ترامب الذي لا يعلم ماذا يفعل في سوريا

يطرح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تساؤلات تبدو منطقية تبدأ من "ماذا نفعل في سوريا؟". سيكون الأمر غريباً فعلاً لو أن ترامب لا يعرف لماذا يتواجد بضع مئات من جنوده في شمال شرق سوريا

يطرح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تساؤلات تبدو منطقية تبدأ من “ماذا نفعل في سوريا؟”.

سيكون الأمر غريباً فعلاً لو أن ترامب لا يعرف لماذا يتواجد بضع مئات من جنوده في شمال شرق سوريا، وبضع آلاف في العراق، ذلك أن مساعديه إما لا يخبرونه أو أنه لا يستمع إليهم، والخيار الثاني مرجّح أكثر.

القصة المعلنة محاربة الإرهاب ومشكلة أسرى تنظيم “داعش”. يستند ترامب على القصة المعلنة ليبرّر ليس فقط انسحابه، بل، وبحس عديم للمسؤولية، منح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما يشتهيه منذ سنوات باحتلال كل مناطق التواجد الكردي في سوريا. ولأنه يتصرف كمدير لشركة اسمها “الولايات المتحدة الأميركية” لم يغفل ترامب عن قول إن بلاده دفعت لقوات سوريا الديمقراطية أموالاً طائلة ومعدات عسكرية، وهو في ذلك يخلط بين تكاليف المعدات وبين الأموال التي تحدث عنها وكأنها رزم نقدية تم وضعها على طاولة قيادة “قسد”. في هذا الجزء من القصة، محاربة الإرهاب وضمان منع داعش من السيطرة مجدداً على أي مساحات جغرافية، تشترك الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا مع التحالف الدولي في تحقيق هذا الهدف الذي ما زال غير منجز، وما زال الأميركيون والأوروبيون يتهربون من استعادة المقاتلين الأجانب الذين يحمل أغلبهم جنسيات أوروبية، وهؤلاء على وشك أن يصبحوا “قدامى المحاربين”.

في المحصلة، يُظهر ترامب لمؤيديه أنه يؤدي خدمة إنسانية صرفة لأناس في سوريا، وهذه الخدمة لا مصلحة للولايات المتحدة فيها، وليست معنية بها. في المقابل، معارضو ترامب الأميركيون ضد مباركته حرب أردوغان يظهرون دوافع إنسانية في غاية الرقي، وقيم سياسية عليا تتمثل في الحفاظ على مصداقية الولايات المتحدة. والواقع أن مصداقية الولايات المتحدة أكثر ما يهاجمها خصومها في المنطقة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالكرد، رغم أن روسيا توازي أميركا في عدد المرات التي تسببت فيها بإبادات جماعية، الأولى في عام 1947 حين تخلت عن جمهورية كردستان في مهاباد بإيران، والثانية حين صاغت سيناريو احتلال عفرين من قبل تركيا عام 2018. رغم ذلك، فإن مسألة “بيع الحلفاء” مرتبطة دعائياً بأميركا، وما يفعله ترامب هذه الأيام بخصوص سياساته المضطربة أفضل ما يمكن أن يحصل عليه الروسي والإيراني والتركي.

لا ترامب ولا معارضوه الأميركيون، على رأسهم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، يتطرقون إلى القصة غير المعلنة لوجودهم في سوريا والعراق، وهي قصة عثرتُ على خيوطها الأولى خلال عملي على كتاب ما زال مسودة غير منشورة، بخصوص منطقة الأنبار والبادية السورية في معادلات الاستقرار في المنطقة. لاحقاً، تحول ما عثرت عليه إلى مؤشر لقياس بعض الأحداث في المنطقة والعالم، فوجدته يعمل بشكل مذهل. إنه مشروع الصين الطموح “الحزام والطريق” أو ما يعرف أيضاً بـ”طريق الحرير الجديد”.

