تقاطعات “طرق الرب”: مراجعة لرواية شادي لويس عن أقباط مصر

لم يكن شريف مضطراً لزيارة الكنيسة القبطية الارثوذكسية التي تجاور منزله في أحد أحياء القاهرة المزدحمة، وحسب، بل أجبر أيضاً على الانضمام إلى أيديولوجيات سياسية واقتصادية لا يكترث بها. بطل رواية "طرق الرب" لا يكترث بأي شيء.

لم يكن شريف مضطراً لزيارة الكنيسة القبطية الارثوذكسية التي تجاور منزله في أحد أحياء القاهرة المزدحمة، وحسب، بل أجبر أيضاً على الانضمام إلى أيديولوجيات سياسية واقتصادية لا يكترث بها. بطل رواية “طرق الرب” لا يكترث بأي شيء. لا تربطه أي صلة بالله ، ولكنه لا يعتبر نفسه ملحداً أو علمانياً. ناقم على المجتمع والسلطة، ولكنه غير مسيس، ليست لديه أي أفكار ثورية للتغيير أو الانقلاب ممله وهدوئه، وبلادة بلاده وركودها. ما يحرك بطلنا “الموظف”، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان سلبية تدل على تدهور الأحوال المعيشية في مصر، هي علاقاته اليومية. حبيبته الالمانية، أصدقاؤه المسلمون، وأهل بيته المؤمنون منهم وغير المؤمنين-  تلك العلاقات تدفعه للانضمام إلى “طرق الرب” تارة، والانحراف عنها وعدم الاهتمام بها تارة أخرى.  

شادي لويس

سكة الكنيسة

“السكة من البيت لكنيستي حبيتها وحافظ خطاويها، بمشيها يا يسوع وانا جايلك، والشوق يسبقني ليها”، هذه الكلمات، هي لترتيلة مشهورة في الأوساط القبطية، بخاصة ما يسمى خدمة مدارس الأحد، التي يتلقى فيها الأقباط تعاليم دينهم منذ الصغر. كلمات بعيدة كل البعد من طفولة شريف وذاكرته. هي أيضاً بعيدة من الذاكرة الجمعية لجزء من عائلة شريف، التي لها تاريخ عدائي مع رجال الدين الأقباط الارثوذكس. لا يعرف شريف “السكة” من البيت لكنيسته على الإطلاق. عند وصوله إلى أسوار الكنيسة العالية، أعاد شريف “قراءة اليافطة مرتين أو ثلاث… ابتغى التأكد من الوصول إلى المكان الصحيح، أو ربما لم يكن الأمر سوى محاولة… للتظاهر بالهدوء”، بخاصة أنها المرة الأولى التي يزور فيها شريف الكنيسة، التي طالما ما تحاشى المرور بالقرب منه. زيارة شريف ما يعتبره مبنى عادياً، ليست نابعة من رغبته الشخصية في تشكيل ذاكرة جديدة تضم يسوع والأب انطونيوس-“ابونا”- راعي الكنيسة. هي في الحقيقة رغبة الدولة المصرية الخالية من الزواج المدني، رغبة القانون الذي يجبر الأقباط على الحصول على ما يسمى “شهادة خلو الموانع” من الكنيسة القبطية الارثوذكسية.

أكتب سطور هذا المقال من ألمانيا. البلد البارد المظلم، الذي قد يصيبك بالاكتئاب والتعب النفسي والضعف الجسدي، إذا كنت من محبي الشمس المصرية الأصيلة مثلي. هي نفسها، التي كان يرغب شريف في السفر إليها، بعد إتمام زواجه من “إستر” الألمانية الجنسية. كانا يعيشان معاً من دون زواج كنسي بالتأكيد. يحبان بعضهما بعضاً، بعيدا من التقاليد المسيحية. لم يرد شريف الزواج من إستر من طريق الدولة، وبالتالي الكنيسة، إلا عندما واجهته مشكلة كبيرة أوقفته عن العمل، فتدهورت أحواله الاقتصادية. تعمل إستر في حقوق الإنسان في القاهرة، وتؤمن بها وأهميتها. ولكن، وبعد تعرضها انتهاكات وتهديدات هي الأخرى، في البلد تحبه أكثر من المانيا وعاصمتها حيث يسكن والدها، بدت لي أنها كرهت هذا الإيمان- الإيمان بكل ما هو مصري حتى شريف شخصياً. لم تكرهه، ولكنها لم تعد تحبه. وافقت على الزواج منه حتى يسافرا ويعيشا في برلين، ليحافظا على ما تبقى لهما من ذكريات جميلة جمعت بينهما يوماً ما.         

