fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

درج

مقالات الكاتب

تفشٍ وبائي للتحرش الجنسي في أميركا

جيليان وايت محررة في مجلة أتلانتيك
فضيحة هارفي وينشتاين، التي هزت هوليوود، انتشرت الآن لتَعُم جميع أنحاء عالم الأعمال الأمريكية، مخلفةً قائمةً متزايدةً من عمليات التسريح من العمل أو التوقيف، في صفوف الشخصيات رفيعة المستوى.
بدأت المزاعم في هوليوود، ثم انتشرت إلى وادي السيليكون. وبعد ذلك، اجتاحت دوائر الإعلام في مدينة نيويورك. كان انهيار هارفي وينشتاين مجرد بداية. وقد أثارت الاتهامات، ثم التسريح من العمل، الذي طال العديد من الشخصيات القوية الأخرى، نقاشاً عاماً، حول القضية المحرجة، التي نادراً ما كانت تطفو إلى السطح. إلا أن هذه القضية، أثارت، على الأقل في الوقت الحاضر، نوعاً مختلفاً جداً من النقاشات حول الاعتداء الجنسي.
من الصعب اقتفاء أثر وإحصاء كافة الشخصيات البارزة، المتهمة بسوء السلوك الجنسي، في الأشهر الأخيرة، على غرار Bill O’Reilly، Roger Ailes، وHarvey Weinstein. نجم عن موجة الاتهامات، عمليات إنهاء مهام، وإيقاف، وعقوبات مماثلة أخرى، غير أن هذه الإجراءات الأخيرة، لم تقم بما يكفي وما يجب فعله، من أجل التصدي للقضايا الأساسية، التي سمحت لهذه الشخصيات النافذة في السلطة، بالإفلات من عواقب تصرفاتهم المشينة طيلة هذه الفترة. وليس مضموناً أيضاً أن يحقق اهتمام الجمهور بهذه الظاهرة، تغييراً فعلياً في الوضع القائم.
العدد الهائل من الادعاءات البارزة من الوزن الثقيل، الصادرة في الأيام الأخيرة، مثير للدهشة. في يوم الخميس وحده، ذكرت BuzzFeed تعليق عمل سكوت كورتني، نائب الرئيس التنفيذي في الاتحاد الدولي لموظفي الخدمة، الذي كان ساعد في قيادة حملة “الكفاح من أجل 15$”، بعد أن اشتكى موظفون من تعرضهم من قبله لاعتداءاتٍ جنسيةٍ، وتحرشٍ، فضلاً عن ادعاء إقامة سكوت كورتني  علاقات غير لائقة مع المتدربين في المؤسسة.
وفي اليوم نفسه، أعلنت Vox أنها سرحت لوكهارت ستيل، مدير تحرير الشركة، من عمله، بعد أن وُجِهت له اتهامات بالتحرش الجنسي. كما سرحت نيكلوديون Nickelodeon، مدير أحد برامجها، كريس سافينو من عمله، على خلفية اتهاماتٍ مماثلةٍ. وأعلنت VICE أنها لن تعمل بعد الآن مع الكاتب سام كريس، مؤلف كتاب The Atlantic، بعد أن اتهمته امرأة بسوء سلوك جنسي، عن طريق منشور وضعه على فايسبوك.
وقد نشر كريس اعتذاراً عاماً فور الاتهام الموجه إليه. وفي وقتٍ سابقٍ، استقال روي برايس، رئيس استوديوهات الأمازون، بعد أن اتهمته منتجة برامج، بأنه تحرش بها جنسياً. وتقدمت 3 نساء بشكوى، تتهِمن فيها المدون التقني المعروف والمؤلف روبرت سكوبل بالتحرش. وقبل بضعة أسابيع فقط، نشرت مجلة ساينس Science ادعاءات تفيد بأن ديفيد مارشانت، وهو عالم جيولوجي في أنتاركتيكا، قام بالتحرش الجنسي بعدة زميلاتٍ له في العمل.
يأتي هذا التركيز على السلوك المسيء من المسؤولين النافذين، في لحظةٍ مثيرةٍ للاهتمام بالنسبة إلى البلد، أي خلال فترة رئاسة دونالد ترامب. ففي الأسابيع الأخيرة من حملته الرئاسية الصاخبة، تقدمت العديد من النساء بادعاءات تتهم ترامب بتعرضه لهن بإيحاءاتٍ جنسيةٍ غير لائقةٍ.
وقبل سنة تقريباً، كشفت Washington Post عن تسجيلات صوتية يتباهى فيها ترامب،  كيف أنه كان يُقبِل النساء ويلامِسْهن. (يمكن في هذه التسجيلات سماع صوت ترامب يقول “بدأت للتو تقبِيلهن، إنه أمر يشبه أثر المغناطيس، أقبلها فحسب، ولا أنتظر حتى”، و”امسكْ بأعضائهن الجنسية، يمكنك أن تفعل بها أي شيء”).
وبعد أقل من شهر، انتُخِب رئيساً، بفضل أصوات أكثر من نصف النساء البيض اللاتي صوّتْن له.
يمكن القول، بشكل من الأشكال، إن تصفية الحساب الحالية مع السلوك المشين للشخصيات النافذة والناجحة في مسارها المهني، جاءت بسبب، وبالرغم من اختيار الشعب الأمريكي لرئيسهم الحالي. والأمر ليس لأن تعليقات ترامب تضمنت الكلمات الأكثر بذاءة بحق المرأة، لم يسبق لها مثيل على الإطلاق. والمؤكد أيضاً أنه ليس أول رئيس يُتهم بالتحرش الجنسي والسلوك غير الملائم. بالإضافة إلى ذلك، ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن الألفاظ البذيئة التي نطق بها ترامب، هي التي دفعت هذه الشخصيات البارزة في مجال الأعمال، للمشاركة في السلوكيات البذيئة، التي كشفت عنها بالتفصيل الكثير من الاتهامات. ومع ذلك، يكاد يستحيل تحديد الطابع السياقي، الذي يمكن أن يفسر تعاظم موجة الغضب الشعبي العارم، احتجاجاً على الاعتداء الجنسي، من دون النظر إلى المسافة القصيرة، والتوتر الذي لم يحسم إلى حد كبير، بين موقف ترامب، الذي يمكن تلخيصه في عبارته “يمكنك أن تفعل أي شيء” تجاه المرأة، وانتصاره اللاحق على منافسته المرشحة هيلاري كلينتون. إن ما دأب عليه ترامب من تشويه لسمعة النساء خلال حملته الانتخابية، ثم انتخابه رغم ذلك، مهد الطريق لهذه اللحظة المتميزة. وفي ضوء ذلك، فإن الكشف عما تعرضت له الضحايا من الاعتداءات الجنسية، يُعتبر عملاً شجاعاً على المستوى الشخصي، واحتجاجاً على اللحظة السياسية الراهنة. وبالنسبة إلى أولئك الذين يفسرون انتخابات ترامب بمثابة فشل كبير في محاسبة السلوك المتوحش، فإن إدانة وفضح سلوك الشخصيات البارزة والقوية، أولئك الذين يعتقدون أنه “بإمكانهم فعل ما يشاؤون” بحق النساء، هو في الواقع شكل من أشكال تصحيح الوضع المعوج.

