تحية من كردي إلى اللغة العربية

سيبان حوتا
ديسمبر 24, 2018
لأن الكردية ممنوعةٌ و يُنظر إليها على أنها مسخ يجب وأده، تدخل عالم اللغة العربية عبر تشويه لغتك الأم. يحصل هذا في سوريا وفي باقي الدول التي تقتسم الكرد فيمنع منعاً باتاً الدراسة باللغة الكردية في سبيل محو هذه اللغة.

عندما دخلت المدرسة الإبتدائية في سوريا في سنّ السابعة و حتى الثانية عشرة لم أكن أجيد القراءة والكتابة باللغة العربية الجديدة كلياً علي. كيف يمكنني تعلم هذه اللغة وقد أمضيتُ سبع سنوات أستقي فيها اللغة الكردية من والدتي والحيّ الذي أسكن فيه؟

اللغة الكردية كانت لغة المزاح والسباب و اللعب والتواصل الأول والأخير مع العالم حتى بلغتُ السابعة. حينها انتقلت لعالم جديد ولغة جديدة وغريبة على مسمعي. لغةٌ تكتب وتلفظ بشكل آخر تماماً. التشابه بين العربية والكردية معدوم تماماً. ولأن الكردية ممنوعةٌ و يُنظر إليها على أنها مسخ يجب وأده، تدخل عالم اللغة العربية عبر تشويه لغتك الأم. يحصل هذا في سوريا وفي باقي الدول التي تقتسم الكرد فيمنع منعاً باتاً الدراسة باللغة الكردية في سبيل محو هذه اللغة.

هذا المنع دفع بالكثير من الكرد نحو ترك المدارس الحكومية واللجوء إلى الحِرَف وهذا تماماً ما كان نظام البعث يريده، أكرادٌ فقراء أميون لا يتحدثون العربية ولا يتقنون لغتهم الأم كتابة وقراءة. لم يكن مستغرباً أن ينشأ لدى الكثيرين مشاعر كره شديد للغة العربية، ورفض عميق لهذه اللغة باعتبارها السبب الذي أدى إلى تدهور اللغة الكردية ومنعها.

اللوم لا يقع فقط على عاتق النظام الأسدي البعثي فحسب بل يقع أيضاً على عاتق الأحزاب الكردية السياسية في سوريا، التي كانت تكتب أنظمتها الداخلية و صحفها الدورية وبياناتها باللغة العربية.

في كردستان العراق كان الوضع مختلفاً تماماً، فغالبية الكرد في الإقليم لا يتحدثون العربية لأنهم نالوا الحكم الذاتي عام 1970، وهو الحكم الذي استطاع الكرد انتزاعه فكان له أثر إيجابي على تطور اللغة الكردية هناك، فباتت الكردية لغة الصحف والجامعات والمعاهد، لكن هذا الأمر لم يؤثر إيجاباً على الكرد في سوريا لأن اللهجتين الكرديتين في سوريا وإقليم كردستان العراق مختلفتان.

حافظ الكرد على لغتهم الأم من خلال الأغاني الفلكلورية والملحمات الغنائية أو ما يعرف بـ “أغاني الحروب” والقصص الشفهية، لأنه لم يكن هناك من طريقة أخرى لتداولها. في سوريا استطاع الكرد التغلب على جميع مصاعب تعلم اللغة الجديدة، فقد نما عدد الكرد الجامعيين بشكل ملحوظ في العشرين السنة الماضية، وبرزت أسماء لامعة في مجال الأدب والكتابة باللغة العربية من أصول كردية من شعراء وكتاب وصحفيين أمثال سليم بركات، عبد المقصد الحسيني، هوشنك أوسي، هيثم حسين، عارف حمزة وغيرهم كثيرون.

في السنوات الأخيرة قام حزب الاتحاد الديمقراطي – في المناطق الكردية السورية – بفرض التعلم باللغة الكردية إلى جانب التقليل من حصص اللغة العربية و المناهج التي تخص النظام السوري، ما أثار موجة كبيرة من الانتقادات بين أوساط الطوائف التي تعيش في الجزيرة السورية ذات الغالبية الكردية. لكن الحزب بقراره هذا يقترف ذات الخطأ الذي اقترفه البعث منذ عقود بحق اللغتين الكردية والعربية من خلال خلق علاقة عدائية بين الكرد والعربية و بين العرب والكردية، متناسين أن المرء يمكنه تعلم العربية والكردية معاً إلى جانب الفرنسية أو الإنكليزية.

وجود لغة ما ليس مرهوناً بنفي الأخرى.

ورغم أنها كانت فرضاً عليّ، فأنا لا زلت أحبُّ العربية كما أحب لغتي الأم. لا يجوز نبذ لغة ما بسبب نظام سياسي، وسوف أبقى أحب اللغتين وأكتب بهما وأقرأ بهما. إنهما اللغتين اللتين شكلتا شخصيتي الكردية السورية.

 

إقرأ أيضاً:

أورهان باموك لـصديقه الأرمني: أحب صوركَ لأنها جميلة

كيف يُسبغون الشرعيّة على “دولة الخلافة” اللاشرعيّة؟

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
طردت “آيشتي” أكثر من مئة موظف وموظفة تعسفياً، بعد إجبارهم على التوقيع على استقالات للتنازل عن تعويضاتهم المالية، واقتطاع رواتبهم. المفارقة أن هذه الشركة تستحوذ على 80 في المئة من حصة السوق اللبنانية من الألبسة الفاخرة والماركات العالمية.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
على رغم مرور أسابيع على انتفاضة 15 تشرين الثاني الإيرانية، إلا أن أعمال القمع والاعتقال العشوائية ما زالت سارية المفعول في المناطق العربية، خصوصاً في ماهشهر وجوارها
باسكال صوما – صحافية لبنانية
في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا شكّ في أنّه أمرٌ مؤلم أن يتمنّى لك رفيقك الموت حرقاً. لكن تعليقاً غاضباً كهذا هو مجرّد تفصيل أمام ما نعانيه منذ سنوات من تهديد وتهويل وحقد لا مثيل لها كمعارضين شيعة للأخ الأكبر.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التلفزيونات اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة من نظام الفساد والارتهان الذي باشر اللبنانيون الانتفاض عليه. رخص البث منحت لها من هذا النظام، وحصص الإعلانات وزعت عليها بناء على توازناته. موقعها الطبيعي هناك
زينب المشاط – صحافية عراقية
في بيت سميرة عاش الفتى المغدور هيثم علي اسماعيل الذي قُتل وتم التمثيل بجثته في ساحة الوثبة على مرأى من الجماهير، في حادثة اعتبرت من أبشع الجرائم التي ترتكب على هذا النحو في السنوات الأخيرة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email