الرقص على السلم

في إحدى جلسات شريف مع “الأبونا”، والتي استمرت أسابيع، لإقناع الأخير، بالحصول على شهادة “خلو الموانع”، كان على شريف إقناع الأبونا بإستر نفسها، بشخصيتها وإنسانيتها، التي قد تفوق في بعض الأحيان، من لهم إيمان بدين وبالله. مهمة صعبة على شريف، لكنه، ولأسباب قانونية، كان عليه أن يربط علاقته الرومانسية بالأبونا والكنيسة. في الواقع، هي ليست مهمة شريف وحده، هي مهمة كل قبطي، لا يريد أن يكون له ارتباط بالكنيسة. أن تكون قبطياً يعني أن تكون ليس مؤمناً وحسب، بل أيضاً أن يكون إيمانك هذا تحت سلطة الكنيسة ومبانيها ورجالها. كان على شريف أن يقنع الأبونا بالتخلي ولو قليلًا عن مهنته، وهي الإشراف على علاقة الناس بالله ومراقبتها: “إستر، يا أبونا، ليست واحدة من الخواجات الذين تتخيلهم، أو كنت أتخيلهم أنا في الماضي. فكل تلك الموروثات الثقيلة التي حملتها معها، وتلك التي لملمتها من طفولتها دفعتها للخوف من براءة تصديق كل شيء، وخصوصاً تلك الأشياء التي يؤمن بها الناس الآخرون. فهي رأت بعينيها وسمعت من غيرها، كيف للإيمان أن يكون خطيراً، وقاسياً، إن اعتنقه كثيرون، وبخاصة حين يحاولون إرغام غيرهم عليه”.

لم يسافر شريف إلى ألمانيا بسبب مشكلة عمله، التي سجنته لمدة عام كامل، واضطرت إستر للسفر من دونه. يسافر كثر من الأقباط إلى المانيا وإلى غيرها من البلدان في مختلف القارات. عندما يقرر أي قبطي الهجرة  للعمل أو للدراسة، غالباً ما يُسأل: “في كنيسة قريبة من المدينة اللي انت عايش فيها؟”، الـ”نعم” هنا تعتبر ضمانة للكنيسة القبطية الأم في مصر بأن أبناءها وبناتها لن ينحرفوا عن طريق الرب، الذي رسمه لهم. الانحراف لا يعني فقط البعد من الكنيسة عموماً، بل أيضاً البعد من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية خصوصاً. خوف الأخيرة يكون حتى من جيرانها، من الطوائف الأخرى- الكاثوليكية والبروتستانتية- التي يعتبرها الكثير من الأقباط الأرثوذكس “انحرافات” و”خرافات”، أتت مع الإرساليات الأجنبية إلى مصر منتصف القرن التاسع عشر. الحقيقة أن من يدعي هذا الأمر، عليه النظر لعائلة شريف، التي تاريخها ما هو إلا خليط من كل الطوائف وكل الكنائس. فالست مرية، والدة شريف، “تحتفظ… في صالة البيت، بصورة للبابا شنودة وبجانبها تماماً صورة للبابا يوحنا بولس، تتابرك بهما أحيانا معاً، أو بواحدة منهما بحسب المناسبة. لديها أيضاً، نسخة كاثوليكية للكتاب المقدس، مطبوعة في بيروت… وبجانبها يرقد كتاب الأجبية الأرثوذكسي”. تحتفل الست مرية بعيد الميلاد مرتين، الكاثوليكي في كانون الأول/ ديسمبر والأرثوذكسي في كانون الثاني/ يناير. كما تقول، “إحنا لا كده ولا كده، عملنا زي اللي رقصوا على السلم”.

