تحرش جنسي واعتداء باسم السلطة: لجم العقل عبر ترويض الجسد 

كريم شفيق – صحفي مصري
يوليو 16, 2019
"كانت أيديهم تعبث بصدري... وقعت بوجهي على الأرض، وفوجئت بعدد كبير من هؤلاء البلطجية فوقي، يتحرشون بي، مرة ثانية، ويعبثون بمناطقي الحساسة. بدأت أصرخ طالبة النجدة، وظللت أصرخ إلى أن فقدت الوعي"... 14 عاماً مرت على الشهادة التي روتها الصحافية المصرية، نوال علي.

“كانت أيديهم تعبث بصدري… وقعت بوجهي على الأرض، وفوجئت بعدد كبير من هؤلاء البلطجية فوقي، يتحرشون بي، مرة ثانية، ويعبثون بمناطقي الحساسة. بدأت أصرخ طالبة النجدة، وظللت أصرخ إلى أن فقدت الوعي”.

وقفة احتجاجية تضامناً من الصحفية التي تعرضت للتحرش في السجن، نوال علي

14 عاماً مرت على تلك الشهادة، التي روتها الصحافية المصرية، نوال علي، والتي رحلت بعدها، بأعوام قليلة، إثر إصابتها بمرض السرطان؛ إذ كشفت عن تعرضها لاعتداء جسدي، وتحرش جنسي، من قبل عناصر تابعين للأمن، والحزب الوطني الحاكم، وقتذاك. وكان ذلك إثر مرورها بنقابة الصحافيين المصريين، عام 2005، في اليوم المعروف بـ”الأربعاء الأسود”، حيث احتشد عدد من المواطنين والمعارضة المصرية، للاحتجاج ضد التعديلات الدستورية، التي كانت تمهد لتوريث الحكم لآل مبارك.

المشهد ذاته، تكرر بتفاصيله، وصورته القاتمة، مع ظاهرة ما عرف بـ”المواطنون الشرفاء”، بعد 30 حزيران/ يونيو، عام 2013، وهم مجموعة من البلطجية، الذين يشكلون صفوفاً خلفية لقوات الأمن، بينما شرعوا في الاعتداء على الصحافيين، والتحرش الجنسي بالصحافيات، أمام مقر نقابتهم بعد اقتحامها الشهير، والذي صودف حدوثه في “أربعاء أسود” جديد.

واللافت أنه في الواقعة الأولى، التي استغلت فيها السلطة البلطجية للاعتداء على المتظاهرين والمحتجين على التعديلات الدستورية، وقع في العام التالي، وخلال أيام عيد الأضحى، اعتداء جماعي على النساء، وسط القاهرة.

ومنذ لحظة اندلاع الثورة المصرية، عام 2011، برزت خطابات عدة، تحاول نبذ الأجساد المتمردة، ونفيها خارج المجال العام، للسيطرة عليها وإخضاعها، عبر الاعتداء المباشر على الأجساد، وتصفيتها بالقتل العمد، ثم الاختطاف والتعذيب، والسحل في الشوارع والميادين، وأقبية المعتقلات والسجون، إضافة إلى الاعتداءات الجنسية على الفتيات، لا سيما وقائع كشوف العذرية.

تعتمد النظم، في كل العصور وعبر التاريخ، آليات انضباطية وعقابية عدة، تقوم بها السلطة خارج نطاق المؤسسات، في كثير من الأحيان، كما يوضح فوكو، فتمارس أثرها اللامرئي، وتنبث في شرايين الوجود الاجتماعي ككل.

منذ لحظة اندلاع الثورة المصرية، عام 2011، برزت خطابات عدة، تحاول نبذ الأجساد المتمردة، ونفيها خارج المجال العام، للسيطرة عليها وإخضاعها، عبر الاعتداء المباشر على الأجساد

وتحاول السلطة من خلال الضغط على الأجساد بقوة خطابها، أن تتجاوز آليات العقاب التقليدية، كالسجن، مثلاً، إلى استلاب الفرد وإبادته، بنعومة، لترويض فاعليته، كي تضمن طواعيته فتحيله إلى التقاعد، من دون صخب.

