fbpx

هنا القصة الثالثة

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

حازم الأمين - صحافي وكاتب لبناني

مقالات الكاتب

تأرجح المواجهة الوشيكة بين جنوب لبنان وجنوب سوريا

سألتُ مسؤولا أردنياً عما إذا كان لدى المملكة مخاوف من اقتراب “حزب الله” من حدودها بسبب “انفراج” علاقتها مع النظام السوري وما أعقب ذلك من فتح لمعبر نصيب الحدودي، لا سيما أن مسؤولين أردنيين كانوا في السابق قد أشاروا إلى هذا النوع من المخاوف. جواب المسؤول الأردني كان نفي وجود هذه المخاوف لسببين، الأول هو أن عملية ضبط “حزب الله” ممكنة من خلال التوافق الأميركي الروسي، وهذا بحسبه أمر لا بد منه، وسيتم عبر تعزيز موقع النظام السوري، وعبر تقدم نفوذ موسكو على نفوذ طهران داخل أجهزة السلطة في سوريا. أما السبب الثاني لتراجع مخاوف عمان من اقتراب حزب الله من الحدود الأردنية السورية، هو أن المملكة اختبرت في مرحلة ما قبل انفراج علاقتها مع النظام اقتراب “داعش” من حدودها، وإدارة الصراع مع الحزب، أمر ممكن بحسب المسؤول الأردني، أما اقتراب “داعش” من هذه الحدود فيفتح الصراع مع التنظيم على احتمالات الداخل الأردني، وما يمكن أن يستدرجه هذا الصراع لجهة فتح شهية “داعش” الداخل.

يؤشر هذا الكلام إلى وجهة أردنية، لا بل عربية لرهان على النظام السوري لاستيعاب النفوذ الإيراني في سوريا، وهنا يذهب هذا الرهان إلى دور لموسكو على هذا الصعيد. هذا الكلام ليس تحليلاً، ذاك أنه ورد على ألسنة أكثر من مسؤول عربي تُعتبر دولهم جزءاً من التحالف المفترض في مواجهة طهران. الحديث عن دور لموسكو في فك العلاقة بين النظام السوري وبين طهران لازمة تتكرر في مجالس هؤلاء، ويشيرون إلى أن لواشنطن وتل أبيب دوراً في بلورة هذا الخيار. ويشيرون إلى أن وقف تل أبيب غاراتها على مواقع إيرانية في سوريا هو جزء من توافقات مختلفة بين تل أبيب وواشنطن من جهة وبين موسكو من جهة أخرى.

الأردنيون مثلاً ذاهبون بالتنسيق الميداني مع أجهزة النظام السوري إلى أكثر مما يتصوره المراقب. معبر نصيب الذي تم فتحه الشهر الفائت، تم تجهيزه من الجهة السورية من قبل السلطات الأردنية، بسبب عجز السلطات السورية عن تجهيزه بمعدات التفتيش والمراقبة. التنسيق بما يخص مخيم الركبان في أحسن أحواله أيضاً. والأردن حين يُقدم على ذلك إنما يمثل بخطواته وجهة تتعدى قراراً داخلياً اتخذه. موقعه في خريطة التحالف مع دول الخليج اعتبار أساسي، وتنسيقه مع تل أبيب أيضاً جزء من حساباته، وتواصله مع القيادة الروسية أيضاً. وهذا أمر يوحي بأن وجهة عربية ودولية بدأت تتبلور يُعاد فيها الرهان على النظام السوري بصفته حصاناً للتخفف من النفوذ الإيراني في سوريا.

