fbpx

هنا القصة الثالثة

دانا البوز - صحافية سورية

دانا البوز - صحافية سورية

مقالات الكاتب

تراجيديا زيتون عفرين في ظل “غصن الزيتون”

بعزيمة وهدوء، يضع الستيني محمد سلمه الخشبي العتيق، استعداداً لقطاف الزيتون من أرضه في قرية كوركان فوقاني، التابعة لناحية معبطلي التي عانت ما عانته منطقة عفرين شمال غربي سوريا لعقود مضت، إلا أن هذا العام لن يمر كسابقه.
تماما كما في كل عام، يعوّل محمد وعائلته على جني الزيتون من أرضه الوحيدة وبيعه لتأمين قوتهم، إذ يشكل العمل في الزراعة، وبخاصة الزيتون وعصره ليصبح زيتاً ومن ثم بيعه في الأسواق، مصدر الدخل السنوي الأساسي لسكان منطقة عفرين.

لم يستطع الرجل العفريني مزاولة عمله بأمان هذا الموسم، ففي تشرين الأول/ أكتوبر الماضي تعرضت آليات المعصرة التي يملكها للسرقة، على يد عناصر منضوين تحت فصيل “محمد الفاتح”، أحد الفصائل المسلحة المسيطرة على عفرين، والتي تجاوزت قيمتها آلاف الدولارات، حيث تم السطو على (أجهزة خلط الزيتون، الكسارة، وكهربائيات وغيرها) وفقاً لابنته.
بعد شهر على حادثة السرقة، حين كان محمد برفقة زوجته في أرضه لجني المحصول، جاءت مجموعة مدججة بالسلاح يرتدي عناصرها زياً عسكرياً، ادعوا أنهم دورية تنتمي لجهاز الشرطة العسكرية في المنطقة، وأنهم جاؤوا لمرافقته للتعرف إلى معدات معصرة الزيتون المسروقة بعدما قدم بلاغاً بحادثة السرقة.
يذهب محمد برفقتهم، وتنقطع أخباره، وتعيش العائلة أياماً من الرعب والقلق، وفقاً لما ترويه ابنته التي تؤكد أن الخاطفين طلبوا لتحريره في ما بعد “فدية” بقيمة 25 ألف دولار أميركي.
في موسم الزيتون الماضي في منطقة عفرين، شكلت عمليات خطف المزارعين مقابل طلب فدية، وفرض ضرائب على المحصول والتي كانت تقتطع من محاصيل المزارعين، لمصلحة مجالس محلية مشكلة حديثاً، وكذلك الاستيلاء على محتويات معاصر الزيتون، والتعرض للمزارعين على الطرقات العامة والحواجز، واقعاً يومياً عاشه مزارعو المنطقة وأريافها الزراعية، ليتحول محصول هذه الزراعة فريسةً تستسيغها جماعات وأفراد منضوون تحت فصائل مسلحة.
هذه الفصائل وعناصرها يتبعون للجيش السوري الحر الذي سيطر على المنطقة في 18 آذار/ مارس، إثر عملية “غصن الزيتون” العسكرية التي أطلقتها هيئة الأركان التركية بداية عام 2018، بهدف “قتال وحدات حماية الشعب الكردية” YPG، المسيطرة على المنطقة. وتأسست لاحقاً مجالس محلية في عفرين وريفها بدعم من الحكومة التركية لإدارة شؤون السكان و”توفير الخدمات الأساسية”.
لكن على العكس، فقد أضحت “الفوضى والانفلات الأمني جزءاً من واقعنا اليومي”، يقول الناشط أحمد البرهو، المقيم في مدينة عفرين معلقاً على ما شاهده بأم عينه، حيث “تحصل الانتهاكات يومياً بحق السكان وأصحاب الأراضي. وجاء موسم الزيتون لتستغله العصابات لما يدر عليها من أموال”.
هذه الانتهاكات ستكون لها عواقب جسيمة على السكان، يحذر مهندس من المكتب الزراعي في عفرين، رفض ذكر اسمه لأسباب أمنية، قائلاً “إن لم ننتج الزيت، الشعب هنا سيكون جائعاً”.
سيطرة الفصائل على المنطقة، لم تق الأهالي من التجاوزات اليومية، وفق منظمات حقوقية دولية مثل “هيومن رايتس ووتش”، إلا أن لموسم الزيتون فصلاً جديداً من فصول الانتهاكات، على ما يوثق هذا التحقيق على مدار 3 أشهر من خلال مقابلات مع شهود عيان، وناشطين، ومزارعين، وتم التحفظ على ذكر الأسماء الكاملة (الكنية) للمصادر، بناء على طلبهم وحرصاً على سلامتهم كونهم لا يزالون يقيمون في تلك المنطقة.

