقرار النظام الجمهوري العلماني في فرنسا ابتداءً من الربع اﻷخير من القرن التاسع عشر، عاد بعد ثلاثة عقود على استقلال الجزائر ليحتلّ لوهلة صدارة المشهد السياسي والاعلامي ولكن بمعنىً مغاير تماماً، إذ تجسّد في رهبان دير “تيبحرين” ضمن سياق “العشرية السوداء”..

فبعد سنوات على دخول البلاد مرحلة صراع داخلي مسلّح لا يزال المحلّلون السياسيّون ينقسمون في تحديد عامله المُفَجِّر بين من يُرْجِعه إلى تعليق الجيش الجزائري مسار الانتخابات التشريعية أواخر العام 1991 نظراً لتقدّم “الجبهة الاسلامية للانقاذ” الواضح في الدور اﻷوّل،  ومن يُرْجِعه إلى لجوء بعض الاسلاميين إلى السلاح بعد أشهر من هذا التعليق الاعتباطي، سطع حدثٌ أعاد الحديث عن فرنسا، ألا وهو اختطاف سبع رهبان من دير سيّدة اﻷطلس ببلدة تيبحرين في ولاية المديّة ثمّ الاعلان عن العثور على رؤوسهم المقطوعة بعد حوالي الشهرين

إنّ تصميم  الرهبان على البقاء  في أحد أكثر المناطق عرضةً لنيران الحرب ونجاحهم في تمتين العلاقة مع أهالي البلدات والقرى المجاورة، وهو أمرٌ بدا واضحاً في فيلم كزافييه بوفوا “بشر وآلهة”، جعل منهم شهوداً على الفظاعات التي لم تُرْتَكب من طرف بعض الاسلاميين فقط، إنّما من قبل بعض أفراد الجيش أيضا. والحيثيّة اﻷخيرة أزعجت المؤسسة العسكرية التي تميل أكثر الفرضيّات رجحاناً إلى تحميلها المسؤولية الرئيسية في تلك القضيّة في حين تتحمّل «  الجماعة الاسلامية المسلحة » مسؤولية فرعية.

ويزيد من رجحان تلك الفرضية العقبات العديدة التي وضعتها السلطات الجزائرية بشكل منهجي على فريق التحقيق الفرنسي. ولكن، هنا أيضاً، ستبرز مقاربة تآمرية للموضوع.

إنّ الغمز من قناة التواطؤ بين بعض ضبّاط الجيش و”الجماعة الاسلامية المسلحة” في قضية رهبان “تيبحرين”، هدفه، وفق هذه المقاربة، تحوير اﻷنظار عن دعم السلطات الفرنسية السرّي للإسلاميين بغية إضعاف الدولة الجزائرية المستقلّّة!ة

وقد لا يعلم أنصار تلك التنويعة أنّه تمّ افتضاح حدود الصيغة الرسمية لقضية “تيبحرين” يوم اشترطت إحدى ناشطاتهم “الحقوقية”، ضمن إطار سجال تلفزيوني، ردّ جماجم الرهبان إلى السلطات الفرنسية بردّ السلطات الفرنسية جماجم مقاومي قْصَرْ الزعاطْشة( وهو اسم واحة محصّنة كانت قبل تدميرها وإبادة مئات المدافعين عنها عام 1849 ،تقع جنوب بلدة “بِسْكْرة” في شرق البلاد). فإلى جانب عدم توافر معايير جدّيّة للمقارنة – لم يحمل رهبان “تيبحرين” السلاح خلافاً لمقاومي الزعاطْشة مثلاً – بدت  تلك الناشطة وكأنّها تقرّ، عبر الموازاة التي أقامتها، بمسؤوليةٍ ما للدولة الجزائرية عن خطف الرهبان السبع وعن مقتلهم !

وتنويعة المؤامرات التي تحيكها فرنسا، البلد الذي لا تزال علاقة الجزائر به تعتريها مفارقاتٌ  وازدواجياتٌ كنتُ قد أتيتُ على ذكرها في مقالين سابقين، تجلّت أيضاً في النقاش الحادّ الذي دار قبل ثلاثة أعوام حول مشاريع وزيرة التربية، نورية بن غبريط، الهادفة، من بين جملة إجراءات أخرى، إلى زيادة عدد ساعات تدريس اللغة الفرنسية في المدرسة وإلى جعلها مادّة إجبارية في بعض مباريات الوظيفة العامة وإلى تدريس العلوم بتلك اللغة ابتداءً من المرحلة الثانوية، وذلك لتسهيل الانتقال إلى المرحلة الجامعية حيث لا مفرّ من الفرنسيّة في كليّات عديدة كالعلوم والطب والهندسة.