خارج طرق الرب

لن يرقص شريف مرة أخرى على السلم. انتهت قصته ورواية شادي لويس، ليس بثورته على الكنيسة ورفضه تدخلها في حياته، وفي علاقته بيسوع. لم يثر شريف ولن يفعل. تزوج شريف زواجاً كنسياً بواحدة أخرى غير إستر. أنجب ابناً سماه هاني. أصبحت قصة شريف مثالية في عيون الكنيسة، كأنه يقول للأب أنطونيوس إن علاقاته وحياته انتهت، كما هو عنوان رواية شكسبير، “كما تحبها يا أبونا أن تكون”. انقطعت علاقة شريف بأصدقائه المسلمين الثوريين واليساريين الذي اتهمه الأبونا مرة بأنه “شيوعي”. مثلهم. انتهت علاقته باستر وبقية الأجانب الذين يعرفهم، أي كل ما هو ومن هم خارج مجتمع الكنيسة القبطية الأرثوكسية وخدمتها. أصبح هو نفسه خادماً يعمل بمرتب في الكنيسة، يحكي قصته لكل من يمر بجانبه. يحكي- أو بالأحرى يُفهم من حكيه، “أنه لولا كل هذا”، لولا ظروف عمله وسجنه، “لما رجع إلى أحضان الكنيسة، فطرق الرب عجيبة وعصية على الفهم… وكان من حوله يهزون رؤوسهم، منقسمين بين الشفقة والإعجاب، وهم يرددون: “ما أعجب طرقك يا رب”.       

 

يفتح شادي لويس باباً مهماً لدراسة الأقباط الذين يقبعون خارج الكنيسة، الذين لا يعرفون “سكتها”

 

في تشرين الثاني/ نوفمبر 1958، كتبت جريدة الأهرام عن مجرم قبطي تائب. مجدي يسى سارق وقاتل. قرر أن يتوب، وأن يقابل أب اعترافه الأرثوذكسي، يحكي له عن أفعاله وماضيه. ذهب مجدي إلى الشرطة بعد ذلك، سلم نفسه وعصابته، قبل أن يحكم عليه بالإعدام. مثل شريف، علاقة مجدي “بطرق الرب” عجيبة، فهو عاد إلى أحضان المسيح من طريق حجرة الإعدام، التي كما تقول الأهرام، دخلها مجدي، وهو يبتسم، فهو يعلم أن سيذهب بعد لحظات لتعطيه الكنيسة لقب “سارق الملكوت”. يفتح شادي لويس باباً مهماً لدراسة الأقباط الذين يقبعون خارج الكنيسة، الذين لا يعرفون “سكتها”. في مقال سابق في “درج”، كتبت عن قصة قبطي فقير خرج عن طريق الرب والكنيسة لينضم إلى عالم القهوة. كان هذا قبل أن يُسجن بسبب اتهامه في قضية سرقة لاحتياجاته المادية. في نهاية المقال، ذكرت أن صديقنا سيخرج عام 2021، “من السجن بعد نحو ثلاث سنوات، وهي مدة العقوبة التي نالها… قد يرجع بعد هذه المدة إلى أحضان الكنيسة كلياً، ويصبح مؤهلاً للدخول في جماعة المؤمنين… وقد يبقى “مجرماً ثائراً” على وضعه المادي والاجتماعي، يحلم أحلاماً أكبر وأوسع من خيالات رجال الدين الذين يدعون تمثيله أمام الدولة. فيذهب إلى القهوة لإعادة اكتشاف علاقات جديدة ومختلفة… ومن المحتمل أن يعود إلى السجن أيضاً، لتبدأ الدائرة المفرغة إعادة نفسها بين السجن، والقهوة، والكنيسة، وربما أماكن أخرى ترتكز على خدمات وحقوق، ذات هويات وعناوين وسلطات مختلفة”.

