fbpx

هنا القصة الثالثة

إيمان عادل- صحافية مصرية

إيمان عادل- صحافية مصرية

مقالات الكاتب

ترهيب وانقسام وتحرش: “بطولة كأس أمم أفريقيا” أكثر من مناسبة كروية 

تنظيم بطولة كأس أمم أفريقيا لكرة القدم في مصر هذا العام، أكسبها زخماً وجدالاً، أبعد ما يكون من المناقشات الكروية. فمصر التي تستضيف البطولة هذا العام غير مصر التي استضافت البطولة أربع مرات سابقاً في أعوام 1959، 1974، 1986، 2006.

قبل الافتتاح بيومين، انتشرت دعوات إلى الهتاف باسم اللاعب المصري أبو تريكة في الدقيقة 22 من الافتتاح، وهو رقم مكتوب على قميص اللاعب الذي ظلم بسبب مواقفه السياسية، وأُبعد من بلده وصودرت ممتلكاته، لتضامنه مع جماعة الإخوان المسلمين، وبسبب إقامته الحالية في قطر. أبو تريكة كان تعرض لهجوم واسع بسبب تعزيته أسرة الرئيس الراحل محمد مرسي. وبذلك أصبحت دعوة الهتاف لأبو تريكة نوعاً من التضامن معه بعد سلسلة طويلة من الاتهامات بالتخوين، لكن هذه الدعوة أحدثت انقساماً واضحاً، وصل أحياناً إلى اتهام المشاركين في الهتاف بالخيانة وعدم الانتماء.

وعلى رغم الترهيب، عج الملعب بالهتافات، فعلّق أبو تريكة باكياً في الاستوديو التحليلي لقناة bein sport، مشيراً إلى أنه مصري ويحب بلده وجماهير مصر تعي ذلك.

انتشرت دعوات إلى الهتاف باسم اللاعب المصري أبو تريكة في الدقيقة 22 من الافتتاح، وهو رقم مكتوب على قميص اللاعب الذي ظلم بسبب مواقفه السياسية

سبق الهتاف لأبو تريكة، آخر في الدقيقة 20 من مباراة مصر وزمبابوي احتراماً لأرواح ضحايا مجزرة الدفاع الجوي، التي وقعت عام 2015 بين “التراس وايت نايتس” والداخلية في استاد الدفاع الجوي، وأسفرت عن سقوط 20 قتيلاً من المشجعين، خنقاً، بعدما ألقى عليهم عناصر الأمن غازات مسيلة للدموع.

كما غنت الجماهير في الدقيقة 74 لضحايا النادي الأهلي “في الجنة يا شهيد”، للتذكير بمذبحة استاد بورسعيد التي راح ضحيتها 74 مشجعاً، منهم أطفال، والتي انطلق فيها مثيرو الشغب للعراك مع جمهوري الأهلي وألتراس أهلاوي، المعروفين بالهتافات المؤيدة للثورة والمناهضة للأمن. وبعدما أطلق “ألتراس أهلاوي” هتافات ضد الداخلية في المباراة التي تزامنت مع ذكرى موقعة الجمل، أتى رد الأمن قاسياً، بإغلاق أبواب استاد بورسعيد وإطلاق مثيري الشغب.

الهتاف لضحايا النادي الأهلي أعاد للذاكرة مشاهد جسارة ألتراس أهلاوي في أكثر الهتافات ثورية ضد الأمن المصري، أبرزها هتاف الجماهير الشهير “كان دايماً فاشل في الثانوية يادوب جاب 50 في المئة بالرشوة خلاص الباشا اتعلم وخد شهادة بـ100 كلية، يا غراب ومعشش جوا بيتنا بتدمر ليه متعة حياتنا مش هنمشي علي مزاجك ارحمنا من طلة جنابك لفق لفق في القضية هي دي عادة الداخلية ممسوك مكتوبلي إرهابي دولي ماسك شمروخ وبغني مصري”.