رأى المعترضون على مشاريع تلك الوزيرة أنّها وقعت في فخّ نصبته لها نظيرتها الفرنسية آنذاك عبر جرّها لإبرام شراكة معها. وأن تكون تلك النظيرة، واسمها نجاة فالو بلقاسم، من أصل مغاربي، يزيد من فداحة اﻷمر في نظرهم، إذ إنّ التآمر الفرنسي نابعٌ هذه المرّة من “خائنة” . غير أنّ اللافت في هؤلاء المعترضين، سواء أ كانوا كوادر في أحزاب المعارضة  وعلى رأسها (في هذا السياق) “حركة مجتمع السلم” الاسلامية أو في بعض أحزاب الموالاة، هو تحذيرهم من “مخاطر فَرْنَسَة المدرسة الجزائرية”، وتجاهلهم في الوقت نفسه فَرْنَسة الواقع اليومي ، أقلّه على المستوى اللغوي وأقلّه في المدن الكبرى.

في مجال النظرة إلى المدرسة كحَرَمٍ ينبغي عزله عن محيطه الاجتماعي، يبدو أنّ الصيت لفرنسا والفعل للجزائر، حتى ولو اختلفت مضامين التحريم. فأنّ يُفْرِط شاب جزائري في اعتماد الفرنسيّة عند التخاطب مع أهله في المنزل ومع رفاقه في الشارع ،أمرٌ عادي. أمّا أنّ تُمَسّ العربيّة في المدرسة ويُعاد النظر في تعليم مصطلحات مادة الرياضيات بلغة الضاد مثلاً، فهذا مسٌّ بشكل من أشكال الدين المدني، إذ تستحيل العربيّة في المدرسة لغة طقسية، معزولة عن الواقع، وبالتالي مقدّسة ..

وفي غضون السجال الداخلي حول مشاريع الوزيرة بن غبريط، قام مانويل فالس،  رئيس الوزراء الفرنسي آنذاك، بزيارة الجزائر. ولئن كان هدف تلك الزيارة الرئيسي مناقشة توقيع عقود في مجال الاقتصاد، فإنّ ما ميّزها هو إرسال المسؤول الفرنسي أثناء لقائه الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة تغريدة تويترية تضمّنت صورة للأخير لخّصت وضعه الصحّي الشديد الحرج.  رأى بعض المعلّقين المحليين في تلك التغريدة وقفة تضامنيّة (ولو غير لائقة) لفالس مع بعض صحافيي بلاده الذين لم تمنحهم السلطات الجزائرية تأشيرات دخول، ﻷسباب عديدة نذكر منها إبرازهم حجم انخراط بعض المسؤولين الجزائريين في فضيحة “وثائق بَنَما” التي كانت قد خرجت لتوّها إلى العلن، أو تناول هؤلاء الصحافيين الساخر للأساليب المعتمَدة من قِبَل اﻹعلام المرئي الرسمي الجزائري للتخفيف من حدّة عجز بوتفليقة عن حكم البلاد. إلاّ أنّ ثمّة من شرع يتحدّث عن مؤامرة فرنسيّة كبرى. وتوسعّت المخيّلات في تناول هذا الموضوع إلى حدّ دفع أحد الاعلاميين الجزائريين إلى القيام، مباشرةً على الهواء في إطار برنامج على إحدى القنوات الخاصة، بتعليق ساخر مفاده أنّ المؤامرة الفعلية تكون لو طلب فالس من أحد مستشاريه التقنيين ابتكار خدعة تُظهر بوتفليقة في وضعية أكثر ديناميكية من تلك التي في صورة التغريدة..