خلال إعلان الاستراتيجية الدفاعية الأميركية قبل عامين، أعلن وزير الدفاع الأميركي، الجنرال جون ماتيس، أن أولوية الجيش الأميركي مواجهة الصين. مضى على إعلان الصين مشروعها العملاق “الحزام والطريق” ست سنوات، حققت خلالها تقدماً مذهلاً بلغ حتى القطب الشمالي. فسارع الرئيس الأميركي إلى عرض شراء غرينلاند قبل شهور، والأسبوع الماضي تحرك وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى كل من روما وأثينا، حيث وقع البلدان عقوداً ضخمة مع الصين فيما يتعلق بالتجارة والموانئ. هذا بخصوص البحر المتوسط، أما في بلدان وسط آسيا، فالمشروع الصيني اشتبك مع السياسات الأميركية في أفغانستان حيث تسارع أميركا إلى الحؤول دون انزياح طالبان باتجاه بكين وموسكو، فالممر البري الصيني باتجاه الغرب يقطع وسط أفغانستان، في محاور طريق الحرير القديم. وغير بعيد بات الممر الصيني الباكستاني جاهزاً، وميناء جوادار تحول إلى خزان البضائع الصينية القادمة براً إلى الميناء البحري، ومن الميناء ينطلق عبر مسارين، الأول يلتف حول أفريقيا التي باتت بعض دولها مستعمرات اقتصادية صينية، مثل إثيوبيا وتنزانيا والكاميرون، أما المسار البحري الآخر ما زال غير مؤهل أمنياً، لأنه يفترض أن يمر من الخليج العربي إلى موانئ الكويت والبصرة، ومن هناك يتحول إلى يتحد مع المسار البري القادم من إيران باتجاه البحر المتوسط، وهذا المسار ما يطلق عليه عربياً “الهلال الشيعي”، والذي ليس سوى جزء من مسار فيضان البضائع الصينية.  

 

انسحاب الأميركيين من المنطقة ينهي آخر سد أميركي أمام الهيمنة الصينية، ويفتح الطريق أمام التسلط والاستقرار في ظل التسلط، وينهي عصر أميركا.

 

الخرائط المنشورة على موقع مبادرة الحزام والطريق لا تكشف كل المسارات بدقة. فالمشروع يتمتع بمرونة هائلة، تتغير معها المسارات، وهذه المرونة ترفع من وتيرة التنافس بين مجموعة من الدول.

أولوية قوات سوريا الديمقراطية حماية المنطقة من الغزو التركي ومن النفوذ الإيراني. كلا الخطرين، التركي والإيراني، يفتحان الطريق أمام هيمنة الصين العالمية.

إن ما يعرقل إنجاز المشروع الصيني هو إغلاق الطريق أمامها إلى البحر المتوسط، وأميركا تقوم بذلك بأقل التكاليف. لقد قامت طائرات “مجهولة” بقصف معبر حدودي في العراق عشرات المرات منذ مطلع العام 2019. إن كافة الدول المتضررة من المبادرة الصينية (BRI) دعمت، بشكل غير رسمي، الاضطرابات في البصرة في سبتمبر 2018. وهي احتجاجات شعبية محقة تقاطعت دون إرادة المحتجين مع سياسات عرقلة المسار الصيني في مشروع الحزام والطريق بدءاً من البصرة.

هذا المسار الصيني يتفرع من داخل العراق إلى طريقين:

الأول: إلى البحر المتوسط عبر سوريا، وهو ما تغلقه الولايات المتحدة عبر القاعدة العسكرية في التنف شرق سوريا، إضافة إلى سيطرتها على الطريق الدولي في شمال شرق سوريا المار من محافظة الحسكة حتى منبج. شرط تركيا لإقامة المنطقة الآمنة هو الوصول إلى الطريق الدولي ( عمق 30 كم)، وهي تريد أن يتم تحويل المسار إلى الطريق الثاني: إلى داخل تركيا عبر الموصل، ولا تريد أن تكون سوريا هي مخرج المسار التجاري إلى البحر المتوسط.