لا تنتهي كل قصص الأقباط- رجال ونساء- نهاية مجدي وشريف. أحياناً تنتهي خارج عجائب “طرق الرب”. أحياناً تنتهي خارج سلطة الكنيسة والدولة وتحالفهما سوياً. وجيه غالي، روائي قبطي شيوعي، من عائلة غنية ولكنه افتقر، لم يعرف الفرق بين القبطية الأرثوكسية والكاثوليكية طوال حياته. لم يزر كنيسة إلا على سبيل المصادفة، عندما زار القدس عقب نكسة 1967. طاردته واتهمته السلطات المصرية بالخيانة لمصلحة إسرائيل، اضطر للسفر إلى ألمانيا ثم إلى بريطانيا. اتهمه بعض الأقباط بالمرض النفسي، الذي أصابه بسبب طفولته المشوهة. كان وجيه كثير العلاقات الغرامية، دائماً ما كان تحت تأثير الخمور. دائماً ما يكتب في مذكراته عن اكتئابه وعدميته. في كانون الأول 1968، ابتلع غالي حبوباً مخدرة بكمية كبيرة، وبعدها كتب وأنهى آخر سطور حياته، وهو بعيد تماماً من أي ملمح من ملامح “طرق الرب”: “سأقتل نفسي الليلة، لقد حان الوقت، أنا مخمور بطبيعة الحال، وإن كان ذلك صعباً جداً جداً في غير الثمالة… ولكن هل بيدي شيء آخر لأفعله يا أعزائي؟ يا أحبتي؟ لا شيء في الحقيقة. لا شيء. واللحظة الأكثر درامية في حياتي – اللحظة الوحيدة الأصيلة- هي خذلان مريع. لقد ابتلعت موتي بالفعل، يمكنني تقيؤه لو أردت، وبأمانة وإخلاص لا أريد ذلك، إنها لمتعة، أنا لا أفعل ذلك في حزن ومن دون سعادة، ولكن على النقيض، أفعل ذلك في سعادة، بل وفي (حالة وجودية وكلمة أحببتها دائماً) طمأنينة… طمأنينة”.

“أين ذهبت شادية”؟ : قصة أخرى عن المكان المسيحي الغائب في مصر

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

زينب المشاط – صحافية عراقية
تصريحات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودعوته إلى استمرار الاحتجاج السلمي، وموقف أتباعه عبر استخدامهم كدروع بشرية لحماية المتظاهرين السلميين، جعل الصدر وجماعته مستهدفين من الجهات التي تريد إنهاء الاحتجاجات..
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
مما لا شك فيه أن نفوذ المؤسسات الرعائية، بات أكبر من أي سلطة مدنية لأنها تلطت خلف حمايات إلهية، لا تسمح بالمساءلة والمحاسبة. يحصل كل هذا والأطفال المعنفين شواهد على سطوة الطوائف وتسلطها.
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
لم يسبق أن تعاملت الجيوش الإلكترونية والواقعية والشخصيات المحسوبة على “حزب الله” مع خصومها، كما تتعامل مع ديما صادق، في حملة مستمرة لا تتوقف.
ميزر كمال- صحافي عراقي
ليلة حزينة وعنيفة عاشتها العاصمة العراقية بغداد، بعد غزوة الميليشيات المسلحة التابعة للأحزاب الإسلامية الموالية لإيران، وتنفيذها مقتلة مروعة في ساحة الخلاني وجسر السنك
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
غزوة الأمس أسفرت بحسب “رويترز” عن 19 قتيلاً وعشرات الجرحى من بين المتظاهرين. ومئات الفيديوات تفضح المهاجمين.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
بدا المشهد مصارحة واضحة وتعبيراً لا لبس فيه عن فساد السلطة وتخاذل أهلها. فالسيول، بما فيها من زجاجات فارغة وقشور برتقال وجيف حيوانات، جرفت السيارات واقتلعت الأشجار على طريق الدامور- الجية.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email