fbpx

هنا القصة الثالثة

ميريام سويدان - صحافية لبنانية

ميريام سويدان - صحافية لبنانية

مقالات الكاتب

ترحيل ناشطين وتضييق على اللاجئين :حريات لبنان تقوضها أجهزة أمنية ومؤسسات دينية

فُتح باب الطائرة، وبسرعة البرق تجمهر صفّ عشوائي من الركاب، يعطّل حركته أشخاص نسوا مكان أمتعتهم في خزائن الطائرة العلوية. يتجه الصف إلى شبابيك الأمن العام لمراقبة الجوازات، وهناك ينقسم إلى طابورين، صف للبنانيين، وآخر للأجانب والعرب. في الأخير، كانت (ريما.ص)، باحثة وناشطة تونسية، زارت لبنان في الصيف الماضي لتشارك في مؤتمر حول الجندر والحريات والحق بالصحة. ولكن على رغم أنها لم تكن رحلتها الأولى إلى بيروت، إلا أن مشهد المطار الروتيني لم ينتهِ كما المعتاد.   

“سألتُ: أين أنا؟”.. أتتني الإجابة سريعاً: هذا مكتب الترحيل”.

من دون تأخير أو توضيح أجبرت ريما على العودة الى بلدها تونس ولم تتمكن من دخول لبنان والمشاركة في المؤتمر الذي دعيت للمشاركة فيه.

ما حصل مع ريما التي تتحفظ على ذكر كامل هويتها، كان جزءاً من مجموعة إجراءات اتخذها الأمن العام اللبناني بطلبٍ من هيئة العلماء المسلمين في لبنان بحق 80 شخصاً شاركوا في مؤتمر “ندوى 2018” السنوي، حول الجندر والحريات الجنسية، الذي تنظمه المؤسسة العربية للحريات والمساواة منذ سبع سنوات.

ويبدو أن مسألة ترحيل أو رفض استقبال ناشطين وناشطات وحقوقيين من دول مختلفة بات يتكرر بشكل مضطرد مع تزايد شكاوى منظمي مؤتمرات أو نشاطات حقوقية وإعلامية عن رفض الأمن العام منح تأشيرات دخول لشخصيات تعمل في المجال الحقوقي من دون أسباب واضحة..

فهل هذا الأمر هو نتاج قرار سياسي أم بضغط من مؤسسات دينية ؟

جورج قزّي

في حالة مؤتمر الصيف الماضي الذي منعت ريما من دخول لبنان للمشاركة فيه، ووفق ما رواه جورج قزي، المدير التنفيذي لمؤسسة الحريات والمساواة، فقد كانت هيئة العلماء المسلمين وجّهت حينها “نداء عاجلاً” إلى وزارة الداخلية والبلديات، تطالب فيه بإلغاء مؤتمر، باعتباره نشاطاً “خارجاً عن القانون”، وعملاً “يحضّ على ارتكاب الجريمة ويشجع على تعاطي المخدرات تحت ستار حقوق الإنسان”. فدعت النيابة العامة إلى “الادعاء على المرتكبين والتشديد على الوصف الجرمي لفعل الشذوذ الجنسي، والمرجعيات الدينية والرؤساء الثلاثة للقيام بواجباتهم ووضع حدّ فوري لهذا التمادي الذي يهدد أمن المجتمع والقيم الأخلاقية والصحة العامة”.

وعليه، تحرّك الأمن العام اللبناني وأصدر قرار منع دخول لجميع المشاركين الأجانب في المؤتمر، والذي بلغ عددهم 80 شخصاً، بعضهم ناشطون في مجال حقوق الانسان والحريات، والبعض الآخر يعمل في مجال البحث والأكاديمية.

هذه ليست المرة الأولى التي تلغي فيها الأجهزة الأمنية والمؤسسات الدينية في لبنان مؤتمراً حول حقوق الانسان والحريات. فقد سبق أن ألغي مؤتمر مماثل نظمته جمعية “براود ليبانون”، بعدما أصدرت هيئة العلماء المسلمين بياناً تتوعد فيه منظمي المؤتمر، كما ألغي نشاط آخر لجمعية “بيروت برايد” واحتجز منظمه ولم يطلق سراحه إلا بعد تعهّده بإلغاء كل النشاطات الأخرى المنظّمة في اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثلية. وكذلك تم إلغاء مؤتمر لجمعية “حلم” عام 2017. وبهذا تكون هاتان الجهتان قد كسبتا معركة جديدة في الحرب على الحريات التي يشهدها لبنان. إلا أن الجديد هو صدور قرار منع دخول إلى لبنان لجميع المشاركين في المؤتمر، حتى لو لم يكن دخولهم مرتبطاً بنشاطٍ مماثل أو بالمؤسسة العربية للحريات والمساواة.

يقول قزي إن المؤسسة اختارت لبنان لتنظيم مؤتمرها السنوي على اعتبار أنه لا يزال يتمتع بمساحة من الحريات غير المتوافرة في المنطقة، لكن الواضح أنه لم يعد فسحة آمنة للحرية، في ظل مضايقات الجهاز الأمني. لذلك تدرس المؤسسة تنظيم مؤتمرها للسنة المقبلة خارج لبنان، بالتزامن مع التوجه إلى القضاء للردّ على قرارات منع دخول الأجانب المشاركين في المؤتمر إلى لبنان.  