كما تهدف إلى تشكيل هوية مستلبة، من خلال تكريس ذات ضعيفة ولينة، تنبذ المقاومة، وتقوم على الطاعة والخضوع.

إذاً، تم تطوير تقنيات وأنماط ممارسة تنظيم السلطة، بهدف التأديب، وصنع الألم وإخضاع الأفراد، عبر شبكة مركزية ومؤسسية، تتحكم من خلالها بفرض خطابها وانتشاره، وتأثيراته، في النظام الاجتماعي.

فلم يعد الموت وإفناء الجسد من الوسائل الحيوية والمجدية لدى السلطة، التي سبق أن اتبعت تلك الوسائل، وغيرها، لضمان بقائها وشرعيتها، التي تهددها مقاومة الأفراد المتمردين عليها، واتجهت إلى إلحاق الألم بالجسد وتعذيبه، وتشكيل إكراهات مادية ومعنوية عليه، كالاعتراف والاستجواب.

فالجسد المتألم، بتعبير الباحثة الأميركية، ألين سكاري، والذي يهتز تحت تأثيرات الضرب والقمع، والوصم أحياناً، يفقد دوره وأهميته، ويتخلى عن فكرته، وينعزل عن هدفه الأساسي.

إذاً، علنية الألم وصنع مشاهده باحترافية وقسوة، يهدفان إلى زيادة الخوف داخل الجسم الاجتماعي، عبر خلق الأجساد الضعيفة والمتهاوية، والمنبوذة، عبر آليات الضبط في الدولة، كالشرطة والمؤسسات الأمنية، وفي المدارس والأسرة والإعلام، وهو ما يصنع قوة ردع هائلة، تجعلها أحد مصادر قوة الدولة.

وبحسب الباحثة الأميركية، فإن التعذيب “مشهد من مشاهد القوة التي تدمر العالم، فالعالم والذات والصوت، تُفقد أو توشك على ذلك من جراء ألم التعذيب”.

في شهادتها التي وثقتها “منظمة العفو الدولية”، تروي سلوى الحسيني، وكان عمرها لا يتجاوز العشرين ربيعاً، عام 2011، أنه بعد اعتقالها ونقلها إلى سجن عسكري، في الهايكستب، على طريق الإسماعيلية الصحراوي، أجبرت هي ومعها أخريات، على خلع ملابسهن، حتى يتسنى للحارسة، تفتيشهن، في غرفة ببابين مفتوحين ونافذة.

وأثناء عملية التفتيش، كان جنديان ينظران داخل الحجرة، بينما يلتقطان صوراً للنساء العاريات. بحسب الحسيني.

وتحدثت الشهادات التي وثقتها المنظمات الحقوقية، عن تفاصيل ما عرف بـ”كشوف العذرية”، على الفتيات اللواتي قبض عليهن، وأودعن في السجون العسكرية، حيث كان هناك طبيب، يقوم بتوقيع الكشف الطبي “الإجباري”، على عذرية الفتيات اللاتي تم احتجازهن في السجن الحربي.

وكان هناك ضابط من الجيش يباشر عمله، ويحضر الفحص للفتيات، إضافة إلى سجانة. كما تم تفتيش النساء عاريات، بعد خلعهن كامل ملابسهن، في وقت واحد ومكان واحد. وعلى رغم أن من قام بالتفتيش سجانة، إلا أن باب عنبر الحجز كان مفتوحاً.

هاجس الجسد لدى السلطة التي تقوم بتخزين سلطتها داخله، وإفراغ الطاقة الزائدة منه، وتثبيط قدراته وإمكاناته، عملية مستمرة عبر التاريخ، تهدف إلى منع عدوى انتقال التمرد والثورة إلى أجساد الآخرين، وخلق تلك الأجساد الموصومة بالقمع والتنكيل، إضافة إلى إنتاج قيمها، وتشكيل لغتها ومعرفتها الخاصة وفرضها.

