fbpx

هنا القصة الثالثة

درج

مقالات الكاتب

“بيلين” زميلتنا التي سجنها صهر أردوغان

أصدر القضاء التركي حكماً بسجن الصحافية بيلين أونكر مدة 13 شهراً لنشرها تحقيقاً ضمن ملفات “وثائق بارادايز”، عرضت فيه مسحاً لشركات صهر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وزير المالية التركي بيرات البيرق، المسجلة في الجنان الضريبية. والغريب أن الحكم لم ينقض المعلومات الواردة في التحقيق ولم يكذبها، إنما اعتبر أن مجرد نشرها هو تشهير بصهر الرئيس، علماً أن الرجل هو وزير مالية، ومن المفترض أن تكون أعماله في متناول الرأي العام. إنها تركيا السجن الأكبر للصحافيين في العالم على ما صنفتها منظمة “مراسلون بلا حدود”.

حين التقينا بيلين أونكر في إحدى ضواحي مدينة ميونيخ خلال الاجتماع التحضيري لإطلاق مشروع “وثائق بارادايز” في بدايات عام 2017 كانت حاملاً بشهرها السادس تقريباً. وهي أخبرتنا خلال المداولات أنها عثرت في بحثها في الوثائق على أسماء أتراكٍ من عائلة الرئيس أردوغان. قالت حينها إن لديها شكوكاً في إمكان نشر مواد تتعلق بعائلة الرئيس، نظراً إلى حملة الاعتقالات التي تطاولت صحافيين في بلدها. وقفت في قاعة الاجتماع يتقدمها بطنها، وعرضت لنا برشاقة ما وصلت إليه في الوثائق.

الصحافية التركية بيلين اونكر

بيلين عادت إلى إسطنبول، وضعت وليدها ونشرت التحقيق. الشجاعة هنا مضاعفة، ذاك أن زميلتنا كانت مدركة المخاطر التي يشكلها نشرها التحقيق، وهي حين توقعت عدم قدرتها على النشر كانت تعني عدم توفر ناشر شجاع، وهي اذ وجدته على ما يبدو بالصحيفة التي تعمل فيها، أي “جمهوريت” لم تتردد للحظة في النشر، وها هي اليوم تواجه حكماً متعسفاً بالسجن. والشجاعة مضاعفة أيضاً لأن بيلين كانت تدرك المخاطر وهي حامل، ما يعني أن الأم التي ستصيرها، وصارتها، ستعيش أشهر السجن بعيداً من مولودها الذي لم يبلغ اليوم عمر السنتين. حادثة من هذا النوع عليها أن تُشعرنا بأن بلادنا بخير، على رغم الحكام الأشرار وعلى رغم شراهة أصهارهم. بلادنا بخير لأن صحافيات مثل بيلين دخلن السجن بخيارهن، فبيلين قررت أن مولودها سيكون بخير إذا ما كانت تركيا بخير، وأن ثمن عيشها في السجن بعيداً منه أقل من ثمن السكوت عن فساد صهر الرئيس.

والحال أن الكارثة الناجمة عن فساد الطبقات الحاكمة في بلداننا تحديداً، ولكن أيضاً في العالم كله في ظل الأخلاق “الترامبية” المتفشية، يوازيه ظهور إرادات أصحابها من الشجاعة التي تبعث على الأمل مجدداً. “وثائق بارادايز”، وقبلها “وثائق بنما” وبعدهما “وثائق الزرع الطبي” هي جزء من محاولات مقاومة نجحت إلى حدٍ كبير في الكشف عن فداحة فساد هذا العالم الذي نعيش فيه. وهذه مشاريع كانت وراءها إرادات أشعرتنا بجدوى المقاومة، على رغم فداحة الأثمان. اجتماع ميونخ حضره نجل الصحافية المالطية دافني غاليزيا التي قتلت قبل أيام من بدء نشرها تحقيقات عن الوثائق. حضر الشاب الاجتماع بعد أيام قليلة من مقتل والدته، ليقول لنا إن القاتل لم ينتصر. وحضرت أيضاً الصحافية السلوفاكية آنوشكا دالي التي قالت إنها عثرت في الوثائق على اسم رئيس تحرير الصحيفة التي تعمل فيها، وعلى رغم ذلك استمرت في العمل على التحقيق.  

 

بيلين قررت أن مولودها سيكون بخير إذا ما كانت تركيا بخير، وأن ثمن عيشها في السجن بعيداً منه أقل من ثمن السكوت عن فساد صهر الرئيس.

 

أما نحن الصحافيين العرب فينتظرنا عمل شاق، على رغم أن صحافة الاستقصاء بدأت تشق طريقها إلينا، وبدأ العالم يشعر بضرورة مشاركتنا همومنا على هذا الصعيد، هذا ما أشعرنا به الزملاء في اجتماع ميونيخ. وإذا كانت بيلين أونكر طرحت على نفسها تحدي نخبة حاكمة في بلدها، فثروات الحكام في بلداننا، حتى المخلوعين منهم، ما زالت مخبأة في جزر الأسرار، ومحمية بقوانين الـ”أوف شور”، وينتظر الكشف عنها تحديات تفوق مخاطرها حكم بالسجن. وهنا لا بد من إرادات تطرح على نفسها ما طرحته بيلين على مولودها. وليست مصادفة أن تُستهدف المشاريع الصحافية الاستقصائية قبل غيرها، ذاك أن المعلومة الموثقة تشطب وجه الصهر على نحوٍ أبلغ مما يفعله الرأي المعارض، أو القصة المعمقة.

غداً سينشر “درج” تحقيقاً استقصائياً عن مصير ثروة أبناء الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، وقريباً عن ثروات عائلة الرئيس اليمني المخلوع والمقتول علي عبدالله صالح. وهذه كلها ثمرة تعاون بين شبكات من الصحافيين العرب من جيل الصحافة الاستقصائية التي بدأنا نلمس ثمراتها في مشاريع الإعلام المستقل. وإذا كنا في “درج” قد تعرضنا الشهر الفائت لغزوة أمنية سببها “وثائق بارادايز” أيضاً، فإن شجاعة زميلتنا التركية ستكون بمثابة دفعٍ لنا، ذاك أن الثمن الذي دفعناه ما زال دون ما قررت بيلين أن تدفعه لقاء إصرارها على نشر ما كشفته لها الوثائق.   

إقرأ أيضاً:

“السرّ” من وراء مداهمة مكتب “درج”

 

إقرأ أيضاً