خريطة المناطق التي تخضع لنفوذ إيراني في سوريا – المصدر: ايتانة

ثمة مؤشرات ميدانية كثيرة تُعزز هذه الوجهة. التوقف المفاجئ للغارات الإسرائيلية أو تراجع وتيرتها على الأقل، فتح معبر نصيب الحدودي بين الأردن وسوريا، التنسيق بما يتعلق استئناف إدخال المعونات الإنسانية إلى مخيم الركبان من قبل النظام السوري، استئناف التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية الأردنية وأجهزة أمن النظام السوري على نحو علني لا يخفيه المسؤولون في عمان، ولموسكو بحسب أكثر من مصدر دور كبير في معظم هذه الخطوات.

لكن في مقابل كل ذلك، هناك من يعتقد باستحالة مواجهة النفوذ الإيراني في سوريا، أو على الأقل استبعاد أن تؤدي هذه الخطوات إلى إضعاف طهران ميدانياً أو سياسياً في سوريا. وقال مسؤول غربي في عمان لـ”درج” أن نفوذ طهران في سوريا يفوق نفوذ موسكو، وأن علاقاتها مع النظام في سوريا أكثر تعقيداً من أن تتولى خطوات من هذا النوع إضعافها. ويؤكد هذا المسؤول أن سبب تراجع الغارات الإسرائيلية على مواقع إيرانية هو الخطأ الذي ارتكبه الإسرائيليون عندما أسقطوا الطائرة الروسية، وهو ما أفضى إلى وعد إسرائيلي لموسكو بوقف هذه الغارات موقتاً.

ويرى مراقبون ميدانيون للوضع في جنوب سوريا ما يخالف تماماً توقعات المراهنين على ابتعاد النظام السوري من طهران وتقديمه الخيار الروسي. فالخرائط التي توزع في أروقة السفارات الغربية لشكل انتشار الميليشيات المدعومة من إيران، لا سيما “حزب الله”، في جنوب سوريا تكشف عن تكثيف هذه الميليشيات حضورها على كل المستويات، وتفوقها على الشرطة المحلية التي أنشأتها موسكو في مدينة درعا وفي أريافها. فراتب العنصر في الميليشيات المدعومة من موسكو هو 150 دولاراً في الشهر، بينما يبلغ راتب العنصر في الميليشيات المدعومة من إيران 250 دولاراً أميركياً، وهو ما مكن “حزب الله” من بناء شبكات محلية يفوق عدد عناصرها عدد عناصر الشرطة الروسية. ومن الأمثلة المتداولة على عدم امتثال النظام السوري للتوجهات الروسية، ما حصل لأحمد العودة وهو قائد فصيل معارض مُنح ضمانات روسية مقابل قتاله “داعش” إلى جانبهم في جنوب سوريا وتحول جماعته إلى فصيل مقرب من الشرطة الروسية، فكان أن صدر حكم بحقه من القضاء السوري، وهو اليوم ملاحق ومتخفٍ ولم تتمكن موسكو من إيفاء تعهداتها له. وفي مقابل ذلك، انضم مئات من عناصر الميليشيات المعارضة إلى تشكيلات مقربة من طهران، وهم اليوم جزء من شبكات يرعاها حزب الله ويمولها ويحميها.

 

تل أبيب المتحفزة للانتقال إلى المبادرة بالمواجهة في ظل مشهد عربي ودولي سيفسح لها المجال للمواجهة، والمشهد غير المُفسر في محافظات الجنوب السوري، كل هذا يوحي بأننا بانتظار انفجار يتمنى المرء أن يكون مخطئاً بتوقعه حصوله.

 

ويؤكد مواطنون سوريون أن تواجد حزب الله زاد في ريف درعا الشرقي، وهو يتراجع كلما اتجهنا غرباً، ولاحظ السكان تراجعاً كبيراً لحضور الشرطة الروسية في الآونة الأخيرة. ولفت أحد المواطنين إلى أن الحزب صار يعمل داخل وحدات الجيش السوري وفي ثكناته.