وبينما تظل الأجساد تحت الوصاية والتهديد المستمرين بالعزل والنبذ والتعذيب والاعتراف، وغيرها، من وسائل الهيمنة وآليات العقاب، التي تحصر البشر بين قيودها، وتجعلهم في مواقع تنفيذ السلطة المرئية والخفية، فقد حفل التاريخ بمشاهد تعذيب ومقاومة متفاوتة.

وزادت حدة الصراعات المريرة بين الضحية والجلاد، في رحلة شاقة، حاول الجسد خلالها انتزاع حقوقه المهدورة في الاعتراف به، والحصول على المعرفة، فضلاً عن إزاحة النزعات التحقيرية والعدوانية عنه، ومعاملته كشيء، فقط، للتملك. ويتم تهميشه وإهماله وتحقيره، فضلاً عن وصمه بالضعف، والانحراف، والمرض، والجريمة.

تتمثل تلك الثنائية الجدلية في مشهدية النفي والإثبات المستمرين؛ فيحل الجسد الانضباطي “السيد” محل “المتمرد” و”الثائر. وقد ظل الجسد موضوعاً للشهوة والإكراه، ورمزاً للانسحاق، في ظل الكثير من الخطابات الفلسفية المهيمنة، حتى مع صعود الحداثة، التي مارست قطيعة تامة بين الجسد والروح، وتكثيف عملية نفيه والتعالي عليه، والزهد في رغباته وكبح تمرده، حتى يبدو وكأنه مجرد كتلة مادية، وغلاف سميك يحيط بالكائن الحيّ، من دون أن يسترد حضوره، بل يبقى دائماً جثة.

راكمت النظم السلطوية أجساداً مشوهة، تتعرض إلى صنوف النفي والتعذيب والتصفية المختلفة، وطورت تقنيات عقابية، بغية القبض على الجسد وتجزئته وعزله؛ بداية من المصحة العقلية إلى العيادة والحبس والاعتقال، وحتى الجنس، كما يقول فوكو. وظل تعذيب الجسد طقساً عنيفاً تمارسه السلطة، والذي تراوح بين مركزية، تمارس من خلالها قبضتها المتوحشة، وانتقامها في المراسم الاستعراضية، مروراً بانتشارها، الخفي والناعم، في شرايين الجسد الاجتماعي، وفق آليات اشتغال مغايرة، تضمن لها الجدوى والقوّة، فتنتقل من الإبادة الصاخبة إلى إبادة ناعمة، أليمة، صامتة.

لذا، ثمة جسد يفرض هيمنته وحضوره بقوة، ويتمدد في حدوده القصوى، وآخر يعلن انسحابه، وينزاح مهزوماً، رداً لهيبة السلطة وممثلها، وتثبيت مكانتها وقوتها المطلقة، في مقابل محدودية الأجساد الأخرى وتناهيها.

راكمت النظم السلطوية أجساداً مشوهة، تتعرض إلى صنوف النفي والتعذيب والتصفية المختلفة، وطورت تقنيات عقابية، بغية القبض على الجسد وتجزئته وعزله

ولذلك، يمثل التعذيب تقنية فعالة لإفراغ الجسد من قوته والحفر في ثناياه، عبر وسائل تصنع الألم والوجع، عبر مؤسسات وآليات متنوعة، للوصول إلى عمقه وولادة الحقيقة بالقوة والإكراه. ومن ثم، يتحول تعذيب الجسد إلى تعذيب للحقيقة، التي تحصنت داخله، فتتلاشى أهمية ملابسات الجريمة ودواعيها، أمام ضرورة التعذيب الحتمية، وتصفية الجسد في هذا السياق، من خلال صيغة الإعتراف النهائية التي تضفي الشرعية التامة للعقوبة.

ومن ثم، يعتبر أعمق ما في فضاء الإنسان هو خارجه، لأنه فضاء التماس والمواجهة بين القوتين؛ قوة الجسد وقوة السلطة، التي تصيب هذا الجسد في سطحه، حتى يشعر بها في أعماقه، وبالتالي، فالجسد منسحق تحت تأثيرات تاريخية وسياسية، ويتشكل وفق رهانات السلطة، وتقنياتها، التي تعمل على تطويعه وتدبير طاقته وتوظيف أنشطته.