خطف مقابل فدية!
تروي ابنة محمد، أيام الرعب والقلق التي عاشتها مع عائلتها، إلى أن تم إعلامهم من طريق أحد الأشخاص بأنه يتوجب عليهم دفع فدية مقدارها 25 ألف دولار (13500 مليون ليرة سورية) مقابل إطلاق سراح رب الأسرة.
بقي الرجل مخطوفاً مجهول المصير لمدة 17 يوماً، يقول: “كنت فيها طوال الوقت معصوب العينين باستثناء موعد التحقيق مع أحد الخاطفين. الوضع كان مرعباً”، بحسب وصفه.
كثرت شكاوى أهالي عفرين وانتشرت أخبار الخطف والانتهاكات على وسائل الإعلام، فكان لا بد للفصائل المدعومة من تركيا أن تتخذ خطوة.

لحسن حظ الرجل، تم تحريره مع 7 مخطوفين آخرين كانوا محتجزين في قرية عرب أوشاغي، بعد حملة أمنية شنها “الجيش السوري الوطني” (مجموعة فصائل تابعة للجيش الحر) في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، بدعم مباشر من القوات التركية التي أسست ما يدعى “فرقة المهمات السورية”.
يؤكد الناشط العفريني أحمد الذي حاول مساعدة العائلة أثناء الحادثة ورافقها لتقديم شكوى عند الشرطة العسكرية، أن الجهة التي اختطفت الرجل هي مجموعة مسلحة أسسها شخص معروف باسم “حميدو” وانضوت تحت فصيل “محمد الفاتح”، إلا أنها لاحقاً انضمت إلى فصيل آخر يدعى “السلطان مراد”.
وفق سكان من المنطقة، تعرف هذه المجموعة المسلحة وسط السكان بأن لها سوابق في أعمال السرقة تحت تهديد السلاح، وتضم عشرات الأشخاص، وفق مقابلات مع سكان محليين خلال إعداد التحقيق.
لم يرد أي تعليق أو بيان رسمي من قبل الفصائل المسلحة، رداً على تلك الاتهامات، وورد في تقارير لمنظمة حقوق الإنسان في عفرين، (منظمة محلية معنية بتوثيق الانتهاكات في المنطقة)، أن السكان يقدمون شكاوى للشرطة العسكرية، وإنما “من دون جدوى”.
وكان المكتب الإعلامي للشرطة العسكرية نشر فيديو في 18 أيلول/ سبتمبر تحت عنوان تسيير “دورية لقمع تجاوزات ومخالفات عملية قطاف الزيتون”.

بموجب القانون الدولي واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، فإن عمليات مصادرة الممتلكات من قبل جماعات مسلحة، محرمة بموجب القانون الإنساني الدولي، سواء كانت القوات الحكومية هي من ارتكبها أو جهات غير الحكومية

زيتون تائه بين تعاميم المجالس وأتاوات الفصائل

توالت تعاميم المجالس المحلية وقرارات الفصائل قبيل موعد قطاف الزيتون السنوي خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر من كل عام.
ونظراً لصعوبة الوصول إلى إحصاءات دقيقة لعدد أشجار الزيتون في المنطقة، وبالتالي تقدير حجم الإنتاج السنوي، أكد مهندس من المكتب الزراعي لمدينة عفرين (التابع للمجلس المحلي) أن المنطقة تضم نحو 12 مليون شجرة، وهو خمس عدد الأشجار في سوريا (67 مليون شجرة)، إذ إنّ مساحة الأراضي المزروعة تبلغ 142 ألف هكتار (كثافة الأشجار تقدر بين 80 إلى 100 شجرة/هكتار)، بإنتاج يبلغ تقريباً 63 ألف طن زيت سنوياً، وقد يختلف الرقم كل عام بحسب الموسم.

