fbpx

هنا القصة الثالثة

ترجمة - New Yorker

ترجمة - New Yorker

مقالات الكاتب

ترامب يُنهي رحلة مشينة إلى باريس

تحت وابل من الأمطار، تشارك أكثر من ستين زعيم دولة من الرؤساء ورؤساء الحكومة والملوك والأمراء، يمثّلون ثلث أمم المعمورة، تحت مظلات سوداء كبيرة بينما كانوا يسيرون معاً في شارع الشانزليزيه بباريس، يوم الأحد. وكانوا قد اجتمعوا للاحتفال بمرور مائة عام على اتفاقية الهدنة التي أنهت القتال في الحرب العالمية الأولى، وللتعبير أيضاً عن الوحدة العالمية. رئيس واحد لم يكن بينهم: دونالد ترامب، الذي اختار أن يذهب إلى الاحتفال في ساحة قوس النصر بسيارته الليموزين بعيداً عن البلل. وبرّر مساعدوه ذلك بأسباب أمنية، بيد أن التهديد الأمني الوحيد الواضح كان من ناشطة غير مسلّحة حاولت الركض بالقرب من موكبه، عارية الصدر وقد زيّنت صدرها بعبارة “صانع السلام المزيّف”.

قبل ذلك بيوم فعل الرئيس الشيء نفسه، حين ألغى رحلة كانت مقرّرة لتكريم أكثر من ألفي أميركي دفنوا في مقبرة آيسن مارن الأمريكية، على بعد خمسين ميلاً خارج باريس. (العدد الإجمالي للضحايا الأمريكيّين الذين لقوا حتفهم في الحرب العالمية الأولى كان خمسين ألف أمريكي.) وتحجّج البيت الأبيض بسوء الأحوال الجوية. ولكن الردّ جاء سريعاً وغاضباً وعلى وسيلة التواصل المفضّلة لدى الرئيس، حين قال نيكولاس سواميس، وهو حفيد رئيس الوزراء البريطاني السابق ونستون تشرتشل وعضو حزب المحافظين في البرلمان البريطاني، على تويتر: “لقد ماتوا وهم يواجهون العدو، ولكن ذلك البائس المثير للشفقة دونالد ترامب (@RealDonaldTrump) لم يستطع مجرّد تحدي الطقس ليؤدي واجب الاحترام لمن سقط،” مضيفا هاشتاغ “#hesnotfittorepresenthisgreatcountry” (إنه ليس كفؤاً ولا يمثل بلده العظيم). أما مايكل بيسشلوس، المؤرخ الرئاسي، فنشر على حسابه على تويتر صورة للرئيس جون كنيدي والرئيس الفرنسي شارل ديغول وهما يقفان في باريس مبللين (ومن دون مظلات) عندما كرّمت فرنسا قتلى الحرب في عام 1961. وانهالت السخريات على تويتر ومن بينها تغريدة لواحد من votevets@ حول ما إذا كان قرار ترامب له علاقة بتسريحة شعره. في نفس اليوم، على الرغم من الأمطار، تمكّن قادة فرنسا وألمانيا من زيارة كومبيين – على بعد خمسين ميلاً من باريس، حيث تمّ توقيع الهدنة في عربة للسكك الحديدية قبل قرن من الزمان.

“الأسبوع الماضي، قال الرئيس الفرنسي إن أوروبا بحاجة إلى جيش إقليمي، لأنه لم يعد بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك”

لقد طار ترامب وحاشيته ما يقرب من أربعة آلاف ميل من أجل الاحتفال بمئوية نهاية الحرب الكونية الأولى، ولكنه لم يُبْدِ سوى القليل من الاهتمام في معظم مراسم الاحتفالات. لقد تناول طعام الغداء مع نظرائه وقدّم ملاحظات موجزة في مقبرة أمريكية ثانية. ولكنْ باستثناء ذلك لم يقم بأي رحلة. كان ازدراؤه أكثر إثارة للقلق لأنه يحتاج إلى بقية العالم اليوم أكثر من أي وقت مضى. لقد أسفرت الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة انقساماً في الكونغرس، ما يحدّ من الحركة في المسائل الداخلية الرئيسية خلال العامين المقبلين. وبينما يكثّف جهوده لإعادة انتخابه في العام 2020، فإنه سيكون في حاجة إلى حدوث اختراقات في السياسة الخارجية تبدو مثمرة أو رئاسية. ومع ذلك، نراه بدلا من ذلك أكثر انسحاباً.

وتخلّى الرئيس أيضاً عن حضور افتتاح منتدى باريس للسلام – الذي تم إنشاؤه لتعزيز العمل العالمي الجماعي – وحضره زعماء العالم الآخرون، بعد إحياء ذكرى الهدنة يوم الأحد. وقال الرئيس الفرنسي المضيف إيمانويل ماكرون حاثّا نظرائه: “هل سيكون اليوم رمزًا للسلام الدائم أم أنه اللحظة الأخيرة من الوحدة قبل أن يقع العالم في المزيد من الفوضى؟ الأمر يعتمد علينا فقط”. وكانت موضوعة المنتدى الأساسية هي الحاجة إلى شعور بالوحدة من أجل منع الحرب العالمية الثالثة. وفي ذلك قالت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، “إذا لم تكن العزلة هي الحل قبل مائة عام، فهل يصحّ أن تكون كذلك اليوم، في عالم أكثر ترابطا؟” ولكن، بينما كانت تتحدث هذه الكلمات، كان ترامب على متن طيارته الرئاسية الخاصة، في طريق العودة إلى واشنطن.