يعد الجسد بمثابة ذاكرة مجتمعية، دوّنت على سطحها آليات التوجيه والنفي والترويض، وأشكال القمع والمصادرة والوصم التي مارستها ضده السلطة، وجعلت منه رقيباً على ذاته ومن حوله، بهدف منع انتقال عدوى التمرد، وفرض وقاية حتمية ضد حدوث عصيان جديد، وكبت كل توق إلى الانعتاق والتحرر، ومن ثم، الحفاظ على توازن القوى لمصلحة السلطة.

يعد الجسد بمثابة ذاكرة مجتمعية، دوّنت على سطحها آليات التوجيه والنفي والترويض، وأشكال القمع والمصادرة والوصم التي مارستها ضده السلطة

في مفهوم السلطة، يقفز الجسد فوق حدود هذا الهيكل المتعين في الفرد، وحلول ذاته فيه، بما يمنحه من هوية ويخلق له مساراً ومصيراً إنسانياً. كما لم يعد منحصراً كأداة تناسل بيولوجية، لكنه تحول إلى موضوع استثمار سياسي، من خلال إنتاج جسد اجتماعي تسكنه السلطة، وتنتشر في كل مفاصله لتتمكن منه وتتملكه، بغية استخدامه وتحقيق استراتيجية العقاب التي تنطلق من جسد الفرد، كقاعدة للانتشار داخل حدود الجسد الاجتماعي وأطرافه. ومن ثم يتحقق مجتمع السلطة التي تضمر الذوات داخلها وتطمر الأجساد فيها، وتصبح السلطة منبثة في العالم ومختلطة بأجزائه؛ ذلك المجتمع الذي استغرقه التأديب وانفتح السجن على خارجه وتحول إلى سجن لا مرئي.

اليمن: الرجال إلى الحرب والنساء للصناعات المنزلية

Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email

إقرأ أيضاً

ميريام سويدان – صحافية لبنانية
طردت “آيشتي” أكثر من مئة موظف وموظفة تعسفياً، بعد إجبارهم على التوقيع على استقالات للتنازل عن تعويضاتهم المالية، واقتطاع رواتبهم. المفارقة أن هذه الشركة تستحوذ على 80 في المئة من حصة السوق اللبنانية من الألبسة الفاخرة والماركات العالمية.
بادية فحص – صحافية وكاتبة لبنانية
على رغم مرور أسابيع على انتفاضة 15 تشرين الثاني الإيرانية، إلا أن أعمال القمع والاعتقال العشوائية ما زالت سارية المفعول في المناطق العربية، خصوصاً في ماهشهر وجوارها
باسكال صوما – صحافية لبنانية
في البلاد التي تقودها السلطة المهذّبة، الشتائم مرفوضة والقتل مسموح إذاً، كما أنّ الحبّ ممنوع والحرب مسموحة.
بوناصر الطفار – كاتب ومؤدي راب لبناني
لا شكّ في أنّه أمرٌ مؤلم أن يتمنّى لك رفيقك الموت حرقاً. لكن تعليقاً غاضباً كهذا هو مجرّد تفصيل أمام ما نعانيه منذ سنوات من تهديد وتهويل وحقد لا مثيل لها كمعارضين شيعة للأخ الأكبر.
حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
التلفزيونات اللبنانية لم تكن يوماً بعيدة من نظام الفساد والارتهان الذي باشر اللبنانيون الانتفاض عليه. رخص البث منحت لها من هذا النظام، وحصص الإعلانات وزعت عليها بناء على توازناته. موقعها الطبيعي هناك
زينب المشاط – صحافية عراقية
في بيت سميرة عاش الفتى المغدور هيثم علي اسماعيل الذي قُتل وتم التمثيل بجثته في ساحة الوثبة على مرأى من الجماهير، في حادثة اعتبرت من أبشع الجرائم التي ترتكب على هذا النحو في السنوات الأخيرة.
Share on facebook
Share on twitter
Share on whatsapp
Share on email