fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم صاغية - كاتب لبناني

حازم صاغية - كاتب لبناني

مقالات الكاتب

ترامب بين إسرائيل – نتانياهو واليهود الضحايا

جريمة كنيس بيتسبورغ، التي أودت بـ 11 ضحيّة، كانت أوّل عمل لاساميّ بهذا العنف تشهده الولايات المتّحدة. لأنّها كذلك، بدت أشبه بجرس تنبيه وإنذار: في ظلّ دونالد ترامب و”أميركا أوّلاً”، في ظلّ هذا العداء للمهاجرين وللإعلام، في ظلّ هذه الحملة على جورج سوروس، الذي يبدو كامتداد لآل روتشيلد في اللاساميّة الأبكر عهداً، في ظلّ هذه التعبويّة التحريضيّة والموقظة لأصغر الهويّات والتمايزات، في ظلّ ذلك كلّه، لا بدّ أن تحصل جريمة كجريمة كنيس بيتسبورغ، ولا بدّ أن تتكاثر جرائم كهذه.

هذا هو الاستنتاج الذي خلص إليه اليهود الليبراليّون في الولايات المتّحدة: دونالد ترامب والترامبيّة هما المسؤولان. الكثير من لغة ترامب ورموزه واستعمالاته اللغويّة مستقى من القاموس اللاساميّ. تقريبه لقوميّين وعنصريّين من دعاة التفوّق الأبيض محرّض على اللاساميّة. نبشه في الأصول والجذور والأعراق محرّض آخر. هجاؤه للعولمة والعالميّة وتوكيده على أنّه “قوميّ” يصبّ في هذا الاتّجاه.

في يوم “تذكّر المحرقة” لم يُشر البيت الأبيض إلى “اليهود”. في دعايته الانتخابيّة الشهيرة في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016 يظهر أربعة متّهَمين بأنّهم سبب مصائب أميركا: هيلاري كلينتون وجورج سوروس ورئيسة البنك المركزيّ حينذاك جانيت يلين ومدير “غولدمان ساخس” لويد بلانكفين: ثلاثة منهم يهود. في صيف 2017 ساوى ترامب (وإن تراجع لاحقاً مضطرّاً) بين دعاة التفوّق العرقيّ من مثيري العنف في شارلوتسفيل، وكان من شعاراتهم “ينبغي أن لا يحلّ اليهود محلّنا”، وبين المتصدّين لهم. بعض النازيّين الجدد ودعاة التفوّق الأبيض مرشّحون، في انتخابات منتصف الولاية، على لوائح الحزب الجمهوريّ. هذا غيض من فيض الترامبيّة حيال اليهود.

إذاً لا يكفي لتبرئته من اللاساميّة أنّ ابنته إيفانكا تحوّلت إلى اليهوديّة واقترنت بيهوديّ.

ايفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنير يضعان ورودا على نصب تذكاري لضحايا مجزرة بتسبورغ

مذبحة الكنيس لم يواجهها يهود أميركا بالتحليل فحسب. بعض شبّانهم بدأوا بالفعل يتسلّحون ويتدرّبون على استخدام السلاح. يهود أوروبيّون نصحوهم بتسليح مقارّهم الدينيّة لحمايتها. مع هذا، ووسط هذه المشاعر الحادّة، فكّرت إسرائيل – نتانياهو بشكل آخر: ترامب صديق، بل أكثر الذين حلّوا في البيت الأبيض صداقة للدولة العبريّة. لقد نقل السفارة إلى القدس. وهو عدوّ إيران التي تشكّل خطراً، قد يغدو نوويّاً، على إسرائيل ويهودها.

هكذا رأت أكثريّة يهود أميركا أنّ نتانياهو فضّل ترامب عليهم. تأكّدوا من ذلك حين زارهم، للمشاركة في جنازة الضحايا، وزير التعليم وشؤون الدياسبورا بنّيت نفتالي فدافع، في لقاءاته مع رموز الطائفة، عن ترامب وبرّأه من كلّ شكّ. رأي الحكومة الإسرائيليّة أنّ اللاساميّة لا تهبّ إلاّ من اليسار (جيريمي كوربن وعمّاله في بريطانيا) أو من المسلمين (لويس فراخان وأتباعه). أمّا أن تأتي من اليمين ومن ترامب تحديداً، فمستحيل. يهود أميركا استهجنوا هذا التدخّل الإسرائيليّ في تأويل حزنهم وغضبهم، هم الذين يعرفون كم أنّ إسرائيل حسّاسة حيال تدخّلهم هم في شؤونها.