الأمن العام اللبناني: جهاز أمني بفائض صلاحيات

إن حالات منع دخول أجانب إلى لبنان كثيرة ومكررة بحسب “المفكرة القانونية” وهي مجلة حقوقية تعني بقضايا العدالة والقانون، إلا أنها المرة الأولى التي تستخدم فيها آلية منع الدخول كعقوبة جماعية بحق عشرات الأشخاص، وبشكل مخالف للقانون، أي من دون حكم جزائي أو ترحيل من البلاد.

المحامية غيدة فرنجية

اتخذت القضية منحى قانونياً، إذ تتعاون “المؤسسة العربية للحريات والمساواة” مع المفكرة القانونية، لإبطال قرارات منع الدخول بحق الأشخاص المشاركين في المؤتمر. وفي هذا الصدد، تقول المحامية غيدة فرنجية، “إن هذه القضية هي ذات بعدين. الأول مرتبط بحرية التعبير، التي تعرضت لانتهاكات كثيرة في السنوات الأخيرة. والثاني مرتبط بصلاحيات جهاز الأمن العام اللبناني، إذ إنه يتجاوز دور الجهات الرسمية في الكثير من الحالات. في البعد الأول، تبيّن أن الأمن العام فرض “عقوبة جماعية” بحق المشاركين في المؤتمر، باعتبار أن كل مشارك هو “تهديد للأمن الاجتماعي”.مع العلم أن القانون يعتبر أن منع الدخول إلى لبنان هو عقوبة مرتبطة بحكم جزائي إذ يُحاكم الأجنبي بجريمة، فتقرر المحكمة ترحيله من البلاد، يليه منع الدخول. وهنا يظهر التناقض، إذ إن جميع المشاركين لم يتم تحويلهم إلى القضاء أو إبلاغهم بوجوب مغادرة لبنان، فهم غادروا لبنان بشكل طبيعي بعد انتهاء أيام المؤتمر الأربعة.”

وتتابع فرنجية أن قرار “العقوبة الجماعية” هو “تصرف غير قانوني صادر عن الجهة الأمنية نفسها أيضاً. إذ إن المبادئ القانونية تفرض الفردية في العقوبة، كما “حق الدفاع”، للجهة المتهمة. إذاً، ففكرة اعتبار لبنان مساحة ممكنة مفتوحة للنقاش حول حريات وحقوق إنسانية وجنسية غير متوافرة في مكان آخر، باتت غير دقيقة.” وتعتبر فرنجية إنه “من الخطير جداً اعتبار المؤتمرات التي تطرح نقاشاً حول هذه الأفكار، مهما كانت خلافية خطراً يهدد المجتمع”.

وتضيف المحامية فرنجية:”يقودنا هذا البعد إلى آخر، وهو وجود جهاز أمني يُسمح له بتجاوز صلاحياته بسبب التركيبة اللبنانية السياسية، حتى أنه يصدر أحكاماً يفترض بها أن تصدر عن السلطة القضائية. إذ إن كل ما يتعلق بقضية منع الدخول وما فيها من ضبابية وتعسّف وتجاوز لصلاحيات القضاء، يعيدنا إلى قضية إقامة اللاجئين في لبنان، إذ أن الأمن العام تجاوز صلاحياته أيضاً في قضية إقامة السوريين، حيث اعتبر القضاء أن الأمن العام تجاوز صلاحية الحكومة عندما عدّل في شروط إقامة السوريين في لبنان في العام 2015، وأبطل هذا القرار. إلا أن من الجهات الرسمية المعنية (الحكومة ووزارة الداخلية والأمن العام) لم تعمد لغاية الآن الى تنفيذ قرار القضاء ووضع حدّ لهذا التجاوز في ظل غياب أي محاسبة قانونية وسياسية لأعمال الأمن العام.”

“سنعيدكِ من حيث أتيتِ”

“يا آنسة أنتِ ممنوعة من دخول لبنان، هذا قانون دولة والسبب لا يظهر على “السيستام”، سنعيدكِ من حيث أتيت”. اكتفى رجل الأمن الأربعيني بهذه العبارة ليبلغ ريما بأن رحلتها إلى بيروت انتهت في المطار. وباءت محاولاتها بالاستعانة بمحامٍ، بالفشل بسبب توقف الانترنت، وتزامن ذلك مع الخروج عن التوقيت الإداري في عطلة نهاية الأسبوع. توجهت ريما إلى قاعة الترحيل.      

الوقت ثقيلٌ هناك، والمساحة تختلف عن تلك التي يراها المسافر العادي. تقول إنها استغربت كل هذا القبح في مطار. السقف مكسر، الحيطان متسخة، والكنبات رثّة. والأقبح كان معاملة رجال الأمن للأشخاص المراد ترحيلهم وكأنهم اقترفوا جرماً.

أمضت ريما ليلةً كاملةً في القاعة، جمعت فيها قصص المرحّلين قسراً من لبنان، التي تتقاطع كلها في اعتباطية وتعسف الأمن العام وتجاوز السلطة، كما الإحساس بالدونية والعدوانية من قبل الجهاز الأمني، بخاصة لدى اللاجئين.

إلى أن انتهت ليلتها وتمّ ترحيلها، وسط توعّد المرحّلين بعدم زيارة هذا البلد مجدداً، واستهزائهم من إيمان ريما بسلطة القانون في “دولة مدنية” كلبنان.   

أن تكوني أمّاً لأمّك…

إقرأ أيضاً