fbpx

هنا القصة الثالثة

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

بادية فحص - صحافية وكاتبة لبنانية

مقالات الكاتب

بيتي الذي نذرتُه لأبي الفضل العبّاس

لم يخطر في بالي حين قرأت طلب وزارة المالية اللبنانية المحترمة، بوضع إشارة امتياز، أي حجز، على بيتي الصغير في النبطية، سوى مشهد الجنود الصهاينة وهم يصادرون منازل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، ويخرجون أهلها منها بقوة السلاح والاحتلال.

قد تبدو المقارنة قاسية نوعا ما، إذ لا يجوز تشبيه القيّمين على وزارة وطنية محترمة وموظفيها، بمغتصبي الأرض، لكن الصدمة التي اعترتني إثر قراءة الإشعار، حملتني على الفور إلى أحياء القدس العتيقة. تخيلت نفسي أمام بيتي في حي سلوان، وقد استقيظتُ صباحا، لأبدأ أعمال الحب، فخرجت أولا إلى الشرفة، لأسقي ورودا زرعتها يد أمي الخضراء ذات ربيع، فتفاجأت بجنود الاحتلال يحاصرون منزلي، ويدعونني عبر مكبر الصوت إلى إخلائه فورا.

ربما لا يعرف معالي وزير المالية، أن امرأة مطلّقة مثلي، كم كدحتْ وكدّت، وقطّرت على أطفالها وعلى نفسها، لتحصل على خيمة تستر بها عريّها الاجتماعي! وأن بيوت نساء مثلي، ليست حجارة وأبواباً وأثاثاً فقط، هي قلوب مجروحة، مفتوحة، على ألف عذاب وعذاب.

وأظنه يعرف أن موظفي القطاع العام من الفئات الدنيا مثلي، بما أنه موظف في القطاع العام، يتقاضون رواتب لا تكاد تشبع طيراً يطير ولا نملة في وكر، وأنهم يلجأون، حين يحرجهم أطفالهم بالطلبات البريئة، إلى ألف حيلة غير مقنعة، من قبيل أصبحنا كباراً على التنزه في العطل وشراء ثياب العيد سنة تلو سنة، والتذرع بأن التلفزيون لهو والإنترنت مفسدة كبرى، كي يتخففوا من ثقل فواتير آخر الشهر.

وربما لا يعرف معالي الوزير، أن البيوت الصغيرة الباذخة بالبساطة والعادية هي ملاجئ، لمن يشعرهم وحش الضرائب الباهظة، مقابل الخدمات غير المتوفرة كالتعليم والطبابة والضمان الصحي وحق السكن، والمقتطعة من غلالهم القليلة أساساً، بغياب الأمان وفقدان نعمة الاستقرار.

أكثر ما أحزنني وخلّف في قلبي غصّة، في هذه الزوبعة التي هبت عليّ من جهتكم، هو أن تختصر بضعة أرقام تافهة، طُبعت على صفحة الإشعار، بخط أسود بلا قلب، حياة أناس، ولدوا في هذا البيت، نموا، درسوا، نجحوا، ركضوا، رقصوا، لعبوا، تعبوا، ناموا، حلموا، كبروا، غادروا، وما زالوا يؤوبون إليه كل عام، كما تؤوب السنونوات البرية إلى الثقوب سعيا وراء الدف؟! البيوت مدافئ أيضاً، يا معالي الوزير!

ربما يا معالي الوزير، وأنت تمثل وزارة المالية في الحكومة التي تصرّف الأعمال، أن الأموال التي يجنيها من هم مثلي، لا تكاد تغطي مصاريف الأسبوع الأول من الشهر، وأننا في الأسابيع الباقية، نصرف من لحمنا وعظمنا ودموعنا ودمنا، وأننا لولا بعض القيم البسيطة التي تربينا عليها، وما زلنا متمسكين بها، لأنها التفسير الوحيد لصبرنا الجميل، لكنّا تحوّلنا جميعا، إلى لصوص، إلى وحوش يلتهم بعضها بعضاً…كم هو على حق ذلك الذي كتب يوما، أن القيم والمبادئ هي الطريقة الأسهل لسيطرة الأقوياء على الضعفاء؟ّ!