فوق هذا، شكّك كبار الحاخامين الإسرائيليّين بيهوديّة الضحايا، لأنّهم من غير الأصوليّين، كما شكّكوا بمقتلهم في كنيس لأنّ الكنيس لا يستحقّ هذه التسمية إلاّ حين يؤمّه أصوليّون. هذا كلّه فيما لا تزال الدولة العبريّة تستنكف عن الاعتراف الرسميّ باليهوديّتين الإصلاحيّة والمحافظة اللتين يدين بهما معظم اليهود المؤمنين في الولايات المتّحدة.

 

“المركز الإسلاميّ” في جامعة نيويورك، وتحت شعار “نقف معكم”، تولّى شبّانه وصباياه حراسة مبنى الكنيس في مانهاتن حيث صلّى اليهود تكريماً لمأساة بيتسبورغ. بعض المسلمين المؤمنين تحدّثوا عن “كوننا جميعاً أبناء الله الواحد”. بعض المسلمين العلمانيّين تحدّثوا عن شراكة الألم وخوف الأقلّيّات المشترك من العنصريّة والقوميّة. هذه مشاعر وأفكار تستحقّ أن يُبنى عليها…

 

وسط هذا الاستقطاب وتلك الخلافات، وصل ترامب إلى بيتسبورغ مصحوباً بالسفير الإسرائيليّ في واشنطن رون دِرمر. أقطاب الطائفة امتنعوا عن لقائه. كذلك جاء آخر استقصاء للرأي العامّ قبل انتخابات منتصف الولاية، وبعد مقتلة بيتسبورغ، ليقول إنّ ثلاثة أرباع اليهود الأميركيّين سوف يصوّتون لمصلحة المرشّحين الديمقراطيّين (وإنّ 56 بالمئة من يهود أميركا لا يؤيّدون نقل السفارة الأميركيّة إلى القدس)، ما يوحي باحتمال استعادة حلف الأقلّيّات الذي كانه الحزب الديمقراطيّ.

نقطة أخيرة تعني المسلمين على نحو مباشر:

التقاطع بين اللاساميّة والعداء للهجرة في أميركا هو ممّا لا تخطئه العين. فضلاً عن كون اليهود الأميركيّين هم أصلاً مهاجرون كالمسلمين، شاعت في أوساط اليمين المتطرّف خرافة صادق عليها ترامب نفسه، تقول إنّ سوروس يموّل قافلة مهاجرين من هندوراس إلى أميركا. روبرت بويزر الذي ارتكب جريمة كنيس بيتسبورغ وهو يهتف “كلّ اليهود ينبغي أن يموتوا”، سبق أن عبّر، عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، عن غضبه على مجموعة “هياس” اليهوديّة التي تساعد اللاجئين الجدد، كما شتم “اليهود الأشرار القذرين الذين يأتون بالمسلمين الأشرار القذرين إلى هذا البلد”.

مسلمون أميركيّون بدوا حسّاسين لهذه الحقيقة وتعاملوا معها على نحو نبيل ونبيه في آن. جمعوا 190 ألف دولار للمشاركة في أكلاف الجنازة التي أقيمت لضحايا الكنيس. “المركز الإسلاميّ” في جامعة نيويورك، وتحت شعار “نقف معكم”، تولّى شبّانه وصباياه حراسة مبنى الكنيس في مانهاتن حيث صلّى اليهود تكريماً لمأساة بيتسبورغ. بعض المسلمين المؤمنين تحدّثوا عن “كوننا جميعاً أبناء الله الواحد”. بعض المسلمين العلمانيّين تحدّثوا عن شراكة الألم وخوف الأقلّيّات المشترك من العنصريّة والقوميّة. هذه مشاعر وأفكار تستحقّ أن يُبنى عليها…

 

إقرأ أيضاً:

مورانة ضدّ موارنة 

أنماط في عداوة العدو

إقرأ أيضاً