اللاعب المصري محمد أبو تريكة

كانت الهتافات الثلاثة أوجز معارضة علنية استطاع الجمهور المصري التعبير من خلالها عن رأيه المكتوم عنوة، فالرياضة المعزولة عن السياسة رفاهية لا يملكها الشعب المصري. ساحة الاستاد ربما كانت أأمن مساحة للتعبير عن التضامن السياسي والإنساني، الذي إذا حدث على بعد أمتار قليلة خارج الاستاد، لكان سيواجه بالقمع بتهمة التجمهر وخرق قانون التظاهر وتكدير الأمن العام.

الغريب أن الجماهير التي منعت من حضور معظم المباريات المحلية في مصر في السنوات الثلاث الماضية على الأقل، علماً أن “غالبية المباريات في مصر تنظم من دون جمهور”، حاولت البروباغندا الدعائية الخاصة بالبطولة مغازلتها لإنجاح الصورة العامة “الحضارية” لمصر أمام العالم، تحت رسائل حماسية تحفز روح الانتماء والوطنية اللازمتين لتلميع صورة مصر، كراعية لأهم حدث كروي على مستوى القارة السمراء. صحيح أن الجماهير المصرية بحضورها الافتتاح بحماسة بالغة ونظام واضح، منحت المنظمين هذا الادعاء، لكنها إلى جانب ذلك لم تنس أن تكون جماهير وفية “للشهداء ولأبو تريكة” خارج الصورة النمطية للانتماء، التي حاولت الأجهزة الرسمية رسمها وتحديدها وفق أجندتها وانتماءاتها.

غنت الجماهير في الدقيقة 74 لضحايا النادي الأهلي “في الجنة يا شهيد”، للتذكير بمذبحة استاد بورسعيد التي راح ضحيتها 74 مشجعاً

وبعد قصة الانتماء بتناوله الهش، تأتي قصة الهوية بوجهها الهش أيضاً، فقد قال محمد فضل مدير بطولة الأمم الأفريقية في تصريحات لـ”سكاي نيوز”: “اخترنا أن تكون هويتنا المصرية هي الأساس، ومن هذا المنطلق اخترنا تميمة البطولة”. ويقصد هنا توت عنخ آمون ورداء رأسه الفرعوني المرسوم على رأس فتى يرتدي اللباس الكروي للمنتخب المصري، فضلاً عن الاستعانة بمجسمات من الصخر للآلهة الفرعونية، سخمت وحورس وأنوبيس في استعادة واضحة لزمن الفراعنة، كتلخيص للهوية المصرية، وهي استعادة مستهلكة كالمعتاد.

اللافت أن الباحث الأميركي تيموثي ميتشل أستاذ الدراسات شرق الأوسطية في جامعة كولومبيا كان تحدث عن ظاهرة ربط الهوية بالماضي والتاريخ بطريقة دعائية، لخدمة الأنظمة السياسية أحياناً، في كتابه “دراستان حول التراث والحداثة”، ترجمة بشير السباعي.

يقول ميتشل إن استدعاء مثال توت عنخ آمون بالذات في مناسبات عدة له دلالة تبدو مستهلكة للتذرع بأمجاد مصر، “ففي الربع الثاني من القرن العشرين، على أثر اكتشاف مقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك بالأقصر عام 1923، اجتذب الحدث انتباه العالم برمته وقد حدث الاكتشاف في السنة ذاتها التي كسبت فيها مصر استقلالاً جزئياً عن الاحتلال العسكري البريطاني، ما زود الحكومة القومية الجديدة بتعبير قوي عن هوية الأمة، وباستثناء هذا الحدث لم يلعب الماضي الفرعوني غير دور طفيف وضئيل في النزعة القومية المصرية”.

ويرى ميتشيل أن التشديد في المناسبات الوطنية المصرية على أهمية الماضي الفرعوني يعد تعبيراً عن الإيمان بعبادة الزعيم وبالروح العسكرية وهو ما يلائم الأمة الرسمية التي يتم استحضارها والتذرع بها في أيديولوجية الأحزاب السياسية ودعاية البرامج الحكومية والكتب المدرسية ونقل الأخبار وصنع الرأي.

