تظاهرات بيروت: انتفاضة جيل ما بعد “الانتصارات” 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email
من هم المتظاهرون في لبنان؟ السؤال جعل يُلح على كثيرين عشية يوم الجمعة، أي الليلة التي شرع الشباب والفتية فيها بالتدفق إلى ساحات المدن

من هم المتظاهرون في لبنان؟ السؤال جعل يُلح على كثيرين عشية يوم الجمعة، أي الليلة التي شرع الشباب والفتية فيها بالتدفق إلى ساحات المدن. “هل حزب الله من دفعهم”؟ كثيرون سألوا أنفسهم هذا السؤال ولم يشفهم الجواب الذي جاءهم من ذلك الفتى الذي ظهر في الفيديو وهو يحطم لافتة مكتب رئيس تكتل “حزب الله” النيابي النائب محمد رعد في مدينة النبطية في جنوب لبنان، ولا الهتافات ضد جبران باسيل، حليف الحزب وابنه المدلل، في وسط بيروت!

ألم نطرح السؤال نفسه عندما شرع شباب مصريون بالتظاهر قبل أسابيع قليلة؟ السؤال عن هوية المتظاهرين حضر أيضاً في ذلك الوقت وأجاب النظام بأنهم من الإخوان المسلمين. وفي بغداد أيضاً قال النظام إن السفارة الأميركية وراء المتظاهرين الذين احتشدوا قبل نحو أسبوعين في المدن العراقية! 

للمؤامرة نصابها الدائم في وعينا، وهو نصاب لا يخلو من صواب في الكثير من الأحيان. لكن ما يجمع المتظاهرين الجدد في المدن العربية هو أنهم من خارج اللغة السياسية لمرحلة ما بعد الثورات والحروب الراهنة. ما يجمعهم أنهم “جيل ما بعد انتصارات الأنظمة”. ما بعد الانتصار على “داعش” في العراق، وما بعد الانتصار على الاخوان في مصر، وما بعد “انتصار” حزب الله في لبنان وفي سوريا. هذه “الانتصارات” انتهى مفعولها على ما يبدو. الجميع وجد نفسه أمام سؤال أجيال “ما بعد المقاومة في سوريا”، وما بعد “الحشد الشعبي” في العراق، وما بعد “رابعة” في مصر”، ولا أحد يملك جواباً سوى التمسك بالسلطة، ومواربة الفشل والعجز والفساد.

النظام اللبناني اليوم هو نظام ما بعد “الانتصار” في سوريا. فقد استتب الأمر للحزب، فجاء برئيس للجمهورية هو حليفه المسيحي الرئيسي، وجاء برئيس حكومة يملك تمثيلاً سنياً، إلا أنه ضعيف ويعاني من “عسر بعد يسر”، ولا يقوى على مقاومة أي رغبة للحزب ولحليفه المسيحي.

ثم ماذا؟ كيف لـ”حزب الله” ولحليفه الأكبر ميشال عون، ولشريكه الأصغر سعد الحريري أن يحكموا؟ الحرب كانت مساحة امتصاص للفشل في كل شيء. الحرب كانت تغطي الفساد، وكانت تفسح مجالاً لأشكال أخرى من الانقسامات، لكنها اليوم في مرحلة خمود يكشف استعصاء داخلياً هائلاً. “حزب الله” هو السلطة الفعلية، وهو نجح في تركيب ديكور منطقي يواري فيه حقيقة أنه السلطة. التظاهرات التي شهدتها وتشهدها المناطق في لبنان ليست ضد الحزب، لكنها ضد الواجهة التي صممها الحزب.

 

في لبنان لا يبدو أن ثمة ما يقي السلطة كأس التظاهرات، فهي انطلقت في مناطق تشكل وجدان أحزاب السلطة ومركز عصبياتها، ولا يبدو أن أحداً يملك ناصية التحكم بها.