الدعوات الجماعية، المطالبة بالتصدي للعنف الجنسي، والتي تمثل نوعاً من الاحتجاج، ليست جديدة بكل تأكيد. لكن الملاحظ، أن هذا الأسلوب في الاحتجاج نما بسرعة، تقريباً فور ظهور أشرطة ترامب، التي تسمى بنقاشات غرفة خلع الملابس.
لجأت الكاتبة Kelly Oxford إلى تويتر في تشرين الأول (أكتوبر) عام 2016، لنشر ومشاركة الجمهور قصة اعتداء جنسي، وشجعت الآخرين على فعل الشيء نفسه، وجاءت النتيجة آلاف الردود، وتحقق أثر مماثل بالنسبة لمتهمي بيل كوسبي، هارفي وينشتاين، ومجموعة من الأشخاص الآخرين.
كانت هذه الموجة من الدعم والتأييد، بمثابة قوة محفزة للمطالبة بعمليات مساءلة سريعة وعامة. وفي هذه الفترة، التي يُنتظر فيها من الشركات أن تتخذ مواقف قوية بشأن القضايا الاجتماعية، وتتجه فيه الحركات مثل #MeToo عبر شبكة الانترنت للتأثر بكل ثقلها، لم يعد أمام الشركات التي يمكن أن تطالها الاتهامات بسوء التصرف، خصوصاً من قبل كبار الشخصيات، أو في مواجهة الجمهور، خيار آخر، سوى التحرك لتصحيح الوضع.
ومع ذلك، ففي اللحظة التي يبدو فيها التركيز منصباً على التضامن مع ضحايا العنف الجنسي، ولاسيما ضد النساء، نشاهد ملامح انقسامات أخرى آخذة في التعاظم، على غرار ما أعربت عنه العديد من الأميركيات من أصول أفريقية، من استيائِهن لعَدم الاعتراف بمساهمتهن في المناقشات. وهناك بالطبع حدود أخرى تحد من زخم هذه اللحظة المتميزة. قد يبرز التخلص من بضعة عناصر فاسدة، كيفية تعامل الشركات والمجتمع الأوسع نطاقاً، مع قضايا الاستغلال الجنسي، غير أن بضع حالات من الطرد من العمل، لن تحل مشاكل تشييء المرأة واللامساواة، التي تترجم نفسها في الثقافة الأمريكية بأشكال خبيثة. الجميع يتحدث عن الاعتداء الجنسي، ثم لا شيء.

هذا المقال مترجم  عن موقع The Atlantic
لقراءة المقال بالإنكليزية على الرابط التالي.

إقرأ أيضاً