ووفق إحصاءات الإدارة الذاتية التي كانت تسيطر على المنطقة قبل عام 2018، توجد في المنطقة 250 معصرة زيت زيتون، و18 معملاً لإنتاج البيرين (مخلفات الزيتون المجروش الذي يمكن استخدامه سماداً أو بديلاً للوقود والحطب).

في 18 أيلول الماضي، أصدرت هيئة “الجيش السوري الوطني” تعميماً ينص على “ترك مسؤولية قطاف وعصر الزيتون للمجالس المحلية في كل منطقة، وتسليم جميع قطاعات أشجار الزيتون لها”.
المجالس المحلية بدورها، أخذت على عاتقها تنظيم موسم القطاف، وسمحت للمزارعين بممارسة عملهم لكن بعد الحصول على موافقة بذلك من المجلس، وفرضت عليهم ضرائب تستقطع من المحصول وتعود إلى المجالس، وأصحاب المعاصر، وذلك مقابل أن تؤمن الحماية للأراضي والممتلكات الزراعية، وفق المزارعين.

صورة عن التصريح الذي يتوجب على المزارعين الحصول عليه للتمكن من جني محصول الزيتون، مكتوب باللغتين العربية والتركية.

أكد 5 مزارعين قابلتهم معدة التحقيق، تتوزع أراضيهم في مناطق وبلدات مختلفة من أرياف عفرين، أنهم دفعوا الضريبة المفروضة من المجالس المحلية لقاء تأمين أراضيهم وأعمالهم خلال موسم القطاف السنوي للزيتون، إلا أن ما دفعوه من أموال لم تجعلهم في مأمن من المضايقات ولم تتم حمايتهم شخصياً ولا حتى حماية محاصيلهم، وبالتالي دفعوا الضريبة مقابل لا شيء.
وبموجب قرارات المجالس المحلية، تتراوح نسبة الضريبة بين 10 و20 في المئة، من إجمالي المحصول، بمعنى أن 60 ألف طن زيتون وهو حجم الإنتاج السنوي تقديرياً، قيمته السوقية تتجاوز الـ150 مليون دولار كما تقدر مصادر إعلامية ومحلية، ما يعني أن المجالس المحلية جنت بحجة الضرائب نحو 25 مليون دولار من المزارعين على شكل زيتون أو زيت.
ويشير كتاب رسمي مؤلف من فقرتين، موجّه إلى أصحاب معاصر الزيتون اطلعت عليه معدة التحقيق، وصادر عن المجلس المحلي لمدينة راجو التابعة لمنطقة عفرين، إلى فرض ضريبة بنسبة 10 في المئة على أصحاب الزيتون (المزارعين) وتقتطع من إنتاج الزيت ويعود ريعها لمصلحة المجلس المحلي.
أما بالنسبة إلى أصحاب الأراضي غير الحاضرين، أو الذين أوكلو أقرباءهم، فحدد الكتاب اقتطاع ضريبة مضاعفة قدرها 20 في المئة من إنتاج الزيت، وتعود لمصلحة المجلس أيضاً.
وذكرت مصادر متقاطعة من المزارعين، أنّ الضريبة المفروضة على وكلاء الأراضي تتراوح بين 15 إلى 30 في المئة (بحسب المنطقة ودرجة قرابة الموكل إليه القطاف).
وفق الأمم المتحدة، أدى القتال على خلفية عملية غصن الزيتون العسكرية إلى نزوح 137 ألف شخص على الأقل.