إن علاقات ترامب مع نظرائه الأجانب تتداعى، ولم يكن الانقسام الأمريكي-الأوروبي – حيث قضى الملايين من الأمريكيين من أجل الحفاظ على الحلفاء –على هذا القدر من الجدل منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى. وتتّسع الفجوة في القضايا الوجودية (تغير المناخ)، والتهديدات العالمية (روسيا)، والحرب والسلام (صفقة إيران النووية). والحال أن أوروبا بدأت مناقشات حول إنشاء مؤسسات عسكرية ومالية تتجنب الولايات المتحدة، منذ أن تولّى ترامب منصبه.

وحتى العلاقة الودية بينه وبين ماكرون قد تلاشت. ففي الأسبوع الماضي، قال الرئيس الفرنسي إن أوروبا بحاجة إلى جيش إقليمي، لأنه لم يعد بإمكانها الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك. وانتقد ترامب فكرة ماكرون على تويتر باعتبارها “مهينة للغاية”. وفيما حاول الرجلان أن يبدوا لطيفين في باريس، إلا أن الزعيم الفرنسي انتقد في خطابه الأخير علانية أجندة ترامب “أمريكا أولا”، قائلا لزعماء العالم إن “القومية هي خيانة للوطنية”. وقال “حين نقول ‘مصالحنا أولاً أو منذا الذي يهتم بالآخرين؟’ فإننا نمحو كلّ ما تعتدّ به الأمة، ما يمنحها الحياة، ما يعطيها الرفعة، وما هو أساسي: قيمها الأخلاقية”. وحذّر ماكرون من أن “الشياطين القديمة” تبرز من جديد وتهدد بخطر الفوضى. وحين كان يتفوّه بهذه الكلمات كان ترامب يبدي امتعاضه.

ومع ذلك كان ثمّة قائد واحد بدا ترامب وكأنه يحرص على التواصل معه خلال احتفالات الهدنة. إنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ظهر أيضاً في وقت متأخر. عندما انضم إلى الاحتفال، ابتسم الرجلان واحدهما إلى لآخر. ورفع ترامب إبهامه للأعلى في علامة التأييد.

إن حاجة ترامب إلى اختراقات في السياسة الخارجية تأتي في الوقت الذي تتعرض فيه أهمّ مبادراته الدبلوماسية للجمود أو التعطيل، قمة هلسنكي مع بوتين في يوليو/ تموز الماضي لم تسفر عن أي شيء سواء أكان بشأن الحد من التسلح أم أوكرانيا أم سوريا. خطة سلام الشرق الأوسط التي صممها جاريد كوشنر ما زالت تتأجّل مرّة إثر مرّة. ومنذ قمة سنغافورة، في حزيران/يونيو، لم يقدّم الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون أي سجّل في ما يتعلق بأسلحته النووية أو الكيميائية أو البيولوجية أو الصواريخ الباليستية، ناهيك عن كيف سيتم تدمير هذه الأسلحة أو متى سيتمّ ذلك. وتمّ إلغاء الاجتماع المقرّر في نيويورك الأسبوع الماضي بين وزير الدولة مايك بومبيو ونظيره الكوري الشمالي، كيم يونغ تشول بشكل مفاجئ، ولا يتوقع حدوث هذا الاجتماع إلا في العام المقبل. وفي وقت سابق من هذا الشهر، حذّرت كوريا الشمالية من أنها قد تستأنف “بناء قواتها النووية” إذا لم يتمّ رفع العقوبات الأمريكية في وقت قريب.

ويرفض ترامب أيضاً الفرص الدبلوماسية. واختار عدم المشاركة في قمتين أخريين هذا الأسبوع في آسيا، وهي المنطقة المحورية نظراً إلى ديناميكية الصين المتنامية ومبادرة كوريا الشمالية. يضمّ “مجلس التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ، سيجتمع في بابوا غينيا الجديدة، واحداً وعشرين بلداً يحاذي المحيط الهادئ ويمثّل أكثر من أربعين في المائة من التجارة العالمية وفيه أكثر من نصف الناتج القومي لمجموع دول العالم. أما القمة الثانية الأصغر لرابطة دول جنوب شرق آسيا فستعقد في سنغافورة. وسيحضرها زعماء العالم الآخرون، بمن فيهم بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ. أما ترامب فلن يشارك في أيّ منهما، فقد أوفد بدلا عنه نائب الرئيس بنس الذي طار إلى هناك يوم الاحد.

سيكون الاختبار التالي لمعرفة ما إذا كان ترامب يستطيع تحقيق نجاح في السياسة الخارجية هو اجتماع مجموعة العشرين السنوي لأكبر الاقتصادات في العالم، والذي سيفتتح في بوينس آيرس يوم 30 نوفمبر. ومن المقرّر أن يجري ترامب محادثات مع كل من (الرئيس الروسي) بوتين و(الصيني) شي. وقد قال لي دالدر: “هناك أسباب قوية وراء مشاركة ترامب أكثر بعد الانتخابات، ليس أقلها أن لديه مساحة أكبر للمناورة في الخارج أكثر مما هو عليه في الداخل،” قبل أن يضيف، “إن تركيزه الآن سيكون على هذه الاجتماعات الثنائية، حيث سيكون هدفه هو الفوز. وثمّة الكثير ليفعله، وإن تكُ فرص النجاح في كل منها ضئيلة”.

ترجمة وائل السوّاح

هذا المقال مترجمة عن موقع New Yorker ولقراءة المقال الأصلي زوروا الرابط التالي

إقرأ أيضاً