والمؤامرات لا تُحاك بفرنسا فقط. ففي موضوع فضيحة “وثائق بَنَما” الذي بدا أنّ أبرز المعنيين الجزائريين فيها كوادر في ثاني أكبر أحزاب الموالاة، أي حزب “التجمع الوطني الديموقراطي”، غالباً ما وُجِّهَت أصابع الاتّهام إلى “اللوبيات الغربية”؛ هكذا بالمطلق ومن دون تخصيص. وإذا كان مُستَغرَباً في المبدأ أن تُعتَمَد لغة خشبيّة كهذه من قِبَل حزب يُعتبَر المنبر السياسي لمصالح عدد مهمّ من رجال اﻷعمال المُفتَرَض أن تؤثّر ليبراليتهم الاقتصادية على موقفهم السياسي، فإنّ اﻷمر عاديٌّ جدًّا عندما تصدر تلك اللغة عن تنظيمات صغيرة تنتمي إيديولوجياً إلى يسارٍ متطرّفٍ ظننتُه قبل مجيئي إلى الجزائر مُنقرضاً في هذا البلد

إلاّ أنّ البُعد الفولكلوري لتلك الحُزَيْبات التي تناولت إحدى صحفها مثلاً، في صيف عام2015  ،”التداعيات على الصعيد العالمي لانتصار الثورة المضادة في الاتحاد السوفياتي” (كذا !)، يجب ألاّ  يُغَيِّب بُعداً وظيفياً يُفيد الحكم إذ إنّها،في المواضيع الجدّيّة الداخلية كتقييم مرحلة العشرية السوداء، تدافع بقوّة عن الجيش وتهاجم، بقوّة أكبر، الحركات الاشتراكية الديموقراطية الغربية ﻷنّها تبنّت ،في هذا السياق، مقولة ”   لا نعرف من يقتل من” التي أطلقها اليسار الاصلاحي الفرنسي لوصف غموض الوضع الجزائري حينها..

وأبعد من اليهود وفرنسا والغرب، يشمل الحذر أحياناً اﻷجانب جميعهم. ففي إطار النقاش في مشاريع تنويع الاقتصاد والبحث عن موارد بديلة عن النفط الناضب لا محالة على المدى المتوسّط إن لم يكن القريب، لا يطيب ﻷكثرية المسؤولين الرسميين تشجيع القطاع السياحي القاحل، على الرغم من جمال هذا البلد الشاسع والمتنوّع بسواحله وجباله وسهوله وصحرائه الكبرى. فماذا لو اندسّ بين السيّاح… مبشّرين أو عبدة شياطين أو جواسيس؟

لا بدّ للقارئ أن يعلم أنّ كاتب هذه السطور لم يسْلَم من” تُهَمٍ” كهذه وُجِّهَت إليه بأشكالٍ شتّى، ضمنيّة ومُوارِبة وصريحة. لن أتوقّف عند الشكل الضمني الذي غالباً ما تجسّد في نظرات تشكيكيّة ألقاها عليّ عددٌ لا بأس به من الذين كانوا يستغربون اهتمامي بتاريخ الجزائر السياسي ولا يَدَعون أي مجال لفهمه من باب الفضول. لكنني سأذكر الشكلين المتبقييّن، أي المُوارِب والصريح، وذلك عبر

ثلاث حالات محدّدة.

بفضل مجموعة شبابية جزائرية بادرَت إلى تنظيم رحلات ذات طابع ثقافي، مُعَوِّضةً بذلك شبه  غياب الاهتمام الرسمي بالسياحة، تمكنّتُ من زيارة مناطق مختلفة من الجزائر. ولكن، ابتداءً من الرحلة الثالثة أو الرابعة، بدأ أبرز مسؤولي المجموعة يُفهمُني تدريجيًّا أنّ اﻷولوية هي لتشجيع المواطنين الجزائريين قبل سواهم على اكتشاف ربوع البلاد. وفي آخر رحلة شاركت فيها ، طرح عليّ السؤال الآتي :  “أنت قلت لي سابقاً أنّك وضعت بحثاً عن اليزيدية، فهل صحيح ما يقال عن أنّ أتباعها من عبدة الشيطان؟” . في الحقيقة، أنا لم أحدّثه قط عن موضوع أبحاثي السابقة لكنني لم أعلّق على هذه الجزئية واكتفيتُ بالردّ : ” بالفعل، يُقال الكثير من الترّهات عن اليزيدية غير أنني لم أبحث في موضوعها، إنّما في موضوع الزيدية و اﻷمر مختلف تماماً وعلى أكثر من صعيد” . عندها، احمرّ وجه كبير المسؤولين هذا وكأنّه بذلك يعترف : «  أجل، أجريتُ البحث بصددك عبر محرّك غوغل بشكل متسرّع جدًّا. كان ينبغي أنّ أكون أكثر انتباهاً وأقل تشكيكًا في حسن نواياك” ..