لا، يا معالي الوزير، بيتي الصغير في النبطية، ليس رقماً عقارياً؟! أتعرف، أن أكثر ما أحزنني وخلّف في قلبي غصّة، في هذه الزوبعة التي هبت عليّ من جهتكم، هو أن تختصر بضعة أرقام تافهة، طُبعت على صفحة الإشعار، بخط أسود بلا قلب، حياة أناس، ولدوا في هذا البيت، نموا، درسوا، نجحوا، ركضوا، رقصوا، لعبوا، تعبوا، ناموا، حلموا، كبروا، غادروا، وما زالوا يؤوبون إليه كل عام، كما تؤوب السنونوات البرية إلى الثقوب سعيا وراء الدف؟! البيوت مدافئ أيضاً، يا معالي الوزير!

لا، يا معالي الوزير، بيتي ليس رقماً، ليس عقاراً، وليس ضماناً لتسديد ضريبة غير محقة. الضرائب المحقة، لو قلبت نظرك قليلاً، ستجبيها الوزارة، من عقارات مترامية، متمادية، في الجبال والوديان، من أملاك نهرية وبحرية، ومن مزارع ومقالع ومصانع ومعامل وكسارات، وجبال نفايات يتقاتل على قممها وحوش المال والإثراء غير المشروع ومحدثو النعم قديمو النقم.

بيتي الصغير في النبطية، يا معالي الوزير، هو بيت أطفالي الخمسة، هو كل ما يملكونه في هذه الدنيا، مجتمعين، هو حبل وصال يربطنا ببعضنا بعضا، ويربطنا بهذه الحياة، أليست غاية القانون تنفيذ العدالة؟ أين العدالة في مصادرة حضن؟

أتعرف يا معالي الوزير، أنه حين استقر بنا الحال بين أحضان بيتنا الصغير في النبطية، صرنا نقول: لو أن فيروز رأته، لغنت له بدل أن تغني لبيت مجهول في كندا! رغم أنه هو ليس قصراً منيفاً، ولا شقة باذخة مطلة على البحر، ولا يسد ثمنه كوّة صغيرة في عجز الموازنة، أو يثري خزينة الدولة، هو مثل “بيتنا في بيسان”، باب وشباكان، لكنهما مفتوحان على المودة والرحمة والكرم والدفء والحياة، أيام كانت النبطية مهجورة، منسية، متروكة لمصيرها في مواجهة صواريخ الاحتلال، وجور الحرمان!

ربما يا معالي الوزير، لستَ على علم بالقرار الجائر الذي اتخذته مالية النبطية بحق بيتي، وربما حين تُنشر هذه المقالة، تكون قد أصابتك بعض شظايا قضيتي. أنا يا معالي الوزير، لست متهربة من دفع الضرائب المتوجبة عليّ، ومنذ أكثر من سنة وأنا أتردّد على وزارة المالية لتصحيح الخطأ، الذي أوقعني فيه أحد الموظفين المستهترين، وقد قدمت كل الوثائق والمعلومات المطلوبة التي تثبت مظلوميتي، ولكن ما من مجيب! وكوني مواطنة صالحة وسجلي العدلي نظيف، لا حكم عليه، يحق لي أن أسألك: كم من موظف غير كفوء ولا يفهم في الإدارة، افترى ظلما على مواطن ضعيف، وألزمه بدفع ضريبة غير مستحقة؟ أليس من المعيب أن لا يعرف موظف ذو رتبة عالية في المالية الفرق بين نقابة الصحافة ونقابة المحررين؟ هل من الممكن أن يحمل مواطن رقمين ماليين؟ أليس قرار مصادرة بيت مقابل ضريبة دخل، عقاب فضفاض على مخالفة محدودة؟ وأخيرا سأخاطبك بلغة “المتاولة” كما كانت جدتي تخاطب من يأكل حقها: بيتي الصغير في النبطية نذرته وقفاً لأبي الفضل العباس!   

 

إقرأ أيضاً:

المرأة  في مجتمعنا مهزومة ..

في حوزة الكوفة على بعد أمتار من صوت المتنبي ورأس الحسين 

إقرأ أيضاً