إسرائيل اعترفت بتنفيذها عدداً من الضربات التي استهدفت فصائل عراقية خلال الشهرين الماضيين قرب الحدود مع سوريا. هي أيضاً تريد عرقلة مسار التجارة الصينية الذي يمر من سوريا، وتعمل على تقديم الطريق الآخر الذي يتجه من العراق إلى الأردن (ميناءي العقبة وإيلات).

يقول ترامب إن أولوية أميركا التصدي للنفوذ الصيني والروسي في العالم. وهو يقوم بكل ما يساهم في تقوية هذا النفوذ. الرسوم التجارية لا تستطيع هزيمة الصين، فوجود أميركا في سوريا هو ما يمنع ذلك. ليس لقوات سوريا الديمقراطية مصلحة في هذا الصراع، إنه صراع أميركا والصين، لكن بسبب التزام “قسد” مع أميركا، فإنها باتت جزءاً من هذا الصراع غير المعلن حتى الآن. على الساحل السوري، استولى خصوم أميركا على موانئ سوريا (روسيا وإيران)، وهم يتوقون إلى وصول مسار التجارة الصينية إلى الساحل السوري عبر العراق وتحصيل الرسوم وجني الفوائد الاقتصادية وتقويض موقع أميركا التجاري في العالم. لذلك،  حين يقول ترامب إنه لا يعرف لماذا يبقي على قواته في سوريا، يمكن أن تكون الإجابة ما يلي: أنت هنا لأن مصلحة بلادك تفرض عليك التواجد هنا. أنت تحمي مكانة أميركا من هنا. وإذا كانت لديك فكرة أخرى لفعل ذلك، فأرجو أن تكون مدركاً لخطورة فتح الطريق أمام تركيا للاستيلاء على شمال شرق سوريا.

كان وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، في اليونان الأسبوع الماضي. فالرجل يلاحق الاستثمارات الصينية في موانئ اليونان، ووقع على اتفاقية عسكرية مع أثينا، معتبراً أنها ركيزة للاستقرار في المنطقة وانتقد عمليات التنقيب التركية غير المشروعة في البحر المتوسط. تركيا هي وكيل إقليمي للصين. تساهلها في ملف مسلمي الأويغور وتأييدها للخطوات القمعية الصينية يدخل في هذا الإطار، على النقيض من الدعوات الأميركية لحماية حقوق الأويغور. لماذا تهتم أميركا بالأويغور؟ ليس فقط لأهداف حقوق الإنسان، وأميركا من الدول القليلة التي ما زال “حقوق الإنسان” جزءاً راسخاً في سياستها الخارجية، بل هناك سبب آخر إضافي، وهو أن كل محاور مبادرة “الحزام والطريق” تنطلق من منطقة الأويغور.

 

ترامب تساءل : ما الذي نفعله هناك؟

تحمون مصالحكم الاستراتيجية. هذه صراعاتكم وقد هبطت علينا.

 

لقد وقفت تركيا ضد إلغاء الهند الحكم الذاتي في كشمير، لكنها لم تعارض الاضطهاد الصيني ضد الأويغور. تركيا هنا أيضاً وكيل تجاري للمشروع الصيني. الهند متضررة، مثل أميركا، لأن باكستان جزء محوري من هذا المشروع الذي يشمل كشمير الباكستانية. لذلك تركيا تقف مع المسلمين في كشمير، وتقف ضد المسلمين في الصين.

