fbpx

هنا القصة الثالثة

نبيل مروة - موسيقي لبناني

نبيل مروة - موسيقي لبناني

مقالات الكاتب

بين التضامن مع “الرداءة” الفنية ومناصرة المقموع… ما العمل؟

غالباً ما يحدث أن أقف حائراً في موقفي من قضية عامة وشائكة تطرح نفسها على الجميع، بُعَيْد كل حادثة قمع، تقوم بها السلطات اللبنانية على أنواعها من سياسية أمنية أو دينية طائفية، فتمنع عملاً فنياً أو تعاقب آخر.

بالتأكيد موقفي دائماً وأبداً يكون ضد سياسة القمع والمنع والرقابة على الأعمال الفنية بشكل قاطع لا جدال فيه، خصوصاً إذا أتى من السلطات الدينية ورجالها…

ولكن حيرتي تحضرني تحديداً عندما يكون العمل الفني المقموع والصادر بِحَقِّهِ قرار بالمنع، عملاً غير جدير بالاحتضان من وجهة نظري الخاصّة ولا يحظى بمستوى الحد الأدنى من الشروط الفنية، تبعاً لذوقي الفني الشخصي.

فبين هذا الخاص وهو لسان حالي، وذاك العام وهو حال القامع والمقموع، يتموضع تأرجحي وحيرتي، أسأل: ما العمل؟

فأنا إذ أدين فعل القمع وأتَّهمه بالرجعية والتخلُّف، وهو حق يجب أن يُقال، وفعل قد يساهم (وقد لا يساهم) من ضمن المجهود العام في خلخلة أسس هذا النظام الطائفي القائم على تحالف رجال الدين مع الطبقة السياسية الحاكمة، ولكن في الوقت نفسه، أقف مرتبكاً حائراً عندما يكون المقموع هو عمل “فني” رديء، يحتوي من الركاكة والسطحية الكثير، فلا يقل سوءاً عن فعل القمع نفسه. وحينئذٍ أشعر كمن يتعاطف مع الرداءة في نتاجات المقموع ويُسَوِّق لها، في حين أن هذه النتاجات الفنية لا تستأهل مني أي التفاتة أو اهتمام.

أقول كل هذا قاصداً موضوع الساعة، حادثة منع حفلة “مشروع ليلى” في مهرجانات بيبلوس. فبعد شجَب فعل المنع وإدراجه في خانة العودة إلى الماضي المظلم لكنيسة القرون الوسطى ومحاكم التفتيش فيها، أتقَصَّدُ التعرُّف والاستماع للمرّة الاولى إلى نتاجات هذه الفرقة المقموعة والممنوعة من الغناء. فلا أقع إلاّ على أغنيات تنم عن هشاشة فنية فاقعة وادعاءات باطلة في التجديد الفني كلاماً ولحناً، ولأكتشف أنَّ التهمتيّن الموجهتين لـ”مشروع ليلى” باطلتان بطلاناً كاملاً.

التهمة الأولى وهي ازدراء الشعائر الدينية وتحقير الذات الإلهية وممارسة الشيطنة، كتهمة باطلة وموجهة من الكنيسة المارونية إلى الفرقة بدوافع محض سياسية، يندرج سياقها في ارتفاع منسوب حدة الصراع الطائفي وتحالفات الأقليات الدينية في لبنان واستنفار غرائز هوياتها الطائفية لشحذ همم جمهورها على التراص كمجموعة منسجمة، كما يفعل الآخرون في المذاهب والطوائف الأخرى.

أما التهمة الثانية الباطلة (من وجهة نظري الخاصة)، فتتعلَّق بموضوع نتاجات الفرقة التي يقال إنها تُشَكّل مشروعاً يحمل بذوراً إبداعية وطرحاً تجديدياً لإنتاج موسيقى وأغنية بديلة عن السائد من النتاجات، يُستأهل الرهان عليها.

تبدو لي هذا الادعاءات في موضوع المقموع أيضاً تُهمة باطلة، يرى مطلقوها من جمهور الفرقة أو الجمهور المواجه للقامع، أن عليهم واجب إبرازها والتسليم بها كدفاع هجومي في وجه السلطات القامعة، لِوَضعِها في موقع الحرج الشديد، فتتراجع عن مواقفها وتكفّ يدها عن البلاد والعباد.

أرى أن ثمة إشكالية كبيرة في النظر إلى موضوع قمع الفن والرقابة عليه، بالتحديد عندما لا يكون هذا الفن مستوفياً شروط الإبداع الفني. إذ يبرز السؤال بإلحاح حول كيف نستطيع أن نسجل موقفاً مبدئياً فعّالاً وثابتاً ضد السلطة القامعة للفن والتعبير الفني، من دون التغاضي عن المستوى الرديء للعمل المقموع وجعله أمراً ثانوياً، لا تجوز الإشارة إليه في “المعارك الكُبرى” مع السلطة القامعة.