فصائل فوق القانون
بقيت تعهدات المجالس المحلية وتعاميمه، بحماية المزارعين وعوداً وحبراً على ورق، وظل المزارعون تحت سلطة الفصائل من دون رادع.

التعميم رقم 1 تاريخ 29 أيلول 2018، والممهور بختم وتوقيع رئيس المجلس المحلي في ناحية بلبل، والذي ينظم عملية جني المحصول ويضع ضوابط وأطراً للعملية لتكفل حقوق المزارعين سواء القائمين على محاصيلهم أو الوكلاء، لم يكن له أي اعتبار من قبل مجموعة مسلحة تابعة لفصيل يدعى “السلطان مراد”.

شهدت قرية “خليلوكو” التابعة لناحية بلبل في ريف عفرين، منع المزارع سالم في منتصف تشرين الأول من جني محصول أحد أقربائه بقوة السلاح، من قبل عناصر للفصيل ذاته، على رغم استيفائه للشروط المفروضة، وسحب منه التوكيل من دون تقديم أي مبرر، واستولى العناصر لاحقاً على محصول الأرض، كما يقول.
في حين فرضت فصائل أخرى على أصحاب الأراضي، دفع مبلغ يتراوح بين 1000 ليرة (دولارين) إلى 2000 ليرة (4 دولارات)، على كل شجرة، مقابل السماح لهم بجني المحصول، وفق سالم، وناشط آخر من عفرين.
فاضل (مزارع من سكان قرية روطنلي)، جنى محصوله في النهاية بعد اضطراره إلى دفع 150 ألف ليرة سورية (300 دولار) في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر لعنصر مسلح يتبع لفصيل “سمرقند” المسيطر على القرية التابعة لناحية معبطلي.
وذهبت عناصر من الفصائل في تجاوزهم قرارات المجالس المحلية، إلى ما هو أبعد من منع المزارعين أو الضغط على أصحاب المعاصر والخطف، بقصد الحصول على الأموال، حيث تعمدت فصائل إلى جلب عمال لقطاف الزيتون لمصلحتها. أحد الأمثلة على ذلك، استقدام ما يعرف باسم “لواء المعتصم” في تشرين الثاني عمالاً لجني المحصول في قرى عدة تابعة لناحية بلبل، وفقاً لناشط ومزارعين من المنطقة.
يحذر مهندس زراعي (فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية)، من الأضرار الجسيمة التي تتعرض لها الأشجار “نتيجة الممارسات السيئة التي تقوم بها الفصائل أثناء جني الثمار في الليل، من دون سلالم عبر ضرب الشجرة باستخدام العصي، نظراً إلى كونها الطريقة الأسرع، لكن ذلك يؤدي إلى تلف وانكسار بعض الأغصان التي كانت ستحمل ثماراً العام المقبل، ويؤدي ذلك إلى حصول انشقاقات تنجم عنها أمراض بكتيرية تؤذي الشجرة”.
ويضيف “أشعر بالحزن على تلك الأشجار، فأنا أملك أرضاً فيها ألف شجرة تعرضت كلها للسرقة أثناء غيابي لأيام قليلة. أنا كغيري من المزارعين نعامل الشجرة هنا وكأن لديها مشاعر وعقلاً ولا نقوم بإيذائها”.