ثم إن هناك نوعاً آخر من أشكال نفوذ “حزب الله” في جنوب سوريا، بحسب تقارير ميدانية توزعها سفارات غربية في عدد من الدول المجاورة لسوريا، وهي نفوذه في بيئة المخيمات الفلسطينية هناك، وبحسب تقرير لمؤسسة “إيتانا”، وهي مؤسسة استشارية لديها شبكة متعاونين ميدانيين في سوريا، فإن حزب الله خصص “مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في مناطق التسوية بمساعدات عينية مستمرة، لا سيّما بعد تراجع عمل وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، ويقوم بالتركيز عسكرياً على هذه الشريحة، ولعلها الشريحة الأكثر قبولاً للشعارات الدعائية التي يعتمد عليها الحزب في تجنيد مجموعات مناطق التسوية (العداء لإسرائيل – تحرير الأراضي المحتلة – مواجهة النفوذ الإسرائيلي في سوريا)”.

ويضيف التقرير: “ثمة مجموعة واحدة مختلطة لحزب الله وجيش التحرير الفلسطيني بقوام (250) مقاتلاً، منهم (150) عنصراً من اللاجئين الفلسطينيين. تتركز أنشطتها في مخيم درعا ودرعا البلد، ويمكن اعتبارها جزءاً من عمليات الاحتواء الواسعة التي يقوم بها حزب الله تجاه مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا عموماً”.

يلقي هذا المشهد المنقسم بين وجهتي النظر  هاتين غموضاً على مستقبل الجنوب السوري، لا سيما أنه وفي مقابل وجاهة المشهد الميداني الذي تقدمه تصورات المراقبين الغربيين والقائلة بفشل محاولات فك الارتباط بين النظام السوري وطهران، ثمة مخاطر فعلية يمكن أن يمثلها تضاعف النفوذ الإيراني في جنوب سوريا على إسرائيل، وهذه الأخيرة تراقب عن قرب وعن كثب ما يحصل هناك.

وليس بعيداً من جنوب سوريا، وفي جنوب لبنان تحديداً يبدو التحرك الأخير الذي باشرته تل أبيب في جنوب لبنان عبر مباشرتها ما زعمت أنه عملية تدمير أنفاق باشر حزب الله ببنائها على الحدود بين لبنان وإسرائيل، هو جزء من تغير ربما تحمله الأيام المقبلة إلينا في المنطقة. فحزب الله الذي علق تشكيل حكومة في لبنان، يشعر من دون شك بأنه على أبواب مواجهة بين واشنطن وطهران، وتل أبيب المتحفزة للانتقال إلى المبادرة بالمواجهة في ظل مشهد عربي ودولي سيفسح لها المجال للمواجهة، والمشهد غير المُفسر في محافظات الجنوب السوري، كل هذا يوحي بأننا بانتظار انفجار يتمنى المرء أن يكون مخطئاً بتوقعه حصوله.    

وهنا على المرء أن يستعيد ما نشرته صحيفة “هآرتس” قبل أيام عن نية إسرائيلية بنقل المواجهة مع “حزب الله” من سوريا إلى لبنان، لا سيما في ظل تداخل مشهد المواجهة في سوريا مع الحضور الروسي، وما يمكن أن يستدرجه ذلك من احتكاك مباشر مع موسكو. وما قالته “هآرتس”، يأتي اليوم معززاً بالإعلان الإسرائيلي عن بدء عملية في جنوب لبنان، وببيانات صحافية إسرائيلية عن مناورات بمعدات جديدة على الحدود مع لبنان. أما الأشد خطورة، فهو أنه يأتي في لحظة افتتاح زمن المواجهة بين واشنطن وطهران، وهي مواجهة مباشرة على صعيد العقوبات، إلا أنها ميدانياً ستكون عبر أذرع العاصمتين في إقليم الحروب المتناسلة.

 

إقرأ أيضاً:

 لبنان: العونيون يفتتحون زمن “ما بعد الفساد

ماتت مي سكاف في الوقت المناسب لموتنا جميعاً 

إقرأ أيضاً