والتشكيك لم يصدر فقط عن أشخاص ربطتني بهم معرفة عادية، إنّما أيضاً عن من كنت أظنّهم أصدقاء فعليين. ولكم كان معبّراً، في مساء اليوم اﻷخير من إقامتي بالجزائر، أن يقوم أحدهم، وهو الذي متّن الشغف المشترك بالموسيقى الكلاسيكية الغربية علاقتي به، بالافصاح عمّا يلي : « ما سوف أقوله لك لا يعبّر عن وجهة نظري. ولكنني عندما حدّثتُ أحد أصدقائي عنك، نصحني أن أحترس. فاهتمامك بتاريخ البلاد وجغرافيّتها ومتابعتك للشأن السياسي الداخلي، فضلاً عن تدبيرك الحال نوعاً ما في التعاطي باللغة الدارجة، كلّها مؤشرات جدّيّة على أنّك قد تكون جاسوساً”..

لم أتمالك من الضحك طبعاً وعندما أبديت حشريّتي بمعرفة تفاصيل أكثر عن هذا الشخص، ارتبك صديقي وفقد لسانه، ممّا يخوّلني افتراض اختراعه تلك القصّة لتوجيه الرسالة على نحوٍ ملتوٍ، وذلك بغية عدم خسارة صداقتي له بشكل نهائي

مهما يكن من أمر هذا الافتراض (وهو افتراضٌ لا أكثر)،فالرسالة إيّاها كانت قد وُجِّهت إليّ، ولكن على نحوٍ مباشر وفظّ، من قِبَل امرأة تعرّفتُ عليها في إطار رحلة  إلى خراج بلدة “ثنية الحدّ ” حيث تقع غابة باهرة من شجر اﻷرز لعلّها أكثر جمالاً من نظيراتها في لبنان. في تلك الغابة إذاً، قطعنا سويًّا عدّة كيلومترات ونحن نتبادل انطباعَيْنا العامَّيْن عن الحياة الاجتماعية في كلٍّ من الجزائر ولبنان الذي سبق أن زارته عدّة مرّات.   وتُرجِمَت الكيمياء التي حلَّت بيننا بعرضها عليَّ، عند انتهاء النزهة،العودة إلى العاصمة بسيارة أحد أصدقائها المشارك بالرحلة. ومن المقعد الخلفي،علّقتُ بقدرٍ من الإسهاب على أسماء بعض البلدات التي مررنا بجانبها والتي كانت قد وردت في قراءاتي عن مرحلة حرب الاستقلال . وعند التعليق الخامس أو السادس، التفتت تلك الامرأة فجأةً ووجهّت أصبع المشيرة نحوي  قبل أن تصرخ : «  أنت جاسوس وعميل ! »..

وهنا أيضاً ضحكتُ ثم أيقنتُ أنّ الكيمياء التيّ حلّت بيننا قُبَيْل العصر ما لبثت أن تبخّرت بُعَيْد المغرب وإلى غير رجعة…

إنّ ما سبق يشكّل غيضاً من فيض ما يمكن وصفه بذُهانٍ هذياني حاضرٌ بقوّة في مجتمعٍ يتفّق باحثون  كثر، وفي مقدّمتهم المؤرّخ القدير والمناضل الحقيقي محمّد حربي،على تميّزه عموماً بالعسّ المتبادَل بين أفراد كثر. يظهر هؤلاء إذ ذاك في فِصامٍ مع واقع السجالات السياسية والتأريخيّة الفعليّة  التي تنضح بها صحفٌ و مجلّات ومحطّات وَمواقع الكترونية جميعها محليّ . فيبدون كأنّهم يعيشون في جزائر لا تزال ترزح تحت حكم الحزب الواحد حيث غالباً ما كان الكلام في السياسة وفي التاريخ يُعَدُّ نفاذاً إلى أسرار الدولة. ولمّا كان النافذ أجنبيًّا، استحال بالتالي جاسوساً ..

قبل سنتين، دخلتُ ملاك جامعة باريسية يحمل القسم الذي أُدرِّس في إطاره إسم “الدراسات العربية والعبرية”. عربية وعبرية ! في فرنسا ! وكأني بامرأة “ثنية الحدّ” تصرخ في وجهي مجدّداً : إن لم تكن عميلاً مزدوجاً فأنت بالتأكيد عميلٌ مضاعَف !..

 

إقرأ أيضاً:

 مُفارقات الجزائر في مشاهد عمرانيّة لوسط العاصمة

 ازدواجيات الجزائر من خلال تجربة شخصية مع نساء غير محجّبات

إقرأ أيضاً