تجميع الجمهور الكروي لتشجيع المنتخب الوطني مع اختلاف الفرق وتوجهات الجمهور الكروية، كان يحتاج من وجهة نظر منظمي الحملة الدعائية إلى فكرة تجعل الجمهور يشعر بأنه وحدة واحدة وجماعة متماسكة حتى إذا كان الواقع عكس ذلك. فكان لابد من الاستعانة بكيان أبلغ وأكثر تأثيراً من أي كيان رمزي كالعلم أو النشيد الوطني، فكانت فكرة الاستعانة بالماضي لتعزيز فكرة الأمة التي تجعل الجمهور يمضي قائلاً: “نحن جاهزون الآن لنكون جماعة واحدة بوعي تاريخي واحد”.

اللاعب المصري عمرو وردة

هذا المزاج العام المنتمي الذى تمت تغذيته ببراعة عبر الاعلانات الخاصة بالبطولة تعرض لتكدير مفاجئ، بسبب حادثة تحرش عمرو وردة، أحد لاعبي المنتخب، بعارضة أزياء هو واثنين آخرين. كان التحرش إلكترونياً عبر رسائل “انستغرام”، ثم سبّ عمرو وردة الفتاة بنعوت مخلة، فيما كان على المنتخب أن يركز في تدريباته لنيل البطولة وخدمة مزاج الانتماء والفخر العام. وزاد على هذا التكدير تصريح اللاعب محمد صلاح الذي طالب بإعطاء وردة فرصة ثانية، بعدما تم استبعاده من المنتخب.

استبعاد عمرو وردة من المنتخب لم يطل، على رغم كل الدعاوى التي شنتها “السوشيل ميديا”، لضرورة معاقبته بجريمة التحرش، وإن كانت الحملة بشكل غير واعٍ ترغب ليس في معاقبة وردة على التحرش وحسب، بل على تكدير المزاج العام الذي تمت تغذيته بالحماسة والروح الحضارية المشرفة للمصريين أثناء البطولة. ثم جاء قرار إلغاء استبعاد عمرو وردة ليهدم كل ما بنته الدعاية الرسمية للبطولة، فالمنتخب الوطني صاحب الماضي الحضاري أصبح يقبل بمتحرش بين لاعبيه!

استبعاد عمرو وردة من المنتخب لم يطل، على رغم كل الدعاوى التي شنتها “السوشيل ميديا”، لضرورة معاقبته بجريمة التحرش

لم تكن دعوات معاقبة وردة بجريمة التحرش تسير وحدها إلى هدم صورة البطولة المثالية، بل إن الدعوات التي رفضت معاقبة وردة ودافعت عنه شاركت بذلك. وللمفارقة مع مقاصد مهاجمي وردة، فإنكار التحرش ونفيه والدفاع المستميت عنه، أيضاً لمصلحة حماية صورة المنتخب والبطولة “الوطنية”.

عمرو وردة ومحمد صلاح

محمد صلاح أيضاً ناله الكثير خلال هذه البطولة، وهو الذي كان يلقّب بفخر العرب، أصبح محل سخرية بالغة لتضامنه مع وردة، أولاً، وثانياً لخروجه في أحد حواراته المسجلة خلال البطولة متحدثاً بلهجة مصرية مشوبة ببعض المفردات الإنكليزية مثل “سكول” و”مينتاليتي”، يسخر من طريقة تفكير بعض المصريين. وهو ما استقبله المصريون على “السوشيل ميديا” بشكل سلبي تجاه ما رأوه تعدياً على الشخصية المصرية العربية القريبة من الطبقة الوسطى بانتحال هوية تتنازعها مفردات إنكليزية.

شاهد: محمد صلاح يسجل هدف ذهبي في مرمى… الإسلاموفوبيا

بعد خروج مصر مهزومة من البطولة نهائياً أمام منتخب جنوب افريقيا، ظهرت نبرات الشماتة في هزيمة المنتخب المصري، من جانب شريحة كبيرة من المصريين. وهو أمر يجدر الالتفات إليه، بخاصة من جانب الآلة الإعلامية الرسمية التي تصر على إعادة إنتاج مفاهيم الهوية والانتماء بطريقة استهلاكية مغلوطة، يتم تقويضها ببساطة بالغة، حتى ولو نجعت لفترة وجيزة.

مصر: كيف حول النظام مرسي إلى “أيقونة”؟

إقرأ أيضاً