بروز “قيادات المال”
ظهرت تضييقات أخرى كبلت أيدي أصحاب الأراضي على التصرف بمحصولهم وأثارت خوفهم على الأشجار التي يتجاوز عمرها عمر المُزارع نفسه.
ويلفت، أبو أسعد الذي يملك أرض زيتون في قرية سمعان التابعة لناحية حريتان شمال حلب، إلى تضييقات الفصائل أثناء التنقل من قرية إلى أخرى، مؤكداً أن “الحواجز تمنع مرور شاحنات الزيتون ولا تسمح لها بالعبور من قرية إلى أخرى من دون موافقة المجلس المحلي. وأنا اضطررت لدفع 100 دولار (50 ألف ليرة) للحاجز كي أنقل سيارتي، على رغم أنها لم تكن محملة بأي نوع من البضائع، من قرية مجاورة إلى قرية سمعان”.
يتقاطع حديث المزارع أبو أسعد، من حيث منع المزارعين نقل محاصيلهم من مكان إلى آخر أو إخراجه من القرية مع نص التعميم رقم 1 المشار إليه أعلاه بتاريخ 29 أيلول، وينص في مادته الثانية على أنه “تمنع منعاً باتاً عمليات بيع وشراء ونقل حب الزيتون إلا بموجب كتاب من قبل المجلس (اللجنة المركزية في المجلس المحلي) وبخاصة أصحاب المحلات والدكاكين”.
إضافة إلى ما سبق، يتوجب أيضا على المزارع دفع 5 في المئة، من إنتاج محصوله لأصحاب المعاصر. وأصدر المجلس المحلي في جنديرس في تشرين الأول، تعميماً موجهاً للمزارعين ورد فيه اقتطاع 15 في المئة من إنتاج المزارع يذهب ثلثها (5 في المئة) لمصلحة أصحاب المعصرة.

يلخص المزارع فاضل أنه “إذا جمعنا تكاليف القطاف والنقل إضافة إلى الضرائب التي يتوجب على المزارع دفعها للمجالس المحلية وأصحاب المعاصر، فإن تكلفة صفيحة (تنكة) الزيت (16 ليتراً) تزيد عن ثلثي سعرها بالسوق”.
الفصائل المسلحة والمجالس المحلية لم يصدر عنها أي اعتراف رسمي بحدوث مضايقات أو اعتداءات بحق المزارعين، كما أنه لا توجد أي جهة معنية بتوثيق التجاوزات.
ومع صعوبة الحصول على رد لمواجهة ما يسوقه المزارعون والناشطون، استطاعت معدة التحقيق التواصل مع مصدر في الجيش السوري الوطني، موجود في المنطقة، واشترط التستر على اسمه ورتبته الأمنية، فعزا “سبب الانتهاكات التي ترتكبها الفصائل وعناصرها إلى نقص الرواتب والأجور، وإلى رغبة لدى بعض القادة في جمع الأموال من السرقات”.
وأضاف “نحن كجيش حر عندما دخلنا إلى عفرين، برزت (قادات المال) التي تعمل على ارتكاب السرقات كما يحلو لها. ونحن نعاني من تسلّطهم بشدة، فموضوع الخطف والسرقة هو عمل عصابات تتبع لهذه القيادات” على حد قوله.
وحول ردود أفعال المجالس المحلية، التي يذهب جزء من إنتاج الزيتون لها، أكد المصدر أنها “لا تمتلك أي سلطة بتاتاً على الفصائل”، وأن الرواتب الشهرية المنخفضة التي يتقاضاها بعض العناصر قد “تدفع البعض إلى الانخراط في أعمال غير شرعية كالسرقة والنهب. إذ إن الراتب الشهري للعنصر 550 ليرة تركي (100 دولار)، وهو بالكاد يكفي لتغطية الحاجات الأساسية”.
وفي عموم مناطق المعارضة شمال سوريا، تتفاوت الأجور التي يتقاضاها المقاتلون بين منطقة وأخرى وتبعاً للفصيل الذي ينتمون إليه. في حين تتراوح أجور المقاتلين المدعومين من تركيا بين 200 و300 دولار شهرياً.