 

هل يكفي أن ينتصر الحزب في سوريا لتستقيم له السلطة في لبنان؟ لا يبدو أن ذلك ممكناً، لا بل أن الحرب هناك كانت وجهة تصريف لمأزق داخلي استعاض فيه الحزب عن استحقاقات الحكم في لبنان. وفجأة ظهر جيل ما بعد الانقسام الذي فرضته الحرب في سوريا. صور سعد الحريري تم إحراقها في طرابلس (قلعة السنة) والهتافات في وسط بيروت تركزت على جبران باسيل، وفي النبطية أحرقت مكاتب نواب “حزب الله” و”حركة أمل”. التظاهرات ليست ثورة على زعماء الطوائف. التظاهرات هي إعلان فشلهم، وضيق بفسادهم، وأياً كان من “يقف وراءها” فهي تجاوزته في الكشف عما يعتمل في الصدور بعد انقضاء زمن “الانتصارات” وحلول استحقاقات العيش محله.

سعد الحريري ترك آلاف السنة من دون عمل، حصل ذلك بعدما تعرض لتراجيديا الأيام العشرة في السجن السعودي الذي عاد منه وتحول إلى الشريك الأصغر والأضعف في السلطة. جبران باسيل تغول على حصة المسيحيين وحولها إلى حصة لمحازبيه، وهي أصلاً حصة شرعت تضمر ولا تسد رمقاً باستثناء دائرة المحظيين أصحاب الطائرات الخاصة. أما “حزب الله”، فبإضافة إلى أنه محاصر بالعقوبات، فإن الاقتصاد الموازي الذي كان يتفوق فيه على غيره من الجماعات اللبنانية، قد تعطل بفعل شح تدفق الأموال من ايران، ناهيك بأن قدرته على التجنيد للقتال في سوريا قد انخفضت، وكثيرون ممن مزقوا صور نوابه في النبطية هم الأشقاء الأصغر سناً من جيل من استفادوا من معونات القتال هناك.

الجميع وجد عارياً أمام استحقاق السلطة. وهي سلطة معاقبة دولياً وفاسدة داخلياً وضعيفة المناعة حيال مغريات الحكم. وهنا صار من الصعب تفسير التظاهرة أو تبسيط تعريفها. فمن يريد توظيفها من أطراف السلطة ستشطب وجهه، ومن يريد الابتعاد منها ستصل إليه في منزله، وما ينتظره لبنان من احتمالات انهيار مالي سيشحن الشارع أكثر. النفط في العراق قد يعين السلطة هناك على بعض التماسك، والجيش في مصر قد يطيل عمر سلطة ما بعد الاخوان المسلمين. في لبنان لا يبدو أن ثمة ما يقي السلطة كأس التظاهرات، فهي انطلقت في مناطق تشكل وجدان أحزاب السلطة ومركز عصبياتها، ولا يبدو أن أحداً يملك ناصية التحكم بها.

قبل يومين، تحدث جبران باسيل عن “قلب الطاولة” على رؤوس الجميع. الأرجح أن الطاولة ستنقلب على رأسه، إلا إذا قرر سعد الحريري تحمل ثقلها لوحده، واستمراره في حكومة اعتقد أنها ستعوض خسائره في الرياض. 

 

قصص مآسي الكرد من عفرين إلى القامشلي

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

زهير جزائري – كاتب عراقي
نخطو ونحن نحسب خطواتنا بإيقاع نبضنا. لم نكن على قناعة بأن المعركة تستحق كل هذا الدم.
ميريام سويدان – صحافية لبنانية
المزاج السيئ الذي أعانيه في بداية كل شتاء، ليس قدري وحدي
زهير جزائري – كاتب عراقي
صيادو القنابل الغازية يتحركون وسط الساحة بحيوية، كل خبرات كرة القدم في الأزقة الضيقة تستخدم هنا لاعادة الكرة بركلة واحدة إلى مرمى الخصم
ميزر كمال- صحافي عراقي
عشرات الضحايا سقطوا في احتجاجات العراق. هذا التحقيق يوثق كيف تعمدت قوى الأمن العراقي استهداف المحتجين بقنابل الغاز المسيل للدموع …
ماجد كيالي – كاتب فلسطيني
لا يستقيم الحديث عن “مقاومة” لمجرد ادعاء، مع مقاومة كفت عن ذلك منذ نحو عقدين، ولا يستقيم ذلك في حين تستخدم تلك “المقاومة” سلاحها ورصيد القوة لديها ضد الشعوب
دلوفان برواري وفريق “استقصاء الموصل”
“حتى قبل أن يسمعوني قاموا بضربي، وقالوا إني بعثي وداعشي، ورددوا مراراً: تريد أن تتظاهر على من أنقذ شرفك من الدواعش… تريد أن يرجع الدواعش الى الموصل”.