كل هذه السياسات تنعكس على الشعوب المثقلة بالفقر والمخاطر الأمنية في العراق وسوريا. ومنطقة شمال شرق سوريا جزء من هذا الصراع التجاري العالمي. ففتح معبر القائم الحدودي مع سوريا تأخر عدة شهور بسبب تعرضه للقصف قبيل كل موعد للافتتاح. هناك جهود استخباراتية دولية واسعة النطاق تتصارع في العراق، ما يعني أن الاضطرابات تخدم جهة تجد نفسها متضررة من “الحزام والطريق”، لذلك تتقاطع مواقف المتضررين معاً في كل ما يدعم عدم الاستقرار. بسبب الطابع اللاأخلاقي في هذا التنافس، لا تعلن أي دولة حقيقة دوافعها في هذا الجزء من الشرق الأوسط، لكن هذا لايعني أن الدول وحدها تدرك ما يجري هنا. النموذج الصيني المرافق للهيمنة التجارية تتطلب أنظمة تسلطية ودولاً مركزية، وهذا الأمر يؤثر على صيغ الحكم في دول المنطقة، ويتوافق للغاية مع نموذج النظام السوري، وكذلك يدفع الحكومة العراقية إلى مزيد من تقليص صلاحيات إقليم كردستان العراق، ويدفع تركيا إلى مزيد من القمع ضد الكرد وتوسيع حربها عليهم في كل مكان. النموذج الصيني يشجع على تكاثر الدول التسلطية.

قوات سوريا الديمقراطية، وجهاز مكافحة الإرهاب في العراق، وقوات الحشد الشعبي، وقوات البيشمركة، وحزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، كل هذه العناصر والتشكيلات وجدت نفسها في قلب هذا الصراع التجاري العالمي الذي بات يرسم حدود العديد من الاضطرابات في المنطقة. انسحاب الأميركيين من المنطقة ينهي آخر سد أميركي أمام الهيمنة الصينية، ويفتح الطريق أمام التسلط والاستقرار في ظل التسلط، وينهي عصر أميركا.

ترامب تساءل : ما الذي نفعله هناك؟

تحمون مصالحكم الاستراتيجية. هذه صراعاتكم وقد هبطت علينا.

حكايتي مع المقبرة 

 

 

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

زهير جزائري – كاتب عراقي
لا يبدو قائد المجموعة في عجلة من أمره. يريد تبديد الوقت في الطريق إلى الاشتباك. مهمة ثقيلة الوطأة عليه، أن يقتل شباناً يافعين، سيصعب عليه حين ينفذها أن ينظر في عيون أولاده. وحين ينام ستخيم عليه الكوابيس.
“درج”
“لم أتذكر حينها شيئاً سوى زوجتي وطفلتي أسيل، وهما تنتظران عودتي على الغداء ظهر الجمعة… الضيف الذي لم يأتِ بعد، ولا تعرفان له أثراً”، يقول المصور طه صالح.
أحمد الأحمد – صحافي سوري
خلال إعداد هذه القصّة كتبتُ أن حصيلة عدد القتلى المدنيين على إدلب في هذا اليوم بلغت 12 قتيلًا بسبب الغارات الجوية الروسية، وبينما أكمل في تحرير القصّة، ارتفع العدد ليصبح 16 قتيلاً، وقبل أن أنتهي من تحريرها وإرسالها للنشر أصبح إجمالي عدد القتلى 20 قتيلًا.
زينب المشاط – صحافية عراقية
تصريحات زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، ودعوته إلى استمرار الاحتجاج السلمي، وموقف أتباعه عبر استخدامهم كدروع بشرية لحماية المتظاهرين السلميين، جعل الصدر وجماعته مستهدفين من الجهات التي تريد إنهاء الاحتجاجات..
زينة علوش – خبيرة في السياسات الرعائية
مما لا شك فيه أن نفوذ المؤسسات الرعائية، بات أكبر من أي سلطة مدنية لأنها تلطت خلف حمايات إلهية، لا تسمح بالمساءلة والمحاسبة. يحصل كل هذا والأطفال المعنفين شواهد على سطوة الطوائف وتسلطها.
ديانا مقلد – صحافية وكاتبة لبنانية
لم يسبق أن تعاملت الجيوش الإلكترونية والواقعية والشخصيات المحسوبة على “حزب الله” مع خصومها، كما تتعامل مع ديما صادق، في حملة مستمرة لا تتوقف.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email