هي لا شك إشكالية أخلاقية وثقافية بامتياز وعلى مستوى واحد من الأهمية، خصوصاً عندما تكون المعركة في مواجهة غير متكافئة بين تحالف تاريخي وقوي أعني السلطتين السياسية والدينية من جهة، ومجتمع مدني ضعيف مشتت وغير واضح المعالم والتأثير في الجهة المُقابِلة.

أرى أن ثمة إشكالية كبيرة في النظر إلى موضوع قمع الفن والرقابة عليه، بالتحديد عندما لا يكون هذا الفن مستوفياً شروط الإبداع الفني.

ليس حادثة “مشروع ليلى” مضرب المثل الوحيد في هكذا إشكالية. هناك الكثير من الحوادث المتشابهة في مراحل وأزمنة كثيرة، كان فيها شعار “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، سيفاً مُسْلطاً على كل شيء في السياسة كما في الثقافة والتعبير الفني. وكما كانت مقولة “ضرورة المرحلة الدقيقة لمواجهة العدوان تحتم كذا وكذا”، تدعونا دوماً إلى التغاضي عن الشروط الضرورية المطلوبة في الإبداع الفني، بحجة التجديدية “الثورجية” والفن البديل وتقديس الحرية. وفي النهاية، كرست هذه السلطات، أينما وُجدت في السلطة ام خارجها (الجمهور والإعلام) أعمالاً فنية رديئة وُضعت في خانة الأغنية المُلتزمة أو الوطنية أو البديلة، أدّت إلى تمجيد الموت والشهادة وقيام الأنصاب للقائد والزعيم وتهميش الثقافة وتسطيحها، بجعلها مُلحقة بالسياسة وخادمة، وإن بدت في الشكل متمردة على السائد والنمطي من النتاجات الأخرى.

ورُبَّ سائل يلُحّ بسؤاله عن ماهية الشروط العامة التي بها يُستَدلُّ على حقيقة الإبداع الفني. وقد تكون إجابتي السريعة أننا الآن في زمن لم يعُد هناك من حاجة مُلحة وضرورية لأي شروط عامة يُمليها أحدنا على الآخر في تصنيف الفن وتحديد مستواه وجدواه، وهذا موضوع يطول شرحه في النقد الفني، ولا مكان له في هذه العُجالة.

فالسؤال الأكثر إلحاحاً برأيي يتمحْوَر حول جدوى التضامن والفعل ضد القمع والمنع بحق الأعمال الفنية عبر معارك صغيرة مُفككة ومتباعدة في الزمن، لا تُسمِن ولا تُغني من جوع وعطش للتحرر من نظام التبعية الطائفية في لبنان. أليس هذا النوع من المعارك ما أوحى به بيان المثقفين المسيحيين اللبنانيين في مواجهة ظلم أهل القُربى في موضوع حادثة المنع الأخيرة في منطقة جبيل وجوارها؟

هو خوفهم من أن يخسروا حديقتهم الخلفية غير عابئين بما حصل ويحصل في حدائق غيرهم من الطوائف والملل اللبنانية.

وأعود من حيث بدأت لأسأل، ما العمل بين القامع والمقموع؟

شاهد: القمع ينتصر على “مشروع ليلى”

بصراحة لا أعرف ما العمل. فقط كنت أتمنى ألا تصدر تمنيات المنع من الكنيسة والتهديدات بالتخريب والقتل من قِبل جمهور هذه الكنيسة بحق افراد الفرقة ومنظمي المهرجان. فكم كان حرياً بهذه الكنيسة وجمهورها أن تقول مرددة فعل المغفرة “اغفر لهم يا أبتاه، فإنهم لا يدرون ماذا يفعلون”…. وكم تمنيت أن تصمد “لجنة مهرجانات بيبلوس”، فلا تُلغي حفلها الميمون، لعلَّ في هذا يسترجع الفينقيون “الأجداد” شيئاً من ألقهم الخرافي. كم كنت أتمنى أن يحصل كل ذلك أو بعضه على الأقل، لوفّروا عليّ عناء التفتيش عن أصول ليلى والاستماع ساعات طويلة إلى أغنيات المشروع البائسة برأيي.

لا اعتقد أنني يوماً ما في المستقبل القريب سأخرج من حيرتي المُبَررة. ومع ذلك يحدوني أمل بأنّ يوماً ما سيأتي في ربيع عام 4020 وتكون البلاد أصبحت في عداد الدول المدنية العلمانية التي يسودها حكم القانون والمؤسسات، لشعب واحد يؤمن بالمواطنة وحرية المعتقد والتعبير الفني، سبيلاً للازدهار والتقدم.

إلغاء حفل مشروع ليلى : “جبيل مش القاهرة”

إقرأ أيضاً