احتكار السوق

إذا تمكن المزارع في منطقة عفرين من جني محصوله بعد امتثاله لتعاميم المجالس المحلية وأوامر الفصائل المسلحة، فإن عقبة أخرى ستقف أمامه وتمنعه من حرية التصرف بمنتج أرضه، إذ لا يحق له بيع زيت الزيتون إلا داخل عفرين وبأسعار منخفضة.
منعت الفصائل المسيطرة على كل ناحية، حصول أي عمليات تصدير للزيت خارج عفرين، وتداولت شبكات أخبار محلية ورواد مواقع التواصل الاجتماعي وناشطون في 24 تشرين الأول الماضي، صدور قرار بمنع بيع زيت الزيتون خارج عفرين، وتم تحديد سعر صفيحة الزيت (16 ليتراً) 14 ألف ليرة سورية (30 دولاراً).
منع التصرف بالمحصول ونقله، لم يكن فقط لخارج عفرين، بل نصت بعض قرارات المجالس المحلية على منع نقل المحصول إلا بكتاب رسمي، وهو ما نص عليه التعميم رقم 1 لعام 2018 الصادر عن المجلس المحلي لناحية بلبل.
المهندس الزراعي، العامل في المكتب الزراعي لمدينة عفرين (جهة خدمية تتبع للمجلس المحلي والحكومة السورية الموقتة في تركيا)، أكد أيضاً قرار “منع إخراج الزيت من عفرين نهائياً، الأمر الذي نتج عنه حصول عمليات تهريب عدة لأن السوق تم احتكاره تماماً من قبل تجار ووسطاء يعملون مع نظرائهم الأتراك، ما أدى إلى تدهور الأسعار، إذ تباع صفيحة الزيت بمبلغ يتراوح بين 12 ألفاً و14 ألف ليرة سورية (30 دولاراً)، بانخفاض نسبته تتجاوز النصف، مقارنة مع العام الماضي”.

مصير زيت عفرين
كثيرون ومنهم الناشط البرهو، أكدوا وجود وسطاء جدد في المنطقة يشترون الزيت بأسعار منخفضة ويبيعونه لتجار أتراك.
من جهة ثانية، لفت مصدر من الجيش السوري الوطني إلى أن “عملية بيع الزيت محصورة بالتجار المحليين الذين يتعاملون مع نظرائهم الأتراك”، مؤكداً “وجود لجنة في المعصرة تضم مندوباً تركياً، يشرف على جمع ضرائب الزيت”.
وأوضح أن “الزيت ينتقل إلى تركيا عبر شاحنات تنطلق من عفرين مروراً بمعابر مثل إعزاز ومعبر الراعي التجاري”.
وكان فوزي حسن نائب رئيس المجلس المحلي في ناحية جنديرس، قال في سياق حديث إعلامي إن “زيت الزيتون الذي تشتريه تركيا من عفرين يمرر عبر معبر باب السلامة (ريف حلب الشمالي) في منطقة درع الفرات”.
الزيت العفريني كان أيضاً حاضراً في التصريحات الرسمية المنشورة في وسائل الإعلام التركي، إذ ذكرت “صحيفة يني شفق” في تشرين الثاني الماضي، أن السوريين في عفرين سيصدّرون محاصيلهم، وبخاصة زيتون عفرين الشهير من خلال تعاونيات الائتمان الزراعي التركي (ACC) لتعزيز العلاقات التجارية في المنطقة. كما افتتحت جمعية الصناعيين المستقلين ورجال الأعمال التركية (MUSIAD) أيضاً فرعاً جديداً في منطقة أعزاز في تشرين الثاني.
إن انتهاء موسم الزيتون هذا العام لا يطوي صفحة الانتهاكات بحق المزارعين وأصحاب الزيتون، ويبقى محمد وفاضل وأبو أسعد وغيرهم، خائفين على أراضيهم وعلى أمان عائلاتهم، وآملين بأن يتم تطبيق قانون عادل في المنطقة يحفظ حقهم في مواسم الزيتون المقبلة.
وعلى رغم الإقرار ببدء تطبيق أحكام القانون الإنساني الدولي على الجماعات المسلحة، بيد أن الآليات المعنية برصد الانتهاكات غير قادرة على مراقبة التزام هذه الجماعات بالقوانين الدولية كونها معدّة لمراقبة الدول وحسب.

 

أنجز هذا التحقيق بإشراف الوحدة السورية للصحافة الاستقصائية – سراج 

ثلث عناصر”الجيش الحر” يهربون من إدلب إلى عفرين…

إقرأ أيضاً